فقدت الأمل فى نفسي لأني كثيرًا ما أتوب ثم أرجع إلى المعصية

منذ 2018-06-07

واحيانا كثيرة اشعر اني مغيب اثناء فعلي المعصية وبعد المعصية اشعر وكاني لا اتحمل الحياة وان الله لن يقبل توبتى ابدا وفقدت الرغبة فى الحياة ...

السؤال:

السلام عليكم ..

لقد ترددت كثيرا قبل كتابة رسالتي ولكنى فقدت الأمل فى نفسي واشعر ان الله لا يتقبل مني ... انا الحمد لله منتظم فى الصلاة وقراءة القران والصدقة ولكن نقطة ضعفي هى الشهوة ... كثيرا ما اتوب وارجع وابعد عنها ولكني اقع فى المعصية مرة اخري سواء بممارسة العادة السرية او مشاهدة شئ اباحي ولقد توقفت لفترات ولكنى اعود مرة اخرى واحيانا كثيرة اشعر اني مغيب اثناء فعلي المعصية وبعد المعصية اشعر وكاني لا اتحمل الحياة وان الله لن يقبل توبتى ابدا وفقدت الرغبة فى الحياة ... ولا شئ يؤثر على قلبي وكأنه اصبح ميت ... واحيانا اتذكر الايات والاحاديث وامنع نفسي واحيانا اخري لا استطيع وفكرت فى الانتحار ولكنه ذنب اكبر ...

ماذا افعل فى ظل ما نواجهه من فتن ولا يوجد دروس شرعية للتوعية بالمساجد لانها كلها متوقفة

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فلا شك أن فتنة الشهوة متى اشتعلت، استولت على صاحبها، وأخذت بمجامعه، فالإنسان كما قال  تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]؛ أي: لا يصبر عن شهوة النساء.

ولا سبيل لدفع تلك الفتنة إلا بالصبر، والقوة في طاعة الله، وكمال العقل، وأخذ النفس بالشدة، وهجر السيئات، والمسارعة إلى الله بالتوبة النصوح، وإن عاد في اليوم مائة مرة!، والإكثار من دعاء: «يا حيّ يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفة عين»، و « اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي».

قال الإمام ابن القيم: "فبكمال العقل والصبر، تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين، تُدفع فتنة الشبهة، والله المستعان".

هذا؛ وسألخص بعض الخطوات العملية لعلاج فتنة الشهوات:

منها: تدبُّر القرآن الكريم؛ فإنه شفاءٌ لمن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات جميعًا، ففيه من البينات ما يميز الحق من الباطل؛ فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك، وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة، بالترغيب والترهيب، ما يوجب صلاحَ القلب، فيرغب القلب فيما ينفعه، ويرغب عما يضره.  

ومنها: تدريب القلب على إيثار طاعة الله والخوف منه بترك الشهوة المحرمة، وهذا يحتاج لتدريب ورياضة للنفس، وتأثيره سريع وعجيب في استقامة القلب، ومثال ذلك: إذا همت النفس الأمارة بالسوء، بشهوة محرمة، قابَلَ بينها وبين محبة الله وخشيته، فغلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فتركها لله.

ومنها: تذكير النفس حال سكرتها بالشهوة، أنها إن نالت غرضها بهذه المحرمات، فإنه يعقبه من الضرر في الدنيا والآخرة أعظم مما حصل من عاجل الشهوة، فتوازن بينهما حتى تقدم ما رجحت مصلحته على مفسدته، قال - تعالى -: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات»، والشيطان لا يتمكن من هزيمة العبد إلا بعد أن يغيب عقله.

ومنها: معرفة ما تَوَعَّد الله به المستمتعين بفتنة الشهوات المحرم من العقاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ كقوله – تعالى : {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69]، إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة، ولذلك؛ استحقوا من العقوبة والإهلاك.

 أما المؤمنون فهم - وإن استمتعوا بنصيبهم وما خُوِّلوا من الدنيا - فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه.

ومنها: الاستعاذة بالله من شر الشهوة المحرمة؛ كما قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200]، والاستعانة به والتوكل عليه في جلب ما ينفع القلب.

ومنها: البعد عن مواطن الفتن، والهروب من مظانها، فما استعين على التخلص من الشهوات المحرمة بمثل تجنب أماكنها؛ فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «من سمع بالدجال فلينأ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات»؛ رواه أحمد وأبو داود.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تَشَرَّف لها تستشرفْه، فمن وجد فيها ملجأً، أو معاذًا، فليَعُذ به»، فالتعرض للفتن يوقع فيها.

ومنها: المحافظة على أداء ما أوجبه الله – تعالى - ومنه الصلوات، وأداء النوافل بعد الفرائض. قال – تعالى -: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]، والإكثار من صوم التطوع؛ فإنه يقطع الشهوة؛ كما في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء»، أي: قاطع للشهوة. 

 ومنها: كثرة المطالعة في كتب الترغيب والترهيب، وأحوال القبور والآخرة، فلا شك أن الاطلاع على أهوال القيامة من أعظم ما يقمع الأهواء والشهوات؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله»؛ رواه الترمذي وابن ماجه.  

ومنها: تقوية خشية الله – تعالى - والرغبة في ما عنده، واستشعار مراقبته؛ قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40].

ومنها: انتظار الأجر عند الله على مجاهدة النفس وحبسها عن الشهوات، وهو مما يهون الصعاب، ويُحيلها إلى راحة وطمأنينة؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

ومنها: ما وصفه طبيب القلوب ابن القيم في كتابه"الجواب الكافي" حيث يقول: "فلو نظر العاقل ووازن بين لذَّة المعصية وما تولّد فيه من الخوف والوحشة، لعلِم سوء حاله، وعظيم غبْنه؛ إذْ باع أنسَ الطَّاعة وأمنَها وحلاوتَها، بوحشة المعصية وما تُوجبه من الخوف.

إِذَا كُنْتَ قَدْ أَوْحَشَتْكَ الذُّنُوبُ         فَدَعْهَا إِذَا شِئْتَ وَاسْتَأْنِسِ

وسرُّ المسألة: أنَّ الطَّاعة تُوجب القُرب من الرَّبِّ - سبحانه - وكلَّما اشتدَّ القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الرَّبِّ، وكلَّما زاد البُعْد قوِيت الوحْشة؛ ولهذا يَجد العبد وحشةً بيْنَه وبين عدوِّه؛ للبعد الَّذي بيْنهما، وإن كان ملابسًا له قريبًا منه، ويجد أنسًا قويًّا بينه وبين من يُحب، وإن كان بعيدًا عنْه، والوحشة سبَبُها الحجاب، وكلَّما غلظ الحِجاب زادت الوحشة، فالغفْلة تُوجب الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشِّرك والكفر، ولا تَجد أحدًا يُلابس شيئًا من ذلك إلاَّ ويعْلوه من الوحشة بِحسب ما لابَسه منه، فتعلو الوحشةُ وجْهَه وقلْبَه، فيستوْحِش ويُستوحَش منه". اهـ.

أمَّا كوْن السائل الكريم يتوب ثمَّ يعود، فهذا حال أكثر الخلق، فلا يَحملنَّك هذا على ترْك التَّوبة حياءً من الله، أو القنوط من رحمة الله؛ فكلَّما أذنبت ذنبًا فأحدِث توبة وندمًا واستغفارًا، وعزمًا جديدًا على عدم العود، وهكذا، فما أصرَّ من استَغْفَر، ولو عادَ في اليوم سَبْعِينَ مرَّة، كما قال الصادق المصدوق  صلَّى الله عليه وسلَّم.

وفي الصَّحيحين عن أبي هُرَيْرة عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فيما يَحكي عن ربِّه - عزَّ وجلَّ - قال: «أذْنب عبدٌ ذنبًا، فقال: اللهمَّ اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى -: أذنب عبدي ذنبًا فعلِم أنَّ له ربًّا يَغفر الذَّنب ويأخذ بالذَّنب، ثمَّ عاد فأذنب فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى -: عبدي أذنبَ ذنبًا فعلِم أنَّ له ربًّا يغفِر الذَّنب ويأخذ بالذَّنب، ثمَّ عاد فأذنب فقال: أي ربِّ، اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى -: أذنب عبدي ذنبًا فعلِم أنَّ له ربًّا يغفر الذَّنب ويأخذ بالذَّنب، اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك».

وقوله: «اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك»؛ أي: ما دمتَ على تلك الحال، تذنب ثمَّ تتوب.

قال أبو العباس القرطبي في "المفهم شرح مسلم": يدلُّ على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسَعة رحمتِه، وحلمه وكرمه، ولا شكَّ في أنَّ هذا الاستغفار ليس هو الَّذي ينطق به اللسان، بل الَّذي يثبت معناه في الجَنان، فيحل به عقد الإصرار، ويندم معه على ما سلف من الأوْزار، فإذا الاستِغفار ترجمة التوبة، وعبارة عنها؛ ولذلك قال: ((خياركم كل مفتَّن توَّاب)) قيل: هو الذي يتكرَّر منه الذَّنب والتَّوبة، فكلَّما وقع في الذَّنب عاد إلى التَّوبة، وأمَّا من قال بلسانه: أستغفر الله وقلبه مصرّ على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار؛ إذ لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، وفائدة هذا الحديث: أنَّ العود إلى الذَّنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنَّه انضاف إلى الذَّنب نقض التَّوبة، فالعود إلى التَّوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنَّها انضاف إليها ملازمة الإلْحاح بباب الكريم، وأنَّه لا غافر للذُّنوب سواه". اهـ.

وروى الحاكم والطَّبراني في "الكبير" عن عُقبة بنِ عامر: أنَّ رجُلاً أتى النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال :يا رسولَ الله، أحدُنا يُذنب، قال: «يُكتب عليه»، قال: ثمَّ يستغفرُ منه، قال: «يُغْفَر له، ويُتاب عليه»، قال: فيعود فيذنب، قال: «يُكتب عليه»، قال: ثمَّ يستغفر منه ويتوب، قال: «يغفر له ويتاب عليه، ولا يَمَلُّ الله حتَّى تملُّوا».

وأخرج أحمد في "الزُّهد" عن الحسن أنَّه قال: "ما أرى هذا إلاَّ من أخلاق المؤمنين"؛ يعني: أنَّ المؤمن كلَّما أذنب تاب.

قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم": "ومعنى هذا: أنَّ العبدَ لا بُدَّ أنْ يفعل ما قُدِّرَ عليه من الذنوب؛ كما قال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «كُتِبَ على ابنِ آدم حَظُّهُ من الزنا، فهو مُدركٌ ذلك لا محالةَ»، ولكنَّ الله جعل للعبد مخرجًا ممَّا وقع فيه من الذنوب بالتَّوبة والاستغفار، فإنْ فعل فقد تخلَّص من شرِّ الذنب، وإنْ أصرَّ على الذنب هلك". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام