البيع بغير إشهاد

منذ 2015-10-18
السؤال:

فأنا أسكُن مع زوجتي وأبنائِي، ومع والدي ووالدتي وإخوتي في بيت، هذا البيت استأجَرَه أبي منذُ حوالي أربعين سنة، ثمَّ صدر قرار في أحد السَّنوات السَّابقة بمنْع الإيجار، طبعًا والدي لم يرْضَ بهذا، فالتقى مع صاحب البيت، وقال له صاحبُ البيت: هل تشتري منِّي البيت؟

قال له الوالد: موافق.

فاتَّفقا على مبلغ معيَّن.

مرَّت الأيَّام والسنون إلى أن مات صاحبُ البيت، ولم يدْفع والدي المبلغَ الَّذي اتَّفقا عليْه.

وسبب ذلك أنَّ صاحب البيت الأصْلي كان يُماطل، وكان يتهرَّب من لقاء الوالِد لكي يُعطيه المبلغ.

والذي فهمتُه من هذا التهرُّب: أنَّ صاحب البيت بعد أن اتَّفق مع والدي على البيْع وعلى المبلغ، تراجع عن هذا، بل كان يتهرَّب من والدِي حتَّى لا يقبض المبلغ من الوالِد ويتمُّ البيع، والمشكِلة أنَّه لم يُصرِّح لوالدي بذلك، ويا ليْتَه صرَّح بذلك!

والمشكِلة الأخرى أنَّ هذا كلَّه كان شفهيًّا بين الوالِد وصاحب البيْت، فلم يتمَّ كتابة أيِّ شيء، ولم يكن هناك شاهدٌ على هذا كلِّه إلاَّ الله - سبحانه وتعالى.

المهمُّ طالت المدَّة، وجاء الورثةُ (ورَثة صاحب البيت)، وطالبونا بالبيت فأخبرْناهم بالقصَّة، فلم يصدِّقوا بذلك.

والسؤال يا شيخ: ما حُكْم سكننا بالبيت؟

وإذا كان البيت من نصيبنا، فما هو المبلَغ الَّذي يَجب عليْنا دفعُه للورثة: هل المبلغ المحدَّد في تلك السَّنة - سعر البيع الذي اتَّفق عليه والدي وصاحب البيت - أم نقدِّر ثمنَ البيتِ في هذه السَّنة؟

فكما تعلم - يا شيخ - أنَّ السِّعْر في تلك السَّنة لا يساوي شيئًا في هذه السِّنين؛ فثمنُ بيتٍ في تلك السَّنة لا يُساوي حتَّى ثمن سيَّارة في هذه السنين.

وجزاكم الله كلَّ خير، نرْجو منكم الإجابة، فكم يعلم الله أنَّنا متضايِقون في حياتِنا بسبَب هذه المشْكِلة، والله في عوْن العبدِ ما كان العبدُ في عوْن أخيه.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فالذي يظهر من السُّؤال: أنَّ البيت المذكورَ مُستأجر بِنِظام تأبيدِ الإجارة المعْمولِ به في بعض البلدان العربية، وهذا النِّظام يقومُ على أنَّ لِلمُستأجِر أن يَنتفع بالمؤْجَر أبدًا هو وذرِّيَّته، ومعلوم أنَّ حبْس العَيْن عن مالكِها لا يكون إلاَّ بالبيع؛ قال ابن قدامة في "المغني": "قال ابنُ المنذر: أجمع كلُّ مَن نَحفظ عنْه من أهل العلم على أنَّ استِئجار المنازل والدوابِّ جائز، ولا تَجوز إجارتُها إلاَّ في مدَّة معيَّنة معلومة". اهـ.

ويُضاف إلى تأبيدِ المدَّة تأبيد الأُجْرة، فيظلُّ المستأجِر طيلةَ هذه العقود من الزَّمان يدفَعُ أجرةً زهيدةً لا تُساوي شيئًا من أجرة المثْل اليوم، ولا شكَّ أنَّ هذا من الظُّلم البيِّن، فقانون الإيجار هذا مضادٌّ لحكم الله تعالى، القائِم على العدْل، ومنْع الظلم، وتَحريم أكْل أموال الناس بِالباطل، أو الاعتِداء عليْها واغتِصابها بقوَّة قانون جائر؛ قال الله تعالى: {
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، وفي الحديث: «فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكُم حرامٌ عليْكم»؛ رواهُ مسلم وغيْرُه.

وراجع فتوى: "
حُكْمُ عرْضِ شرِكة (موبايلي)".

أمَّا كون الوالد اشترى البيتَ من صاحبه، واتَّفقا على ثمنِه، فالبيع صحيح، وليس دفْع الثَّمن شرطًا في صحَّة العقْد، وإنَّما الواجب تسْليم أحد العوضَين: إمَّا الثَّمن وإمَّا المبيع، والبيت كان تحت تصرُّفِكم أصلاً، فالبيع صحيح، ولكن كون الوالد وصاحب العقار لَم يحرِّرا عقدًا بالبيْع، وليس هناك شهود غيركم، فهذا لا يوجب على أبناء صاحب العقار الاعتِراف بصحَّة العقد؛ لعدم وجود بيِّنة، فهم لا يُلْزَمون بذلك قضاءً؛ لأنَّ العمل في مثْل هذه الأمور بالبيِّنة، والحال أنَّه ليس معكم ما يُثْبت دعواكم.

والأصل أنَّ البيِّنة على المدَّعي، وقد ذهب عامَّة الفقهاء - ومنهم الأئمَّة الأربعة - أنَّ الإثبات يُطلب من المدَّعي؛ لقولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
«إنَّ اليمين على المدَّعى عليه، ولو أعطي النَّاس بدعواهم لادَّعى أناس أموال النَّاس ودماءهم»؛ رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس، ولفظ مسلم: «لو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليَمين على المدَّعى عليه».

ولأنَّ المدَّعي يدَّعي أمرًا خفيًّا، فيحتاج إلى إظْهار، وللبيِّنة قوَّة إظهار؛ لأنَّها كلام مَن ليس بخصم، وهم الشُّهود، فجعلت حجَّةً للمدَّعي.

قال الإمام النووي في
"شرح النووي على مسلم" (6 /136): "وهذا الحديث قاعدةٌ كبيرةٌ من قواعد أحكام الشَّرع، ففيه أنَّه لا يُقْبَل قول الإنسان فيما يدَّعيه بمجرَّد دعواه، بل يحتاج إلى بيِّنة أو تصْديق المدَّعى عليْه، فإن طلب يَمين المدَّعى عليه، فله ذلك، وقد بيَّن - صلَّى الله عليه وسلَّم - الحكمة في كونِه لا يُعْطَى بمجرَّد دعواه؛ لأنَّه لو كان أعطي بمجرَّدها، لادَّعى قوم دماءَ قوم وأموالهم، واستبيح، ولا يمكن المدَّعى عليه أن يصون مالَه ودمه، وأمَّا المدَّعي، فيمكنه صيانتهما بالبيِّنة.

وفي هذا الحديث دلالةٌ لمذهب الشَّافعي والجمهور من سلف الأمَّة وخلفها: أنَّ اليمين تتوجَّه على كلِّ من ادُّعي عليه حق، سواء كان بيْنه وبين المدَّعي اختِلاط أم لا، وقال مالك وجُمهور أصحابِه، والفقهاء السَّبعة - فقهاء المدينة -: إنَّ اليمين لا تتوجَّه إلاَّ على مَن بيْنه وبيْنه خلطة؛ لئلاَّ يبتذل السُّفَهاء أهلَ الفضل بتحْليفِهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة؛ دفعًا لهذه المفسدة"
.

وعليه؛ فالواجب عليْكم والحال كذلك: الاتِّفاق مع ورثة صاحب البيْت على شراء البيْت من جديد، وأن تُسْرِعوا في ذلك حتَّى لا تقَعوا في ظلم،،

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام