الرد على مزاعم الدكتور علي جمعة

منذ 2015-04-30
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أطل علينا مفتي مصر بهذا التصريح؛ فنريد أن نعرف الحق من الباطل أفتونا مأجورين، وإليكم التصريح بنصه نقلاً عن عدة صحف:

أكد د. علي جمعة مفتي الديار المصرية أنه لا تعارض بين القانون الوضعي في مصر والشريعة الإسلامية، وأن التجربة المصرية في ربطهما معاً جديرة بالاحترام؛ لأنها حلت المشاكل الفكرية مع الحفاظ على مبادئ الإسلام؛ فلا تتعارض مع العالم، ولا تترك ديننا، والمحكمة الدستورية تراقب الأحكام ومدى مطابقتها للشريعة.

وقال: إن التعايش مع الآخر قاعدة شرعية، ولا ينبغي شرعاً رفض الآخرين، ويجب التعامل مع الآخر على أنه أخ في الدين أو نظير في الخلق.

وأضاف أن الجهات الدينية ليس لها سلطة ولا تملك حق الضبطية القضائية لمصادرة أي ورقة تسيء للدين أو مساءلة المخطئ في الدين.

وقال - في ندوة مركز بحوث البناء والإسكان -: "إن لدار الإفتاء موقعاً يبث الفتاوى بالإنجليزية والفرنسية والألمانية إضافة إلى العربية وهناك 30 ألف فتوى شهرياً".

وأضاف: إننا في عصر شبهة لذلك لا يتم تطبيق الحدود الشرعية مثل قطع يد السارق وجلد ورجم الزاني.. وفي عصر كهذا تفقد الحدود شروط تطبيقها.

وأكد أن فائدة البنوك ليست رباً ولا يمكن تصنيفها علي أنها ربا.

مشيراً إلى أن حجاب المرأة فرض لكن هناك خلافاً على النقاب وهو بدعة عند الإمام مالك..

كما أن إطلاق اللحية ليس ضرورة عند الإمام الشافعي..

ويجوز للزوجة أن تطلِّق نفسها من خلال ما جاء في عقد الزواج أو أن يفوضها زوجها في ذلك..

وقال إن هناك 50 امرأة تولت ولاية المسلمين عبر التاريخ، وهناك سيدتان تولتا القضاء منهما أم الخليفة المقتدر". اهـ.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن دعوى أن القانون الوضعي مطابق للشريعة الإسلامية، أو غير متعارض معها، من الدعاوى المتهافتة الباطلة، التي يُدْرِكُ زيفها الجميع ببداهة العقول، وبدايات العلوم، وبديهيات الإسلام، ولعمر الله لقد جاء صاحب هذه الكلمة شيئاً فرياً.

فالقانون الوضعي لم يستق أساساً من المصادر الشرعية؛ بل هو منقول من تشريعات أوروبا الوثنية الملحدة، التي تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصوله وفروعه؛ فلا غرابة أن نجده مصادماً للشرع في أكثر أحواله، ولو وافقه في بعض الأوجه، فإنه لا ينتمي إليه مصدراً أو استقاءً؛ ولم يقصد واضعه به اتباع شرع الله. 

بل تحتوي أكثر مواده على ما يهدم الإسلام وينقضه، ولا عجب في هذا؛ فإن واضعه لم يبال – أصلا – أوافق الإسلام أم خالفه، وهذا أمر واضح وبديهي ولا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه ويجهل دينه أو يعاديه من حيث لا يشعر.

قال العلامة أبو الأشبال أحمد محمد شاكر – وهو من أكابر العلماء والقضاة الذين عاصروا فتنة سنِّ القوانين للمسلمين على غرار التشريع الوضعي الحديث! – الوثني – وإلغاء المحاكم الشرعية -: "... انظروا إلى ما صنع بكم أعداؤكم المبشرون المستعمرون: إذ ضربوا على المسلمين قوانين ضالة، مدمرة للأخلاق والآداب والأديان، قوانين إفرنجية وثنية، لم تُبنَ على شريعة ولا دين، بل بنيت على قواعد وضعها رجل وثني كافر هو "جوستنيان" أبو القوانين، وواضع أسسها فيما يزعمون".

وقال: "... هذه القوانين أفسدت على الناس عقولهم وفطرهم الإسلامية، بل فطرهم الآدمية".

وقال: "... لأني أرى هذه القوانين الأجنبية إليها يرجع أكثر ما نشكو من علل، في أخلاقنا، في معاملتنا، في ديننا، في ثقافتنا، في رجولتنا، إلى غير ذلك... أثَّرت أسوأ الأثر في نفوس الأمة، وصبغتها صبغة إلحادية مادية بحتة، كالتي ترتكس فيها أوربا، ونزعت من القلوب خشية الله والخوف منه، كان التشريع الإسلامي يدخل القلوب ويرققها ويطهرها من الدنايا، هذه تربية الشريعة للأمة؛ فانظروا تربية القوانين المادية الأجنبية لم يحترمها المسلمون في عقيدتهم ودينهم، وإنما رهبوها وخافوا آثارها الظاهرة، ولم يعتقدوا وجوب طاعتها في أنفسهم، فكان ما نرى من اللدد في الخصومة والإسراف في التقاضي، وزيادة المطامع، والتغالي في إطالة الإجراءات، والتفصي بالحيل القضائية عند تنفيذ الأحكام.

ثم أجرمت هذه القوانين في حق الأمة والدين أكبر الجرائم فبثت في كثير من الناس روح الإلحاد والتمرد على الدين، أو حمتها وساعدت على بقائها ونمائها، وحمت التبشير وما وراءه من منكرات ومفاسد؛ بما تدعيه من حرية الأديان؛ فأبيحت الأعراض وسُفِكَت الدماء، ولم تنه فاسقاً، ولم تزجر مجرماً، حتى اكتظت السجون، وصارت مدارس لإخراج زعماء المجرمين، ونزعت من الناس الغيرة والرجولة، وامتلأ البلد بالمراقص والمواخير، وشاع الاختلاط بين الرجال والنساء، حتى لا مزدجر، وصرتم ترون ما ترون وتقرؤون ما تقرؤون في الصحف والمجلات.

ومع ذلك فإن هذه القوانين التي تحكمون بها شرطت في القصاص شرطاً لم يشرطه الله، ولم يقل به أحد من المسلمين، لا من المجتهدين ولا المقلدين، ولا موضع له في النظر السليم؛ فأباحت به الدم الحلال، وكان له الأثر الكبير فيما نرى من كثرة جرائم القتل، وذلك أن المادة 230 من قانون العقوبات شرطت في عقاب القاتل بالإعدام: العمدَ مع سبق الإصرار والترصُّد. وأكدت ذلك المادة 234؛ فنصت على أن من قتل عمداً من غير سبق إصرار ولا ترصُّد يعاقب بالأشغال الشاقة، المؤبدة أو المؤقتة.

إن القوانين الإفرنجية والنظم الأوربية فيها كثير مما يخالف عقائد المسلمين، وفيها تعطيل لكثير من فروض الدين، فيها إباحة الخمور علناً، والترخص رسمياً ببيعها، وفيها إباحة الميسر بكل أنواعه، بشروط ورخص وضعوها؛ فخَرِبَت البيوت، واختلّت الأعصاب والعقول، وفيها إباحة الفجور بطرق عجيبة، من حماية الفجار من الرجال والنساء من سلطان الآباء والأولياء، بحجة حماية الحرية الشخصية، ثم ما في الحانات والمواخير ثم اختلاط الرجال والنساء، ثم المراقص العامة والخاصَّة.

وفيها إبطال الحدود التي نزل بها القرآن كلها مسايرة لروح التطور العصري وإتباعاً لمبادئ التشريع الحديث، وتباً لهذا التشريع الحديث وسحقاً، وفيها إهدار الدماء في القتلى باشتراط شروط لم ينزل بها كتاب ولا سنة، إلى غير ذلك مما لا نستطيع أن نحصيه، وكل هذه الأشياء وأمثالها تحليل لما حرم الله، واستهانة بحدود الله، وانفلات من الإسلام وكلها حرب على عقائد المسلمين، وكلها تعطيل لحدود الدين.

ولسنا ننعى على هذه القوانين كل جزئية؛ ففيها فروع في مسائل مفصلة تدخل تحت القواعد العامة في الكتاب والسنة؛ ولكننا ننكر المصدر الذي أخذت منه وهو مصدر لا يجوز للمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أمر أن يتحاكم إلى الله ورسوله، ولكنا نسخط على الروح الذي يملى هذه القوانين، ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في المسائل الخطيرة والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن وعلى البديهي من قواعد الإسلام وأن يصبغوها صبغة أوربية مسيحية أو وثنية، إذا ما أرضوا عنهم أعداءهم، ونالوا ثناءهم، ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث!!". اهـ. باختصار.

وقال العلامة محمد بن ابراهيم آل الشيخ - مفتي المملكة العربية السعودية السابق -: "... فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات، مرجعها كله إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلهذه المحاكم مراجع، هي القانون الملفق من شرائع شتَّى، وقوانين كثيرة؛ كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشرعية، وغير ذلك؛ فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون.

هذا؛ وقد دل القرآن الكريم، على أنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية، وعلى أن قسمة الحكم ثنائية؛ إما حكم الله وإما حكم الطاغوت؛ قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة:50]، والآية الكريمة تدل أعظم دلالة على أن القوانين الوضعية في زمرة الجاهلية، شاء المدافعون عنها أم أبوا، بل هي أسوأ حالاً وأكذب مقالاً".اهـ.

 

فتبين لنا من النقلين السابقين الفارق الكبير بين القوانين الوضعية - التي هي من صنع البشر والتي تشجع على الرذيلة والفجور والجرأة على الله وعلى كتابه ودينه، بما اشتملت عليه من تحليل الحرام، وتحريم الحلال، والشريعة الإسلامية، التي مصدرها الكتاب والسنة، وتشتمل على الحكمة والعدل، وصيانة الدماء والأعراض والأموال والحفاظ على الأمن العام ممن تسول له نفسه ارتكاب الجريمة، خوفاً مما سيلحقه من تبعتها، فيستتب الأمن، ويسود الهدوء، والاطمئنان وتطيب الحياة، وتتم النعمة ويُقْمَعُ الشر وأهله.

وليُعْلَم؛ أن حكم الله بين عباده من أهم خصائص الربوبية، ومن مقتضيات "لا إله إلا الله"، وهو التوحيد الذي أرسلت من أجله الرسل وأنزلت الكتب؛ قال الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام:57]، وقال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف:40]، وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة:49]، وقال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89]، وقال: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، وقال تعالى: {فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [البقرة: 213]، وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10]، وقال تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:70]، وقال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} [القصص: 88]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، قال تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف:26]، وفي قراءة ابن عامر من السبعة {وَلاَ تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}.

قال العلامة الشنقيطي في "أضواء البيان": "إن الحلال ما أحله الله، وإن الحرام ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به - بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثلُه، أو خير منه - كفرٌ بواح لا نزاع فيه، وقد دل القرآن في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتِّباع تشريع غيره كفر به".

وقد أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور فقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65].

قال: قال الإمام أبو جعفر الطبري شيخ المفسرين: "فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دُعُوا إليك يا محمد، واستأنف القَسَم جل ذكره؛ فقال:{وربك}، يا محمد {لاَ يُؤْمِنُونَ}، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك {حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمُ}، يقول: حتى يجعلوك حكماً بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه".اهـ.


ولقد قام علماء أجِلاَّء معروفون بالعلم والصلاح، والاستقامة على منهج أهل السنة والجماعة بمحاربة وجهاد تلك القوانين، والتحذير منها، وكشف عوارها، ومن هؤلاء العلامة المحدث أحمد محمد شاكر في مواضع متفرقه من كتابه الماتع "عمدة التفاسير"، والعلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في "فتاويه" و"رسالة تحكيم القوانين"،والعلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان"، والعلاَّمة ابن باز في كتاب "نقد القومية العربية"، والعلامة محمد بن صالح بن عثيمين في شرحه على "كتاب التوحيد"، والعلامة عبدالرزاق عفيفي في رسالة له مطبوعة، والشيخ محمد سليمان الأشقر في كتابه "الشريعة الإلهية لا القوانين الوضعية"، وغيرهم كثير.

 

أما قوله: "إن التجربة المصرية في ربطهما معاً – الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي – حلت المشاكل الفكرية مع الحفاظ على مبادئ الإسلام:

فقد مر بك أن القانون الوضعي والشريعة الإسلامية متضادان؛ فيستحيل أن يرتبطا سوياً، أما زعم: "أنها حلت المشاكل الفكرية"؛ فيبطله الواقع الذي نعيشه، وذلك أن الطوائف الملتزمة دينياً وفكرياً في البلاد التي تطبق فيها تلك القوانين، يطالبون على الدوام بتطبيق أحكام الإسلام، بل أدى التمادي في تطبيق القانون الوضعي – مع عدم الإصغاء إلى الأصوات المنادية بإلغائه – إلى انحرافات فكرية وعملية يعاني الجميع ويلاتها.

 

أما قوله: "المحكمة الدستورية تراقب الأحكام ومدى مطابقتها للشريعة":

فالظاهر – والعلم عند الله – أن صاحب هذا القول لم يرجع – قبل حديثه – إلى رجال القانون فيسألهم عن صحة ما ذكره، وعن طبيعة عمل المحكمة الدستورية!.

فمن المعلوم أن المحكمة الدستورية أنشئت لمراقبة القوانين ومدى مطابقتها للدستور!، ولهذا لما رُفِعَت إليها كثير من القضايا التي يطالب أصحابها بعدم مشروعية قانون العقوبات في القوانين الوضعية لمخالفته للحدود الإسلامية، رفضت الدعوى بحجة أن تلك الحدود كانت قبل دستور 1971 (تقصد أن الدستور أتى عليها!) وأن المحكمة مختصة في رد القوانين التي تخالف ما ورد في الدستور، ثم ذكرت في الحكم أن هذا الأمر يطلب من المجالس التشريعية؛ لتنظر في تعديل الدستور؛ ليوافق الشرع الإسلامي في الحدود!.


أما قوله: "إن التعايش مع الآخر قاعدة شرعية، ولا ينبغي شرعاً رفض الآخرين، ويجب التعامل مع الآخر على أنه أخ في الدين، أو نظير في الخلق":

فإنه لم توجد أمة وسعت مخالفيها وأفسحت لهم صدورها كما فعل المسلمون؛ انطلاقاً من قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8].

ولكن قوله: ويجب التعامل مع الآخر على أنه أخ في الدين، أو نظير في الخلق": فالمسلم ليس أخاً للكافر في الدين بداهة؛ قال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35].

وقوله:أو نظير في الخلق، فإن كان يقصد الحقوق العامة بين البشر من العدل وحسن الخلق وعدم الاعتداء ونحو هذا، فلا بأس، إلا أن يترتب عليه مساواة في الحقوق والواجبات.

 

وأما قوله: "إن الجهات الدينية ليست لها سلطة ولا تملك حق الضبطية القضائية لمصادرة أي ورقة تسيء للدين أو مساءلة المخطئ في الدين":

فنفي السلطة عن العلماء مطلقاً غير صحيح؛ لأن الله أخذ الميثاق على العلماء في البيان؛ قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78-79]، وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]، قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم؛ فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سُئِل عن عِلْم فكَتَمه ألْجِم يوم القيامة بِلجَامٍ من نار»؛ رواه ابن ماجه وأحمد". اهـ.


وقوله: "إننا في عصر شبهة؛ لذلك لا يتم تطبيق الحدود الشرعية مثل قطع يد السارق وجلد ورجم الزاني، وأن في عصر كهذا تَفقِد الحدود شروط تطبيقها":

فهذا القول من أعجب ما سمع في الإسلام، فضلاً عن أنه قول لا دليل عليه، فإن من لوازمه أن حرمة الزنا والسرقة إلى آخره، أصبحت عند العامة والخاصة غير معلومة، وهذا لم ولن يحدث في بلاد الإسلام حتى يرفع القرآن من المصاحف، وصدور الرجال، ويهدم ذو السويقتين - من الحبشة - الكعبة المشرفة في آخر الزمان، إذا عفَا الإسلام وانمَحت آثاره؛ كما في حديث حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يدْرَس الإسلام كما يدرَس وَشَِيُّ الثوب، حتى لا يُدرَى ما صيام ولا صدقة ولا نُسُك، ويسرى على كتاب الله في ليلة؛ فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس؛ الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها»؛ رواه ابن ماجه. قال صلة بن زفر لحذيفة: فما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار، وحديث أنس مرفوعاً: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله»؛ أخرجه أحمد، وقواه الحافظ ابن حجر، وهو عند مسلم بلفظ: «الله الله».

فشبهة الجهل الرافعة للحد - عند أهل العلم - هي جهل التحريم، أما من علم التحريم وجهل الحد، أقيم عليه، بإجماع المسلمين، وكثير من الحنفية والمالكية، ومنهم القرافي في "الفروق" لا يعتبرون شبهة الجهل بالتحريم أصلاً؛ لأن الإسلام فشا وظهر؛ فلا يعذرون جاهلاً في شيء من الحدود.

وأما إن كان يقصد شبهة غير الجهل – كتعذر توفر أدلة الإثبات على النحو الذي يستوجب الحد أو العقوبة، وهذا هو ما ورد في القاعدة الشرعيّة: ادرؤوا الحدود بالشبهات – فلا شك أنها قاعدة معتبرة في كتب أهل العلم إذا توفرت ضوابطها التي تراعي تنفيذ حكم الله، إلا أن هذه القاعدة لا تختص بزماننا!


أما قوله: "إن فائدة البنوك ليست ربا ولا يمكن تصنيفها على أنها ربا":

فمن المقرر عند أهل العلم؛ أن ربا الجاهلية الذي كانت العرب تتعامل به قبل الإسلام، وهدمه الإسلام، إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلاً من الأجل؛ فأبطله الله؛ كما قاله الإمام الجصَّاص في "أحكام القرآن"، وهو عين ربا النسيئة، الذي حرمه الله، وحرمه رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأجمع أهل العلم على تحريمه.

وتعاملات البنوك لا تخرج عن حد الربا الذي ذكرناه؛ فقد نص الدستور على أن البنك مؤسسة لإقراض واستقراض الأموال؛ يعني: استقراض البنك الأموال من المودع، ثم إقراض البنك نفس المال لعميل آخر (المتاجرة في الديون)، وهكذا، ومن أعماله أيضاً: تخليق الأموال! عن طريق فتح الاعتمادات التي يحصل منها البنك على فوائد لأموال لم يقرضها أصلاً، وإنما وضعها تحت تصرف العميل، ثم هذه البنوك تتعامل بفائدة محددة سلفاً لا تتغير بتغير الربح والخسارة، مع ضمان رأس المال؛ وهو باطل بالكتاب والسنة والإجماع. قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض - المضاربة - إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معدودة".اهـ.

ولهذا قد نص عامة علماء العصر المعتبرين والمجامع الفقهية والمؤتمرات الإسلامية، ومنها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في سنة 1965، الذي حضره عدد كبير من كبار علماء الأمة، ومجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، ولجان الفتوى: على أن الفوائد البنكية هي عين الربا الذي حرمه الله ورسوله، وعلى حرمة التعامل مع البنوك الربوية بالاقتراض، والإقراض أي الإيداع.


أما قوله: "إن هناك خلافاً على النقاب وهو بدعة عند الإمام مالك":

فإنه قول جديد لم يُسبق إليه، ولم يقل به أحد من الأئمة المتَّبعين، سواء من الأربعة أو غيرهم من السابقين، ولا من اللاحقين؛ فيكون صاحب هذا القول مخالفاً للإجماع؛ لأن الأصوليين قد نصوا على أنه إذا اختلف في مسألة على قولين أو أكثر ثم انصرم العصر، فلا يجوز إحداث قول آخر؛ لأنه يلزم منه غياب الحق عن جميع الأمة، وهو باطل بالإجماع، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»؛ متفق عليه، كما يلزم منه تجهيل جميع السلف.

وأما ما نسبه إلى الإمام مالك من القول ببدعية النقاب، فأمر يدعو إلى رفع الثقة عما ينقله صاحب هذا القول عن العلماء؛ فالإمام مالك قد كره انتقاب المرأة في الصلاة فقط، وليس مطلقاً كما جاء في كتب المالكية المعتمدة ومنها: "التاج والإكليل" عند قول خليل: "(وانتقاب امرأة)، من المدونة قال مالك: إن صلَّت الحرَّة منتقبة لم تُعِد. وقال ابن القاسم: وكذا المتلثمة. وقال اللخمي: ... وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل".اهـ.

وقال: "قال الباجي – المالكي – في "المنتقى": وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا – في الحج – بأن تسدل ثوباً على وجهها تريد الستر"، وقال الإمام أبو بكر بن العربي – المالكي –: وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها".

وكراهة الإمام مالك للمرأة ستر وجهها في الصلاة ليس خاصاً بالمالكية وحدهم، وإنما قال به عامة أهل العلم؛ لأن الانتقاب في الصلاة يخل بتمكين الجبهة من الأرض في السجود؛ قال الإمام أبو عمر بن عبدالبر: "أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام، ولأن ستر الوجه يخل بمباشرة المصلي بالجبهة والأنف ويغطي الفم".

وقال ابن قدامة – الحنبلي – في المغني: "لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في الصلاة، ولا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم"، وقال البهوتي – الحنبلي – في "كشاف القناع": "ويكره أن تصلي في نقاب وبرقع بلا حاجة".

وقال الخطيب الشربيني – الشافعي –: "وأن يصلي الرجل متلثماً والمرأة منتقبة" - أي يكره ذلك -، ونص النووي في "المجموع" على أنها كراهة تنزيهية لا تمنع صحة الصلاة".

ثم لو كان النقاب بدعة – كما يزعم – فلم كرهه العلماء في الصلاة وحسب؟!

والحاصل: أن وصف النقاب بأنه بدعة قول دخيل يخالف ما عليه جماعة العلماء، وإنما دخل على المسلمين في عصور الانحطاط الشديد والانهزام أمام الحضارة الغربية.

وقد اختلف العلماء - من فقهاء ومفسرين ومُحدِّثين - قديمًا وحديثا في النقاب على قولين:

الأول: الوجوب وهو مذهب الإمام أحمد، والصحيح من مذهب الشافعي أنه يجب على المرأة ستر وجهها وكفيها أمام الرجال الأجانب؛ لأن الوجه والكفين عورة بالنسبة للنظر.

والثاني: الاستحباب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.

لكن أفتى علماء الحنفية والمالكية - منذ زمن بعيد - أنه يجب عليها سترهما عند خوف الفتنة بها أو عليها، والمراد بالفتنة بها: أن تكون المرأة ذات جمال فائق، والمراد بخوف الفتنة عليها أن يفسد الزمان، بكثرة الفساد وانتشار الفسَّاق. قال ابن عابدين - الحنفي- في "رد المحتار على الدر المختار" -: "وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين رجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة كمسه وإن أمن الشهوة لأنه أغلظ"، والمعنى تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة؛ لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة.

وقال الحطَّاب – المالكي – في "مواهب الجليل شرح مختصر خليل": "واعلم أنه إن خُشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين؛ قاله القاضي عبدالوهاب، ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في "شرح الرسالة"، وهو ظاهر "التوضيح"، هذا ما يجب عليها". وقال في "منح الجليل" – المالكي –: "وإن علِمَت أو ظَنَّت الافتتان بكشف وجهها، وجب عليها ستره لصيرورته عورة حينئذ؛ فلا يقال كيف تترك الواجب، وهو كشف وجهها – يعني في الحج – وتفعل المحرم وهو ستره لأجل أمر لا يطلب منها، إذ وجهها ليس عورة على أنها متى قصدت الستر عن الرجال فلا يحرم ولا يجب الكشف كما يفيده الاستثناء ونصها وَوَسَّعَ لها مالك - رضي الله عنه - أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت ستراً، فإن لم ترد ستراً، فلا تسدل".

ولذلك: فالمُفتَى به الآن؛ وجوب تغطية الوجه والكفين على المعتبر من المذاهب الأربعة، وكتب المذاهب الأربعة زاخرة بذلك، ولولا خشية الإطالة لذكرنا الأدلة على مشروعية تغطية الوجه، وهو أدنى ما قيل فيها، فليُرَاجَع أيّ كتاب فقه في أبواب ستر العورة للنساء. إذ ليس الغرض تحقيق المسألة وإنما الغرض بيان أن القول بالبدعية لا قائل به البتَّة، مع بيان أن الإمام مالكاً والمالكية بريئون مما نسب إليهم.


أما قوله:"إن إطلاق اللحية ليس ضرورة عند الإمام الشافعي":

فهو خلاف ما في كتب الشافعي نفسه؛ فقد نص في "الأم" على حرمة حلقها؛ قال ابن حجر الهيتمي – الشافعي - في "تحفة المحتاج": "قال الشيخان يكره حلق اللحية"، واعترض ابن الرفعة في "حاشية الكافية" بأن الشافعي نص في الأم على التحريم، قال الزركشي وكذا الحليمي في شعب الإيمان وأستاذه القفال الشاشي في محاسن الشريعة، وقال الأذرعي: "الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة"، وقد اعتمد بعض متأخري الشافعية كراهية حلقها في المذهب، والصحيح تحريمه وهو مذهب المتقدمين".

وقال الإمام النووي– الشافعي – في "المجموع": "والصحيح عدم جواز الأخذ منها مطلقاً، بل يتركها على حالها كيف كانت، للحديث الصحيح: «وأعفوا اللحى»؛ متفق عليه". وقال ابن عابدين - الحنفي - في "رد المحتار":  "يحمل الإعفاء على إعفائها عن أن يأخذ غالبها أو كلها، كما هو فعل مجوس الأعاجم من حلق لحاهم، ويؤيده ما في مسلم عن أبي هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم  -: «جزوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المجوس»؛ فهذه الجملة واقعة موقع التعليل، وأما الأخذ منها وهي دون ذلك، كما يفعله بعض المغاربة، ومخنثة الرجال؛ فلم يبحه أحد"، وقال الإمام ابن عبدالبر في "التمهيد": "يحرم حلق اللحية، ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال"، وقال الحطاب المالكي في "شرح خليل": "وحلق اللحية لا يجوز، وكذلك الشارب، وهو مثلة وبدعة ويؤدب من حلق لحيته أو شاربه إلا أن يريد الإحرام بالحج ويخشى طول شاربه".

واحتج الأئمة على وجوب إعفاء اللحية بما جاء في "الصحيحين" وغيرهما عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب»، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جزوا الشوارب أرخوا اللحى وخالفوا المجوس»، والأحاديث في هذا الباب كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وهي أوامر شرعية مؤكدة.

والأمر يقتضي الوجوب ؛ فيجب على المسلم امتثاله، لاسيما وقد اجتمع في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله، وهو هدي النبيين جميعاً، وكذلك فعل الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، لا يعرف لهم مخالف ولذلك حكى أبو محمد بن حزم الإجماع على حرمة حلقها؛ حيث قال في "مراتب الإحماع": "واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة، لا تجوز، وكذلك الخليفة والفاضل والعالم"، وأقره شيخ الإسلام ابن تيمية في "نقد مراتب الإحماع" فلم يتعقبه، وقال "شرح العمدة": "فأما حلقها فمثل حلق المرأة رأسها وأشد لأنه من المثلة المنهي عنها وهي محرمة".


أما قوله: "ويجوز للزوجة أن تطلق نفسها من خلال ما جاء في عقد الزواج أو أن يفوضها زوجها في ذلك":

فالأصل أن الطلاق في النكاح الصحيح اللازم بيد الرجل لا غيره، وهو الذي يُنْفِذه إن شاء، ولا تكون العصمة بيد الزوجة إلا بتفويض من الزوج، وهذا التفويض إما أن يكون قبل العقد، أو بعده:

فإذا كان بعد العقد، فأكثر الفقهاء على جوازه، ونقل الإجماع على ذلك، وأكثرهم قيدوه بمجلس التفويض.

وأما إن كان قبل العقد، فلا يصح عند أكثر الفقهاء؛ لأنه مخالف لمقتضى عقد النكاح الذي يجعل القوامة وحق الطلاق للرجل لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، وقوله: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ} [البقرة:229]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي دالة على جعل الطلاق منسوباً إلى الرجل لا إلى المرأة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الطلاق لمن أخذ بالساق»؛ رواه ابن ماجه، ونظرا لطبيعة المرأة العاطفية التي قد تدفعها لإساءة التصرف، فتطلق نفسها لأهون الأسباب، وتهدم عش الزوجية؛ قال ابن رشد في "بداية المجتهد": "لأن العلة في جعل الطلاق بأيدي الرجال دون النساء هو: لنقصان عقلهن، وغلبة الشهوة عليهن مع سوء المعاشرة".

وأجازه الحنفية في حال ابتدأت به المرأة فقالت: زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي، فقال الزوج: قبلت، أما لو بدأ الزوج فقال: تزوجتك على أن أمرك بيدك، فلا يكون أمرها بيدها؛ لأن التفويض وقع قِبَل الزواج . 


أما قوله: "إن هناك 50 امرأة تولت ولاية المسلمين عبر التاريخ":

فهو استدلال طريف جدا! ووجه الطرافة فيه - على فرض صحتة – أن مصادر التشريع هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالأولان متفق على الاحتجاج بهما، وخالف داود وابن حزم في الاحتجاج بالقياس، وهناك مصادر أخرى مختلف فيها كالاستحسان، والمصالح المرسلة، وفعل الصحابي، والاستصحاب، والعرف، وعمل أهل المدينة، والمفهوم، وليس في واحد منها ما احتج به صاحب هذا القول، فلو أنه كلف نفسه ونقل لنا اسم امرأة واحدة منهن؛ لأن أئمة الإسلام قد نقلوا خلاف ذلك؛ قال ابن قدامة في "المغني": "لم يولِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاءً ولا ولاية بلد - فيما بلغنا - ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً".

وليعلم أن تولية المرأة الإمامة باطل بالنص والإجماع والمعقول؛ أما النص فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»؛ رواه البخاري عن أبي بكرة، قال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار": "فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب، وقال: ولأن هذا المنصب تناط به أعمال خطيرة وأعباء جسيمة تتنافى مع طبيعة المرأة، وفوق طاقتها؛ فيتولى الإمام قيادة الجيوش ويشترك في القتال بنفسه أحياناً".

أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على منعها من تولي منصب الإمامة على جميع المسلمين أو بعضهم، ولم يخالف في ذلك أحد من علماء المسلمين في كل عصورهم كما نقله ابن قدامه.

أما المعقول: فلأن الولاية تتطلب الرأي وثبات العزم وهو ما تضعف عنه النساء؛ لما جبلت عليه من الرقة والعاطفة وسرعة الانفعال وهذه الطبيعة تتطلب منها الاستقرار في البيت للقيام بوظيفة الإنجاب والتربية ومصالح البيت والأولاد أحسن قيام، مما يفوت عليها الاطلاع الشمولي على مجريات الأحداث خارج البيت، وهو ما يجعلها غير قادرة على القيام بمهام الولاية.

وقد خلق الله عقل المرأة أقل ضبطاً وحفظاً للأمور من عقل الرجل لِحِكَمٍ؛ منها: ملائمة وظائفها الأخرى التي تحتاج فيها إلى كمال العاطفة أكثر من احتياجها فيها إلى كمال العقل؛ فتلك الطبيعة تتنافى مع مهام الولاية.

ولذا؛ فإن الشهادة - التي يلزم لها تثبت وإعمال عقل- جعلت فيها شهادة امرأتين مقابل شهادة رجل صوناً للحقوق؛ قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282].

أما قوله: "وهناك سيدتان تولتا القضاء منهما أم الخليفة المقتدر":

فتولي امرأتين القضاء على طول تلك العصور لا يقدح في القاعدة العامة، وهو - على شذوذه - لم يذكر صاحب هذا القول أتمَّت تلك الولاية بموافقة العلماء أم كانت قسراً وقهراً؟!

وقد اتفقوا على اشتراط الذكورة في القاضي إلا أن الحنفية أنفذوا قضاءها إذا وليت مع تأثيم من ولاّها؛ ولذلك أجازوا قضاءها في غير الحدود؛ قال التُمُرْتَاشِي – الحنفي – في "منح الغفَّار" (مخطوط): "والمرأة تقضي في غير حد وقَوَد؛ لأنها أهل للشهادة في غيرهما، فكانت أهلاً للقضاء وإن أثم المولي لها؛ للحديث: «لم يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»؛ رواه البخاري".

قال القاضي ابن العربي في "أحكام القرآن": "فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير.. تجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم، وتكون منظرة لهم، ولم يفلح قط من تصوَّر هذا ولا من اعتقده".

وقال الشوكاني في "السيل الجرار": "وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء بأنهن ناقصات عقل ودين ومن كان بهذه المنزلة لا يصلح لتولي الحكم بين عباد الله وفصل خصوماتهم بما تقتضيه الشريعة المطهرة، ويوجبه العدل، فليس بعد نقصان العقل والدين شيء، ولا يقاس القضاء على الرواية؛ فإنها تروي ما بلغها وتحكي ما قيل لها، وأما القضاء؛ فهو يحتاج إلى اجتهاد أصحاب الرأي وكمال الإدراك والتبصر في الأمور، والتفهم لحقائقها وليست المرأة في وِرْدٍ ولا صَدَر من ذلك؛ ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح من قوله - صلى الله عليه و سلم -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، فليس بعد نفي الفلاح شيء من الوعيد الشديد، ورأس الأمور هو القضاء بحكم الله - عز و جل - فدخوله فيها دخولاً أوَّليًا".


واستدل الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث على قولهم بأدلة عديدة، منها:

1- عدم تكليفها بهذه الولايات في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الخلفاء الراشدين وعهود من بعدهم.

2- قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34]، فإذ منع الله المرأة من ولاية الأسرة وهي من أصغر الولايات، فمن باب أولى منعها من تولي ما هو أكبر منها، كالقضاء.

3- قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي بكرة: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»؛ فالقضاء فرع عن الإمامة؛ فللقاضي على الناس ولاية عامة وسلطان واسع، فإذا كان الإسلام يجعل الرجل قوَّاماً على المرأة في البيت، وهو المجتمع الصغير، فكيف يجعل المرأة قوامة على الرجل في المجتمع الكبير؟!.

4- حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار»؛ رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح، وقوله "رجل" لا يشمل النساء، قال مجد الدين ابن تيمية في "منتقى الأخبار" عقبه: "وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلاً".

5- الأحاديث النبوية المستفيضة في شأن المرأة، لا تجعل للمرأة ولاية على غيرها، بل ولا على نفسها في أخص شأن من شؤونها وهو النكاح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بولي»؛ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وكذلك منعت المرأة من السفر وحدها دون محرم، ولا أن تخلو بغير محارمها.


والحاصل أن الإسلام وضع كلاً من الرجل والمرأة في موضعه المناسب، وكلَّفه تكليفاً موافقاً لفطرته وخلقته، وشرع لذلك من الأحكام والتشريعات ما يصلح للجنسين، ويجعلهما متكاملين غير متنافرين؛ فالعقل والفطرة يجزمان بأن لكل من المرأة والرجل خصائصه، المبنية على تكوينه العقلي والنفسي والجسماني، الذي يختلف اختلافاً واضحاً عن الطرف الآخر، فهل يُعقل أن تتساوى وظيفتهما مع هذا الاختلاف؛ قال تعالى {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [آل عمران:36]، وقال: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]، وقال: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف:49].

 

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام