الضوابطُ الشرعيةُ للتعامل مع العَيِّنات الدوائية المجانية

منذ 2014-05-27
السؤال:

 ما الحكم الشرعي في بيع العَيِّنات المجانية التي نحصل عليها من مندوبي شركات الأدوية؟

الإجابة:

أولاً: العَيِّنات الدوائية المجانية هي عبارةٌ عن نماذج صغيرةٍ لأنواع من المنتجات الدوائية المنتجة من مصانع الأدوية أو وكلائها. والغرض من ترويجها هو اعتمادها كوسيلة للإعلام عن الأدوية التي تنتجها مصانع الأدوية، أو التي يوزعها وكلاؤها، بهدف تعريف الأطباء والصيادلة على الدواء.

وقد ألزمت القوانينُ المتعلقةُ بالخدمات الطبية، بأن يُطبع على عبوات العَيِّنات الدوائية المجانية، عبارة (عينة مجانية) أو نحوها، ورد في المادة 35/أ‌ من نظام مزاولة مهنة الصيدلة في فلسطين: [تكون عينات الأدوية مختزلةً بجميع أشكالها الصيدلانية، وموسومةً بعبارةٍ تشير إلى أنها (عينةٌ طبيةٌ مجانيةٌ) باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية على لصاقة الوعاء الداخلي، وعلى وجهين من الغلاف الخارجي، يحملان اسم الدواء، شريطة أن تتم الطباعة في المنشأ وفوق اسم الدواء بشكل متقاطع معه أو تحته مباشرة]. 

ثانياً: لا يجوز لشركات الأدوية ووكلاءها أن تعطي عيناتِ أي دواءٍ إلا بعد استيفائه للشروط العلمية المهنية، التي تجيز استخدامه، وأن يكون خاضعاً للتجارب والدراسات المعتبرة في هذا المجال. انظر هدايا الشركات العاملة في المجال الطبي ص14.

وورد في المادة 34/ب من نظام مزاولة مهنة الصيدلة في فلسطين: [يكون توزيع عينات الأدوية مجاناً لغايات الترويج العلمي لها والدراسات العلمية، وحسب تعليماتٍ خاصةٍ تصدرها اللجنة وتتضمن مواصفات تلك العينات وشروط توزيعها]. 

ثالثاً: يقتضي الواجبُ الشرعيُ من مندوبي شركات الأدوية أن يصفوا الأدوية للأطباء والصيادلة على حقيقتها، وعدم ذكر أدوية الشركة بأوصافٍ ليست فيها، كوصفها بالجودة العالية أو ما شابه ذلك، إذا كانت الأدوية بخلاف ذلك الوصف. كأن تكون هذه الأدوية ذات تأثيرات جانبية مضرةٍ، ويقوم مندوبُ الشركة بإخفاء ذلك. أو تكون محرمةً في الشريعة الإسلامية. فالواجب أن يكون مندوبُ شركة الأدوية أميناً في التعامل مع الأطباء والصيادلة، فيما يقدمه لهم من عيناتٍ وبياناتٍ ومعلوماتٍ. انظر بحث” الضوابط الشرعية للمعاملات المالية بين الأطباء ومندوبي شركات الأدوية” د. حسين شحاتة.

رابعاً: إعطاءُ الأطباء والصيادلة العَيِّنات الدوائية المجانية لا حرج فيه أصلاً، ما دام أن القصد من ذلك، هو تعريف الأطباء والصيادلة على الدواء، وبدون اشتراط تسويقها ووصفها للمرضى. بل أصبح ذلك من العرف العام المنتشر في العمل الطبي.

والأصل المقرر عند الفقهاء أن الأصل في المعاملات الإباحة.

قـال شيخ الإسـلام ابن تيميـة: [والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلَّ الكتابُ والسنةُ على تحريمه، كما لا يُشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دلَّ الكتابُ والسنةُ على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرَّمه الله، بخلاف الذين ذمَّهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً، وشرعوا لهم من الدِّين ما لم يأذن به الله، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته] مجموع فتاوى شيخ الإسلام28/386.

خامساً: إذا اشترط مندوبو شركات الأدوية على الأطباء والصيادلة تسويقها ووصفها للمرضى، فلا يحل للأطباء والصيادلة قبولها، لأنها حينئذ تكون رشوة.

وقد ثبت في الحديث «أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/261).

سادساً: يجب أن يكون وصفُ الطبيبِ الدواءَ للمريض حسب حالة المريض وفي مصلحته، ولا يكون مبنياً على ملاحظة مصلحةٍ للطبيب أو لشركات الأدوية. والمريض أمانةٌ بين يدي طبيبه، فإذا وصف الطبيبُ دواءً للمريض على خلاف مصلحة المريض، من أجل تسويق نوعٍ من الأدوية، فإن الطبيب يكون غاشاً لمريضه، ومن المعلوم أن من قواعد المعاملات في الشريعة الإسلامية تحريم الغش والخديعة،

وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا» (رواه مسلم).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار» (رواه ابن حبان والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل5/164).

كما أن الطبيب إذا وصف أدويةً للمريض ليست في مصلحته، فقد خان القسمَ الذي أقسمه عندما تخرج من كلية الطب: [أُقْسِمُ باللهِ العَظِيمْ أن أراقبَ اللّه في مِهنَتِي. وأن أصُونَ حياة الإنسان في كافّةِ أدوَارهَا. في كل الظروف والأحَوال بَاذِلاً وسْعِي في استنقاذها مِن الهَلاكِ والمرَضِ والألَم والقَلق. وأن أَحفَظ لِلنّاسِ كَرَامَتهُم، وأسْتر عَوْرَتهُم، وأكتمَ سِرَّهُمْ. وأن أكونَ عَلى الدوَام من وسائِل رحمة الله، باذلا رِعَايََتي الطبية للقريب والبعيد، للصالح والخاطئ، والصديق والعدو. وأن أثابر على طلب العلم، أُسَخِره لنفعِ الإنسَان. . . لا لأذَاه. وأن أُوَقّرَ مَن عَلَّمَني، وأُعَلّمَ مَن يَصْغرُني، وأكون أخاً لِكُلِّ زَميلٍ في المِهنَةِ الطِبّيّة مُتعَاونِينَ عَلى البرِّ والتقوى. وأن تكون حياتي مِصْدَاق إيمَاني في سِرّي وَعَلانيَتي، نَقيّةً مِمّا يُشينهَا تجَاهَ الله وَرَسُولِهِ وَالمؤمِنين. والله على ما أقول شهيد] إن هذا القسم يجب شرعاً الوفاء به.

وليتذكر الطبيب وأمثاله أنه سيحاسب على كل ما قدمت يداه.

سابعاً: الأصلُ المقرر في الأنظمة الرسمية التي تضبط عمل الأطباء والصيادلة، أنه يُحظر على الأطباء والصيادلة بيع العَيِّنات الدوائية المجانية، مع العلم أنه يُكتب عليها عباراتٌ تدل على أنها مجانية، مثل ”عينات مجانية” أو ”‏عينات مجانية محظورٌ بيعها” ونحو ذلك، فقد ورد في نظام مزاولة مهنة الصيدلة في فلسطين في المادة 73/أ‌: [لا يجوز الاتجار بالعينات المجانية للأدوية وللمستحضرات الصيدلانية الجاهزة أو عرضها للبيع سواء من قبل صاحب مستودع الأدوية أو الصيدلية أو الطبيب أو أي شخص آخر]. 

ثامناً: إذا باع الطبيبُ أو الصيدليُ العَيِّنات الدوائية المجانية، فبيعه باطلٌ شرعاً، لأن الجهة التي منحته العَيِّنات الدوائية المجانية، اشترطت عليه ألا يبيعها من خلال كتابة عبارة تدل على المجانية، كما أن شركات الأدوية التي توزع العَيِّنات الدوائية المجانية إنما توكل الطبيبُ أو الصيدليُ في توزيع هذه الأدوية وصرفها للمرضى مجاناً، وبيعُها مخالفٌ لمقتضى الوكالة،

والعلماء متفقون على أن الوكيل أمينٌ، والواجب شرعاً على الوكيل أن يقوم بتنفيذ الوكالة في الحدود التي أذن له الموكل بها، أو التي قيده الشرع أو العرف بالتزامها، ولا يتصرف الوكيل إلا في حدود ما أذن له فيه موكله. ولا يجوز للوكيل التصرف إلا ضمن ما يأذن له الموكل،

قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [ولا يحل للوكيل تعدي ما أمره به موكله، فإن فعل لم ينفذ فعله، فإن فات ضمن، لقول الله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [سورة البقرة الآية 190]. ولقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [سورة البقرة الآية 194]] المحلى7/91.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله من جهة النطق أو من جهة العرف، لأن تصرفه بالإذن، فاختص بما أذن فيه، والإذن يعرف بالنطق تارة، وبالعرف أخرى] المغني 5/251.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية24/72: [الوكيل لا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله من جهة النطق أو جهة العرف، لأن تصرفه بالإذن فاختص بما أذن فيه، وهو مأمور بالاحتياط والغبطة، فلو وكله في التصرف في زمن مقيد لم يملك التصرف قبله ولا بعده، لأنه لم يتناوله إذن مطلقاً، ولا عرفاً لأنه قد يؤثر التصرف في زمن الحاجة إليه دون غيره]. 

ويترتب على بيع الطبيبِ أو الصيدلي العَيِّنات الدوائية المجانية التحريم، فكسبهُما من ذلك حرامٌ شرعاً.

تاسعاً: يحرم شرعاً على الطبيب والصيدلي أن يقوما بإخفاء ما يدل على أن العَيِّنات الدوائية مجانية، كأن يقوما بطمس العبارة التي تدل على مجانية العبوة.

عاشراً: الأفضل في رأيي أن تكون الأولوية في الاستفادة من العَيِّنات الدوائية المجانية، للمرضى الفقراء والمحتاجين ويقدمون على غيرهم.

وخلاصة الأمر أن الغرض من ترويج العَيِّنات الدوائية المجانية هو تعريف الأطباء والصيادلة على الدواء.

وأنه لا يجوز لشركات الأدوية ووكلاءها أن تعطي عيناتِ أي دواءٍ إلا بعد استيفائه للشروط العلمية المهنية التي تجيز استخدامه.

وأن الواجب الشرعي يقتضي من مندوبي شركات الأدوية أن يصفوا الأدوية للأطباء والصيادلة على حقيقتها.

وأن إعطاء الأطباء والصيادلة العَيِّنات الدوائية المجانية لا حرج فيه أصلاً، ما دام أن القصد هو تعريفهم على الدواء، وبدون اشتراط تسويقها ووصفها للمرضى.

وأنه إذا اشترط على الأطباء والصيادلة تسويقها ووصفها للمرضى، فلا يحل لهم قبولها، لأنها حينئذ تكون رشوة. وأنه يجب أن يكون وصفُ الطبيبِ الدواءَ للمريض حسب حالة المريض وفي مصلحته، ولا يكون مبنياً على ملاحظة مصلحةٍ للطبيب أو لشركات الأدوية.

وأن الأنظمة الرسمية تحظر بيع العَيِّنات الدوائية المجانية، وإذا باع الطبيبُ أو الصيدليُ العَيِّنات الدوائية المجانية، فبيعه باطلٌ شرعاً.

ويحرم شرعاً على الطبيب والصيدلي أن يقوما بإخفاء ما يدل على أن العَيِّنات الدوائية مجانية.

وأن الأفضل في رأيي أن تكون الأولوية في الاستفادة من العَيِّنات الدوائية المجانية، للمرضى الفقراء والمحتاجين ويقدمون على غيرهم.

والله الهادي إلى سواء السبيل. 

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.