أنا في ابتلاء و أحدثت ذنب اخاف من عقاب الله

منذ 2018-08-01

أنا متزوجه حديثاً، زوجي حالياً مسجون منذ أشهر.. اتفرجت على فيلم أجنبي رومانسي و للأسف كان فيه مناظر سيئه، ندمت و بستغفر الله لكني خائفه من عقاب الله و انه يأخر الفرج بخروج زوجي، و أنا ادعوا الله دائما انه يرده لي لأني أحتاج اليه و أخاف على نفسي من الفتن هل من الممكن أن يعاقبني الله بسبب ذنبي و يأخر الفرج؟

السؤال:

أنا متزوجه حديثاً، زوجي حالياً مسجون منذ أشهر.. اتفرجت على فيلم أجنبي رومانسي و للأسف كان فيه مناظر سيئه، ندمت و بستغفر الله لكني خائفه من عقاب الله و انه يأخر الفرج بخروج زوجي، و أنا ادعوا الله دائما انه يرده لي لأني أحتاج اليه و أخاف على نفسي من الفتن هل من الممكن أن يعاقبني الله بسبب ذنبي و يأخر الفرج؟ و ماذا أفعل بالله عليكم..

الإجابة:

الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله، وعلى آلِه وصَحْبه ومَن والاه، أمَّا بعد:

فالإنسانُ طيلة حياته في الدنيا لا ينفك عن الوُقُوع في المعاصي، ولكن المؤمن الصادق إذا وقع في ذنب أسرع للتوبة، ولا يُصِّر على المعصية، فطاعة التوبة أصل الطاعات وأساسها وأعظمها، ومن أجل القرب الشريفة.

مع الاجتهاد في العبادة للخلاص من الغفلة والشهوة، وهما جماع الشَّر، فالغفلة عَن الله وَالدَّار الْآخرة تسد بَاب الْخَيْر الَّذِي هُوَ الذّكر واليقظة، والشهوة تفتح بَاب الشَّرّ والسهو والخَوف، فَيبقى الْقلب مغمورًا فِيمَا يهواه ويخشاه غافلاً عَن الله.

أما علاج الغفلة والشهوة، فلا يكون إلا بتزكِيَة النَّفس بطَاعَة الله وَصَالح الْأَعْمَال، وترك المحرمَات؛ قَالَ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9]، وقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور: 30]، وقال: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} [عبس: 7]، قال عز وجل: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النازعات: 17، 18]، فالتزكية: التطهر من كل رجس ودنس، ومنه طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة بالتوبة النصوح، بأن يتوب فلا يعود فإن علبته نفسه تاب وهكذا.

والله سبحانه يقرر أن من تطهر وذكر اسم ربه مستحضرًا بقلبه جلاله الله، ومهابته في الضمير-: فقَد أَفلح يقينًا، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، فهذا الذي تطهر وذكر وصلى أفلح في دنياه، فعاش موصولاً، حي القلب، شاعرًا بحلاوة الذكر وإيناسه، وأفلح في أخراه، فنجا من النار وفاز بالنعيم ورضى الله.

 والحاصل أن الإنسان بطبيعة خلقته ظلوم جهول لا ينفك عن معصية، والله تعالى أعلمنا بهذا كما في الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم»، فهو سبحانه يحب التوابين، والتوبة من أحب الطاعات إليه، ويكفي في محبتها شدة فرحه بها كما في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده».

فلمسلم يحتاج دائمًا للعودة إلى الله والعمل الدائم على تزكية نفسه، ولا شك أن هذا يتطلب الاستعانة بالله تعالى، وشدة الافتقار إليه والتوكل عليه وصدق اللجوء والضراعة، كما يتطلب الصبر الجميل قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، بدأ بالصبر؛ لأن الإيمان وجميع الفرائض والنوافل من الصلاة وغيرها لا تتم إلا بالصبر، ثم قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، وهم المنكسرة قلوبهم إجلالا لله، ورهبة منه.

والأمر بالصبر يتكرر كثيرًا في كتاب الله؛ لأنه الزاد الذي لا بد منه لمواجهة كل مشقة، فمنه الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فالصبر معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبر يصبره الله، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى قد قرن الأمر بالصبر بأداء الصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويستعان بها على كل أمر من الأمور، فهي الصلة الحية التي يستمد منها القلب قوته، وتحس فيها الروح صلة بالله، وتجد فيها النفس زاداً أنفس من أعراض الحياة الدنيا، ومن ثمّ كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة، وهي أعظم زاد للمؤمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور، والصدقة برهان والصبر ضياء»؛ رواه مسلم.

إذا تقرر هذا؛ فالتوبة النصوح تمحو الذنب فلا يلحق العبد شؤم المعصية، كيف وقد بدل الله السيئة بالحسنة؛ كما ذكر الله تعالى عن عباده: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا* إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمً} [الفرقان: 68 - 70].

فاستعيني بالله ولا تعجزي، ولا تضعفي عن الدعاء في أوقات الإجابة وخاص وقت النزول الإلهي، واقتراب الرحمة والمغفرة، فهو وقت الخلوة وانكسار القلب بين يدي الله تعالى ومناجاته والوقوف بالقلب وبث الشكوى إلى القوي المتين، والتأدب بأدب العبودية بين يديه والاستغفار والتوبة، وهذا شان عباد الله المخلَصين فتأملي تلك الصورة الباهرة من تجلي حقيقة الألوهية في قلب من قلوب الصفوة المختارة كيف فعلت في فترات، كم صورها القرآن العظيم في سورة يوسف، وما قصه تعالى من نبأ نبيه يعقوب- عليه السلام- وبنيه لما قالوا له {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف: 85]، "وهي كلمة حانقة مستنكرة، تالله تظل تذكر يوسف، ويهدك الحزن عليه، حتى تذوب حزناً أو تهلك أسى بلا جدوى؛ فيوسف ميؤوس منه قد ذهب ولن يعود!

 ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه، فهو لا يشكو لأحد من خلقه، وهو على صلة بربه غير صلتهم، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون: قال {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86]، وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر، ولألائها الباهر.

إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته، فضلاً على عودته إلى أبيه، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل - إن هذا كله لا يؤثر شيئًا في شعور الرجل الصالح بربه؛ فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور! وهذه قيمة الإيمان بالله، ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة؛ معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره، وملامسة رحمته ورعايته، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين.

إن هذه الكلمات: َ {أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ}

تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها،

وتعرض مذاقًا يعرفه من ذاق مثله، فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب.

والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه - مهما بلغت - إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق!

ثم يوجههم يعقوب إلى تلمس يوسف وأخيه، وألا ييأسوا من رحمة الله، في العثور عليهما؛ فإن رحمة الله واسعة وفرجه دائمًا منظور.

فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروْحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية، فإنهم لا ييأسون من روْح الله ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق. وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه، وفي أنس من صلته بربه، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه، وهو في مضايق الشدة ومخانق الكروب" قاله في ظلال القرآن.

والحاصل أن ما يجب عليك هو السعي في تزكية نفسك، وقراءة القرآن بتدبر، وحسن الظن بالله والثقة به، واليقين من أن الله سبحانه وتعالى يحقق مشيئته بلطف ودقة خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها؛ {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

هذا؛ والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام