نقل الإمام الترمذي للإجماع

منذ 2016-11-13

من برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة التاسعة والستون 18/2/1433هـ

السؤال:

هل يعد قول أبي عيسى الترمذي إجماعًا؛ عندما يقول في كتابه "الجامع": "والعمل عليه عند أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء"؟

الإجابة:

ظاهر اللفظ أنه قول الجميع وعمل الجميع، وهذه حقيقة الإجماع، لكن بالتتبع للمواضع التي قال فيها أبو عيسى الترمذي مثل هذا المقال يوجد من يخرج عن هذا التعميم، فيوجد من يخالف؛ فلا يُعد إجماعًا، لا سيما وأن الترمذي -رحمه الله تعالى- عُرف بالتساهل في مثل هذا، فلا يُعد قوله نقلًا للإجماع.

وإن كان مثل هذا الكلام له هيبة، ويريد به تقوية الحديث الذي يورده، فمراد الترمذي بقوله: "وعليه العمل" تقوية الحديث، كما في قوله: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان، يريد بذلك أنه يقوي الحديث، فالذي يظهر من تتبع نصوص الترمذي في مثل هذا أنه لا يقصد بذلك الإجماع، وإنما يريد بذلك الأكثر، بدليل أنه أحيانًا يذكر من خالف ولو كانوا قلة. نظير ذلك ما في "تفسير الطبري".

فالطبري -رحمه الله تعالى- يرى أن الإجماع قول الأكثر، ولذلك تجده في تفسيره حينما يذكر خلافًا في قراءة أو خلافًا في معنىً يذكر قول الأكثر، ثم يذكر من خالف وهم القلة، ثم يرجح ويقول: والصواب في ذلك عندنا كذا وكذا؛ لإجماع القَرَأَة على ذلك، أو لإجماع أهل التأويل على ذلك، مع أنه قد ذكر من خالف، فمراده بالإجماع الذي ينص عليه قول الأكثر، وقد نُسب إليه هذا في كتب الأصول، وأنه يرى أن الإجماع قول الأكثر، وإن كان المحرر والمحقق عند أهل العلم أن المراد بالإجماع قول جميع مجتهدي العصر من هذه الأمة، وكذلك الترمذي حينما يقول: "والعمل عليه عند أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء"، فالمراد به عمل الأكثر، بدليل أنه يذكر من يخالف.

عبد الكريم بن عبد الله الخضير

عضو هيئة التدريس في قسم السنة وعلومها في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وحاليا عضو هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.