تمزق الصف القبطي

منذ 2012-10-05

لم نكن نسمع من الأقباط في الداخل صوتاً ينكر عليهم، بل حين سأل عمرو أديب الأنبا شنودة الثالث عن حماقات زكريا بطرس في حق النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بما يفيد تأييده، وأيد (بيشوى) الأفكار المتطرفة التي تنادي بطرد المسلمين وإقامة دولة نصرانية أرثوذكسية في مصر...



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ليست هذه الحماقة الأولى التي يرتكبها متطرفو الأقباط بالخارج، فما قد نشر في الفيلم، نسمعه منهم في القنوات الفضائية والغرف الصوتية (البالتوك)، ونقرأه في منتدياتهم وكتبهم، ويتردد على ألسنة بعضهم من عشر سنوات أو يزيد، ولا يقفون عند التطاول على الدين وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وإنما يتعدون للوحدة الوطنية، إذ يتنادون بالانقلاب على الموجود وإقامة دولة أرثوذكسية قبطية!

ولم نكن نسمع من الأقباط في الداخل صوتاً ينكر عليهم، بل حين سأل عمرو أديب الأنبا شنودة الثالث عن حماقات زكريا بطرس في حق النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بما يفيد تأييده، وأيد (بيشوى) الأفكار المتطرفة التي تنادي بطرد المسلمين وإقامة دولة نصرانية أرثوذكسية في مصر، وحين همد زكريا بطرس وانكشف أمره أخرجت الكنيسة أحد أكبر متطرفيها وهو القمص (مرقس عزيز) الذي كان يكتب باسم الأب (يوتا) أفحش وأحط ما قيل في حق الدين وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

لم نسمع كلمة عتاب واحدة رسمية من الكنيسة ضد هذا التطرف الفكري الموجه للدين وللدولة، بل اتخذ هذا التطرف وسيلة لإبداء وسطية المنادين بمشاركة الأقباط في الدولة بنظام الكوتة، يأخذون حصة ثابتة في كل شيء.. (السلطة التنفيذية)، (السلطة التشريعية). فقد كانت الكنيسة تفرض علينا خيارين: خيار أقباط المهجر سبًا وتطاولاً ومطالبة بالرحيل، وخيار أقباط الداخل، مشاركةً بنسبة تزيد على خمسة أضعاف حجمهم أو يكاد، فكان هذا الطرح المتطرف إحدى الوسائل المتخذة لتمرير طرح آخر متطرف أيضًا.

ولم تكن الكنيسة تتكئ على واحدةٍ من المسلمات العقلية أو العرفية، فقط دخلت في صفقة ضمنية مع النظام السابق.. تؤيد التوريث مقابل تمرير مطالبها المتطرفة.

المزعج في المشهد هو تكتل الأقباط الأرثوذكس وتحركهم مجتمعين في اتجاه الحصول على حصة ثابتة في الحياة المصرية أو دولة مستقلة، والسبب هو الثقافة الخاطئة التي بُثَّت في أذهان هؤلاء عن أنهم شيء مستقل، وأنهم لا أمان لهم بغير الاستقلال بسلطة.

وإنها فكرة كاذبة خاطئة، فقد آن الأوان أن يتدبر عقلاء الأقباط ويفهموا أنهم سلكوا طريقاً خاطئاً، وأن مقوماتهم التي اعتمدوا عليها قد ذهبت، وأنهم قد حملوا ما لا طاقة لهم به. وإني من باب الحرص عليهم وطلب ما هو خير لشركاء الوطن أعطي هذه الإشارات علَّ عاقلاً يتدبر.

إن فكرة الاستقلال تعني -إن تمت- التمايز في وسط مسلمٍ كلِّه، وتعني الدخول في قتالٍ للأبد..
وإن تحريض النصارى وتأجيج صدورهم على المسلمين، بالحديث عن الظلم والحق المهضوم، والحق التاريخي في البلد، وهم منتشرون بين المسلمين في كل مكانٍ حمقٌ وإدخال القوم لسعير قد لا يبقيهم. والله نسأل أن يجنبنا الشرور.

وإن فكرة السيطرة وتنصير المسلمين بأكملهم قد فشلت في المجتمعات النائية التي لا تعرف الكثير عن الإسلام كما دول أفريقيا البعيدة التي لا تعرف العربية ولم يستقر بها الإسلام، فكيف ستنجح في مجتمعٍ يحمل لواء الإسلام مثل مصر والشام والمغرب العربي؟!

إن سياق دفع الأقباط للدخول في محاولة تنصير المسلمين جاء حلقة في مسلسلٍ فاشل يرمي لتنصير العالم الإسلامي، قاده النصارى الكاثوليك حين قرروا تحريض نصارى العالم ضد المسلمين للقيام بتنصيرهم في مؤتمر 1976م، هم فشلوا فحاولوا بغيرهم!

وإن سياق تحريض الأقليات -ومنهم الأقباط- وتبني قضاياهم هو سياق ضغط على الدول لتنفيذ أجندات سياسية لا علاقة لها بالأقليات أنفسهم، فلا تعدو الأقلية سوى وسيلة ضغط أو وسيلة تفتيت تستعملها الدول الكبرى للضغط على الدول الصغيرة، ولا تصل الأقلية لما تريد بل تحمل على كاهلها مزيداً من الأوجاع.

وبعد: أين يقف الأقباط؟
رحل مبارك، ورحل جمال مبارك، وفشل الفلول في استعادة الوضع عن طريق شفيق، وبالتالي انكسرت عصا متطرفي النصارى.

وأقباط المهجر تحولوا فكرياً وظهرت كتابات أكاديمية متخصصة تتحدث عن أنهم هجروا ملة الأرثوذكس ودخلوا في البروتستانتية، فقد مارس الإنجليون الأمريكان "التبشير" فيهم، أو تأثروا هم بالمجتمع الأمريكي؛ واستقلوا بمواقفهم بعد أن ملكوا المال والمنصب فأصبحت لهم أجندة خاصة، غير أجندة الداخل، وربما يتطور الأمر لما هو أصعب فيصبح الضغط على الداخل وسيلة لكبح جماح متطرفي الخارج، وهو وارد جدا بعد رحيل النظام السابق.

وأمرُّ من هذا كله أن سياسة التشدد أثمرت ثمراتٍ مرَّة في الداخل النصراني، يمكن الوقوف عليها من خلال تتبع أقباط 48، أو حالات الطلاق في المحاكم، فقد أجج المتطرفون الداخل النصراني بتشددهم فيما يتعلق بالزواج والطلاق؛ وظهرت الانقسامات النصرانية وآخرها (ماكسيموس الأول، وجورج حبيب بباوي) الذي يكفر شنودة الثالث ومن تبعه علانية، وهو أستاذ لاهوت في أعلى درجات التخصص العلمي؛ والمواجهة الفكرية مع المسلمين أكثرت من عدد المهاجرين من النصرانية للإسلام.

إن التشدد والغلو الذي أوجد الذراع الخارجية المتطرفة أدى إلى تمزق الصف القبطي، وإن واجب المرحلة العمل على إبعاد المتشددين عن الكنيسة رحمة بالأقباط أنفسهم، وإن ذلك يكون بالتخلص من متشددي الخارج، وانتخاب رئيسًاً جديداً لهم يسير بهم في السهل بين الدروب.


محمد جلال القصاص
12/ 9 / 2012 م
 
المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 225
  • 0
  • 2,653

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً