زمنُ التشويهِ والإسقاط… لا البيانِ والبناء
فالبناءُ الحقّ يبدأ من تصحيح المفاهيم، ولمّ الشمل، وردّ الناس إلى الأصول الجامعة، بعيدًا عن الإفراط في حزبيّاتٍ مقيتة تُوسّع دوائر الفتنة وتقود إلى مزيدٍ من تمزيق أمتنا المثخنة بالجراح
كنتُ قد عزمتُ ألّا أكتب في رمضان إلا فيما يعينني على تدبّر آيِ الكتاب، غير أنّي – وأنا أتصفّح أخبار الدعوة والفكر، وشيئًا من شؤون عالمنا الإسلامي – تواردت إليّ جملةٌ من الأخبار والمقاطع التي يمكن جمعها في سياقٍ واحد: سياقِ تحريفِ الإسلام، وتشويهِ حَمَلَته، وإسقاطِ رموزه ودعاته، وبثِّ الفتنة، وتوسيعِ دوائر الفرقة بينهم.
غير أنّ هذه المسالك تصدر عن مقاصد متباينة؛ أكثرُها باطلٌ لا يُظهر العداءَ للإسلام صراحةً بل يستبطنه، وبعضُها في أصلِه حقٌّ، لكن أساء أصحابُه النهجَ وأخطؤوا الوسيلة، فآل الأمرُ في الحالتين إلى نتيجةٍ واحدة: تشويهِ الملّة، وتمزيقِ اللُّحمة، وإضعافِ البيان، وتعطيلِ البناء.
فالعلمانيُّ الساعي إلى منصبٍ أو ارتزاقٍ لا يرى – في كثيرٍ من الأحيان – سبيلًا إلى بلوغ مراميه إلا الارتماءَ في أحضان الآخر عبر التشكيك في قطعيات الدين، متستّرًا بشعاراتٍ من قبيل “مكافحة الإرهاب” و“محاربة التطرّف”، أو بافتعال خصوماتٍ مع بعض التيارات الإسلامية، يتّخذها مطيّةً للطعن في الثوابت وتقويض المرجعيات والافتراء على العلماء والدعـاة.
وجماعاتُ التصوّف الوظيفيّ تُخدِّر الأمة، وتُحاصِر مخالفيها من الدعاة، وتُشيع التفريطَ والتفلّت وتحريفَ المفاهيم، وتُبالغ في تقديس بعض مشايخ الطرق، وإحياء مظاهر القبورِيّة المعاصرة، تحت عناوين برّاقة؛ كتمكين الأشعرية والذود عنها، وصيانة المذهبية الفقهية، ومحاربة الغلو، وبثّ “الدين الوسطي” – زعموا – وتعظيم النبيّ الكريم ﷺ وأهل بيته ومحاربة الوهابية المعاصرة، ولو جاء ذلك في سياقٍ يُخالف هديَ صاحب الشريعة ويباين نصوصها الصريحة.
وفي المقابل، تمضي سلفيّاتٌ مُستخدَمة في تمزيق وحدة الأمة، وتفكيك صفّها، والتسلّط والافتراء على دعاة الإسلام من مخالفيها، تحت لافتات نصرة السنة ومحاربة البدعة وتحقيق الاتباع – زعموا – حتى غدت الخصوماتُ البينيّة مقدَّمةً على مقاصد الاجتماع والائتلاف، وعلى تحقيق الإخاء الإيماني، بل وحتى على الممارسة الدعوية وبث العقيدة الإسلامية.
أما كثيرٌ من أبناء الجماعات الإسلامية، فهم بين صاحب بوصلةٍ مضيَّعة، وفتورٍ طاغٍ، وانشغالٍ بعضِهم ببعض على نحوٍ يتجاوز حدود الحقّ وضوابط الإخاء، مع تقديم تلميع الأبنية التنظيمية – وقد نخرتها عوامل الضعف – على جوهر الرسالة ومقاصدها؛ حتى استنزفتهم معارك الداخل، وأضعفت فيهم روح البناء والممارسة الإصلاحية الجادّة.
ومن تأمّل الواقع جيّدًا علم أنّ هذه المسالك ليست إلا هدمًا مُخادعًا، وتمزيقًا أهوجَ لا تجميعًا، وأن مشاريع بثّ الإسلام وبيانه في الأرض، ومحاربة الأمّية الشرعية، ومجابهة مخططات أعداء الملّة في فرض التغريب وإغراق الأمة في بحور الشهوة والشبهة ومهاوي السطحية والسذاجة، أمانةٌ ما تزال مضيَّعة، ولن تقوم على مجاراة أهل الباطل في أساليبهم، ولا على توسيع الشُّقة وتبادل الاتهامات بين أهل الإسلام – مفتراةً كانت أم ممزوجةً بباطل – بل تقوم على عرضٍ صادقٍ للإسلام، وبيانٍ واضحٍ لعقائده وأحكامه وآدابه ومقاصده ومحاسنه، والتزامٍ عميق بنهجه وأخلاقه، بكل سبيلٍ مشروعٍ متاح.
فالبناءُ الحقّ يبدأ من تصحيح المفاهيم، ولمّ الشمل، وردّ الناس إلى الأصول الجامعة، بعيدًا عن الإفراط في حزبيّاتٍ مقيتة تُوسّع دوائر الفتنة وتقود إلى مزيدٍ من تمزيق أمتنا المثخنة بالجراح، أو التفريط في محكمات الشريعة بما يفضي إلى التضييع والتحريف والتبديل. كما يبدأ بالتحرّر من صراعات المدارس والشعارات، ومن الحظوظ الدنيوية المتستّرة بدعاوى المصالح الشرعية؛ تلك التي تستهلك الطاقات، وتستنزف القدرات، وتُبعد عن القيام بواجبات الوقت ومقتضيات المرحلة.
فإن لم نُحسن إتباع الحق، ولم نَصدق في مراجعة المسارات، فلن نُقيم دينًا، ولن نُصلح دنيا، ولن نصون إخاءً، بل قد نفقد – فوق ذلك – صفاء المقصد، وسلامة الصدر، وصحّة النفس.
والله الهادي.
- التصنيف: