الجمال النابض
فتفاوت البشر في مظاهر الجمال تفاوتًا مقصودًا، لا عبث فيه ولا خلل، ليبقى الإنسان آيةً من آيات الحسن، وشاهدًا حيًّا على قدرة الخالق وعظيم صنعه
محمد ونيس
«إن الله جميل يحب الجمال» [صحيح مسلم]، ليس الجمال في حقه سبحانه زينةً تضاف، بل كمال أصيل لا ينفك عنه، فالله عز وجل جميل في ذاته، جميل في صفاته، جميل في أفعاله، والخلق من آثار أفعاله، فصار الخلق بذلك آيةً من آيات الجمال، وشاهدًا لا ينطق، ودليلًا لا يخطئ، على أن الصنعة إذا صدرت عن الكامل جاءت كاملة، وإذا خرجت من يد الجميل جاءت حسنةً بديعة.
ولهذا لم يكن الجمال في هذا الكون عبثًا ولا حادثًا عارضًا، ولا طلاءً خارجيًّا يُمسح أو يُزال، بل هو إبداع إلهي يسري في الأشياء، ونظام محكم يربط بين الذرة والمجرة، وبين الخلية والكوكب، فكل ما في الكون جميل، لا لأن أعيننا تراه جميلًا، بل لأن الحكمة الإلهية قد أتقنته، {﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾} [النمل: 88]، والإتقان هو ذروة الحسن والكمال.
وإذا كان الكون كله قد اكتسى بحلة الحسن والجمال، فللإنسان منه النصيب الأكبر، والحظ الأوفر؛ إذ تربع الإنسان على عرش الجمال، فكان ذروة سنامه ومنتهاه، ودرة تاجه وأبهاه، فلم يُخلق الإنسان جسدًا يتحرك فحسب، بل روحًا حية، وقلبًا نابضًا، وكيانًا مكرمًا، ومن تمام تكريمه أن الله خلقه فسواه فعدله، فغدا في أحسن تقويم؛ {﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾} [التين: 4]، منتصب القامة، متناسق الأعضاء، واعي العقل، سويَّ النفس، ثم أضفى عليه من جمال الهيئة وبهاء الصورة؛ {﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } ﴾ [غافر: 64]، وذلك جمال تشهد له الفطرة، ويقره الذوق السليم.
ومن تمام حكمته سبحانه أن خلق البشر مختلفي الألسن والألوان، متعددي الصور والأشكال، فكان منهم الأبيض والأحمر والأسود، والطويل والقصير، فتفاوت البشر في مظاهر الجمال تفاوتًا مقصودًا، لا عبث فيه ولا خلل، ليبقى الإنسان آيةً من آيات الحسن، وشاهدًا حيًّا على قدرة الخالق وعظيم صنعه؛ إذ كيف يُعرف الحسن لو كان الناس جميعًا على صورة يوسف عليه السلام؟
وأين يتجلى الصبر، وأين يظهر الرضا بالقدر، لو كان الخلق كلهم على هيئة واحدة، لا اختلاف فيها ولا ابتلاء؟
غير أن العقل البشري، حين غابت عنه حكمة التفاوت في الجمال، شرع يعقد المقارنات بين الصور والأشكال، وتحاكم إلى المرآة لا إلى الميزان، وانشغل بالمظهر عن الجوهر، فأصدر حكمه الجائر؛ فصنف هذا جميلًا وذاك قبيحًا، لا بميزان الخالق، بل بمعيار السوق والهوى، ونظرة العيون العابرة، وهنا وُلد وهمٌ يسمى «القبح» في البشر، لا في الخلقة، بل في الحكم، ولا في الصنعة، بل في النظرة، إنما القبح فكرة دخيلة، تسللت إلى العقول حين انفصلت عن الحكمة من التفاوت، وتغذت على المقارنة بين الأشكال، وسقاها الشيطان وساوسه، حتى ظن الإنسان أن نقصه في صورته، وما نقصه إلا في إدراكه، فبات غير راضٍ عن خلقته، ولا قانعًا بقدره.
ومن هنا بدأ رحلة البحث عن جمال مستعار؛ يستجديه من مبضع جراح؛ ليعيد تشكيل ملامحه، أو من أصباغ وألوان تطمس أكثر مما تظهر، أو من حقنة مالئة (حشو تجميلي) تدمر أكثر مما تصلح، فصار الجمال عنده قناعًا يُلبس، لا معنى يُكتسب، ومظهرًا يرمم، لا حقيقة تُبنى.
وما انتبه الإنسان إلى أن الله تعالى لا ينظر إلى الصور، ولا يزن الخلق بملامحهم، وأن الميزان الذي اعتمده البشر لم يكن هو الميزان الذي أنزله الله، فالمرآة التي احتكموا إليها لم تكن يومًا أداة عدل، ولا المظهر معيار تفاضل، وإنما كان ميزان السماء أعمق من ذلك وأصدق؛ ميزانًا لا يتوقف عند الوجه، ولا يقف عند الجسد، بل ينفذ إلى ما وراء الصورة، حيث القلوب، وحيث المعاني، وحيث القيم التي بها يعلو الإنسان أو يسقط.
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [صحيح مسلم].
إن الشفاء من هوس الصورة، والتحرر من سجن المظهر، لا يكون إلا بالعودة إلى «الجمال النابض»؛ ذلك الجمال الذي يسكن الروح ويشرق في العمل، إننا بحاجة إلى أن نبصر بقلوبنا لا بعيوننا، لنكتشف أن الحسن الحقيقي ليس ملامح تجيد الابتسام، ولا هيئةً تحسن التزين، وإنما هو جمال الروح إذا صفت، وجمال العقل إذا اهتدى، وزكاة النفس إذا سمت، ونبل الأخلاق الذي يصوغ الإنسان من الداخل، فيفيض أثره على من حوله، حتى يصير حضوره طمأنينة، وكلمته سكينة، وخطوته أثرًا لا ينسى؛ إنه ذلك الأثر الطيب الباقي الذي يظل حيًّا نابضًا بعد الممات، حين تفنى الصور وتذبل الأجساد، ويبقى الذكر، ويشهد الأثر، وتنطق الأعمال، وكل ذلك ينبع من صلة العبد بربه؛ فمتى اتصل القلب بخالقه استقام، وإذا استقام القلب تجمل كل شيء، هذا هو الجمال الدائم، الذي لا يهرم ولا يزول، فيرحل صاحبه ويبقى أثره حيًّا نابضًا.
- التصنيف: