رحلة الموت

منذ 2013-10-29

يبدو أن مأساة الفلسطينيين لم تعد الوحيدة في الضمير العربي والإسلامي، فقد طفت على السطح مأساة العراقيين بعد الغزو الأمريكي للعراق، ودخوله في دوامة العنف الطائفي الشيعي الذي تتزعمه إيران، والذي ما زالت حلقات العنف والاضطهاد ضد أهل السنة فيه على قدمٍ وساق، ناهيك عن مأساة الصومال التي ما زالت مستمرة حتى الآن، لتأتي المأساة السورية لتغطي على جميع هذه المآسي والآلام، بما تحمله يومياً من أنباء القتل والموت لمئات السوريين على يد الأسد ومليشياته الشيعية.


يبدو أن مأساة الفلسطينيين لم تعد الوحيدة في الضمير العربي والإسلامي، فقد طفت على السطح مأساة العراقيين بعد الغزو الأمريكي للعراق، ودخوله في دوامة العنف الطائفي الشيعي الذي تتزعمه إيران، والذي ما زالت حلقات العنف والاضطهاد ضد أهل السنة فيه على قدمٍ وساق، ناهيك عن مأساة الصومال التي ما زالت مستمرة حتى الآن، لتأتي المأساة السورية لتغطي على جميع هذه المآسي والآلام، بما تحمله يومياً من أنباء القتل والموت لمئات السوريين على يد الأسد ومليشياته الشيعية.

وإضافة إلى التردي الاقتصادي الذي كانت تعيشه بعض هذه الدول قبل وقوع هذه الكوارث والمآسي فيها، وسوء الأوضاع المعيشية التي كان تضطر بعض مواطنيها للهجرة طلباً لحياة أفضل ورزق أوسع؛ فإن حصول هذه الكوارث جعلهم يهربون من الموت أولاً، ناهيك عن تحسين ظروف الحياة والبحث عن المستقبل الكريم.

لقد وصل عدد اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الموت في سوريا إلى أكثر من مليوني لاجئ حسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، والعدد الحقيقي يفوق ذلك بالتأكيد، ومن بين هؤلاء اللاجئين فلسطينيون كانوا يعيشون في سوريا في كل من "مخيم اليرموك ومخيم فلسطين" بدمشق وغيرها من المخيمات المنتشرة في سورية.

وأمام الظروف الإنسانية البالغة السوء التي مرّ بها هؤلاء اللاجئون من مختلف الجنسيات العربية والإسلامية، فكّر بعضهم بالهروب إلى الدول الأوروبية، لعلهم يجدوا الحياة الكريمة التي يأملونها، ولكن أجلهم المحتوم كان هناك في عرض البحر، لينضم البحر إلى قائمة أسباب موت الفارين من جحيم الفقر والبؤس والعذاب في البلاد العربية.

وفي هذا الإطار يطرق أسماعنا كل عدة أيام خبر غرق قارب يُقِل عدداً من الرجال والنساء والأطفال من مختلف الجنسيات العربية والإفريقية، ونقرأ في الصحف عن أعداد الضحايا والغرقى في كل حادث من هذه الحوادث المفجعة.

وكان آخر هذه الحوادث ما أفاد به مراسل قناة الجزيرة الفضائية بالأمس، من أن قارباً يقل نحو 70 من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ، ونحو 40 مواطناً سوريا وعدداً من المصريين تعرّض للغرق بمنطقة العجمي غرب الإسكندرية، ما أدّى إلى مقتل عدد من هؤلاء اللاجئين.

وأشار إلى أن قوات البحرية المصرية انتشلت جثامين 12 من المهاجرين جرّاء غرقهم في البحر، مرجحاً ارتفاع عدد القتلى، لافتاً إلى أن القتلى هم من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين الذين كانوا يستقلون مركب الهجرة غير الشرعي حيث كانوا في طريقهم للهروب إلى أوروبا، بينما تم نُقِلَ 116 ناجٍ إلى القاعدة البحرية بمنطقة (رأس التين) كما ذكر موقع (بوابة الأهرام) المصرية.

وقد صاحب هذه الحادثة حادثة أخرى بنفس اليوم ولكن قبالة سواحل مدينة صقلية الإيطالية، حيث انقلبت سفينة على متنها حوالي 250 مهاجراً غير شرعي، مما أدّى إلى موت 50 منهم غرقاً كما نقلت وكالة الأنباء الإيطالية، وتتزامن هاتين الحادثتين مع حوادث كثيرة مماثلة في الأيام القليلة الماضية، حيث كان أفظع هذه الحوادث ما جرى في 3 من أكتوبر الجاري، حيث غرق حوالي 300 مهاجر غير شرعي على سواحل لامبيدوسا الإيطالية.

ويتساءل المرء:

ما الذي يدفع أمثال هؤلاء للهجرة وتعريض حياتهم للموت غرقاً بهذا الشكل، لولا الظروف البالغة السوء التي مرُّوا بها، والتي جعلتهم يستهترون بالموت، بل ويعتبرونه صنو الحياة البائسة التي يعيشونها.

وبغض النظر عن الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعيشها معظم الدول العربية، فإنها تتحمل -رغم ذلك- الكثير من اللوم جراء ازدياد أمثال هذه الحوادث في الآونة الأخيرة، نظرا للتضييق الممارس على اللاجئيين السوريين والفلسطينيين في بعض تلك الدول، وخاصةً تلك المطلة على البحر المتوسط، نظراً لكونها بوابة العبور إلى أوروبا.

إن هذا التضييق دفع الكثير من السوريين والفلسطينيين بالعودة إلى سوريا رغم الموت الذي ينتظره هناك -إما قسراً عبر الترحيل أو اختيار هرباً من التضييق الممارس ضده- أو التفكير في مغامرة للهروب إلى أوروبا عبر البحر الذي لا تقل خطورة الموت فيه عن العودة إلى سورية.

ورغم تظاهر الدول الأوروبية بالعمل على استقبال اللاجئيين السوريين، إلا أن الحقيقة تقول عكس ذلك تماماً؛ فمنذ مطلع العام الجاري وحتى سبتمبر أيلول الماضي لم تسجل فرنسا سوى 850 طلب لجوء من سورية فقط، رغم أن أعداد اللاجئيين كما قلنا تجاوز مليوني لاجئ، كما أن رئيس المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، والذي أعلن في بداية هذا الشهر أن 17 دولة أوروبية بالإضافة للمكسيك وأمريكا وافقت على فتح أبوابها أمام اللاجئين السوريين الراغبين في الهجرة، صرّح بالعدد الذي يمكن أن تستقبله جميع هذه الدول، حيث قال: "إن هذه البلدان يمكن أن تستقبل أكثر من 10 آلاف لاجئ يرغبون في مستقبل أفضل"، أي بحوالي 600 لاجئ لكل دولة، مما ينطبق عليه المثل العربي القائل: "تمخّض الجمل فولد فأراً".

وعلى فرض وصول بعض هؤلاء اللاجئيين إلى تلك الدول؛ فإنهم سيواجهون -إن كانوا مسلمين- التمييز العنصري والترحيل القسري لأتفه الأسباب، ناهيك عن الحملات العدائية ضدهم بشكلٍ عام في أوروبا، حيث لا تخلو الانتخابات هناك عن حملة دعائية ضد المهاجرين لكسب أصوات الناخبين.

إن لعبة الغرب اللاإنسانية ضد هؤلاء المهاجرين قد باتت مكشوفة ومستهجنة، ففي حين تتباكى هذه الدول على أرواح هؤلاء يومياً، لا تقوم بخطوة واحدة لحل هذه الأزمة المستعصية؛ بل على العكس من ذلك، فإنها تتشدد في القوانين الرادعة للهجرة غير الشرعية، كما تقوم بالضغط على دول المصدر لممارسة المزيد من المراقبة والتشديد على هذه الهجرات، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى استخدام القوة، كما حصل منتصف الشهر الماضي حين فتحت البحرية المصرية النار على قارب يقل لاجئين فلسطينيين وسوريين بُعَيْدَ إبحارهم من الإسكندرية باتجاه السويد لطلب اللجوء فيها، حيث أدّى إلى سقوط قتيلين على الأقل كما أفدات تقارير صحفية.

إن تكرار حدوث هذه الفواجع الإنسانية مرات عديدة خلال شهر واحد، يثير الكثير من التساؤلات حول مسؤولية بعض الحكومات العربية والغربية عن هذه الأرواح التي تُزهَق، نظراً للتضييق عليهم وعدم إيجاد الحلول المناسبة لمأساتهم ومعاناتهم.

 

  • 0
  • 0
  • 1,085

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً