وماذا بعد رمضان؟!

منذ 2013-11-27

جاء رمضانٌ، ثم مضى رمضانٌ. سوقٌ قام ثم أنفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر: اللهم اجعلنا من الرابحين الفائزين، ونعوذ بك أن نكون من الخاسرين.


جاء رمضانٌ، ثم مضى رمضانٌ.
سوقٌ قام ثم أنفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر: اللهم اجعلنا من الرابحين الفائزين، ونعوذ بك أن نكون من الخاسرين.
«رَغِمَ أَنْفُ عبدٍ دخل عليه رمضان ولم يُغْفرْ له». قل: "آمين"، قلت: «آمين». بأبي وأمي أنت سيدُ المرسلين صلى عليك ربُ العالمين، اللهم صلّ وسلم على الرسول الأمين.
ويحْزَنُ المُؤْمِنُ لفراقِ رمضان، ويظلُ يتذكرُ لياليه العامرةَ بالطاعات وأيامَهُ المُمْتلئةَ بالخيراتِ.
لماذ ينتكس الناسُ بعد رمضان؟ وينشغلون بدُنْياهم عن أُخْراهم وقد ذاقوا حلاوةَ القرب من مولاهم؟!

لما مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقف أبو بكر يقول وقد أخذ خبرُ وفاة النبي بالعقول: "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وذكر قوله تعالى :{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [سورة آل عمران:144].

فيا من كنت تتعبد إلى الله تعالى في ذلك الشهر المبارك، فتحرص على صلاة الجماعة، وتطالع القرآن، وتستن بسيرة العدنان، فتقوم الليل قربةً لله، وتتصدق طهرةً للمال والصيام، وتصل الأرحام، وتصون اللسان، حتى إذا انقضى رمضان انقلب الحالُ غير الحال.

فمن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد رمضان، فإنه يفوت. قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88].
لا تكن كالتى نقضت غزلها من بعد نسجه قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل:92].
قال عبد الله بن كثير: "خرقاء كانت بمكة تنقضه بعد ما تُبْرِمه".
أين أثرُ رمضان فيك؟ لقد جاء رمضانُ لغايةِ تزكيةَ النفس، وترويضها على الطاعة، وتحقيق التقوى من توحيدٍ وعبادةٍ ومكارم أخلاق.

روى البخاري ومسلم، قال جابر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولا تجعل يومَ صيامِكَ وفطرِكَ سواءً".
أي لابد أن يكون لذلك الصوم أثرٌ على نفسك، فالصيامُ لم ينقض بعد رمضان ولكنه مستمرٌ بإمساكك عن المحارم، ويكونُ فطرُكَ يومَ أن يأتيك اليقين.

استقم على أمر الله ولا تتلون، فالإسلام دين الاستقامة لا يصلح فيه التلون والتفلت والتزويغ!
قالى تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ} [هود:112] {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} [الشورى:15]. فاستقم على أمر الله وطاعته فى رمضان وغير رمضان.

قالى تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] أي الموت. فكن ربانيا، ولا تكن شعبانيا أو رمضانيا، فالغاية من خلقك العبادة.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162].
لما جاء حذيفة بن اليمان الموت، جلس عند رأسه عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما فقال: "أوصني". قال له حذيفة: "ألم يأتيك اليقين ؟" قال: "بلى وعزة ربي"، فقال: "إياك والتلون فدينُ الله واحدٌ".

فمن ألف الطاعة في رمضان وأحبها حتى صارت كالماء والهواء، لا ينتكس بعد رمضان ولا يقبل لنفسه أن تتثافل إلى الأرض.
قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة:38].

الأعمال الصالحة لا تنقطع بعد رمضان فأنت لم يرفع عنك القلم بعد رمضان، قيل لأحد الصالحين: "أيهما أفضل رجب أم شعبان؟" فقال: "كن ربانيا ولا تكن شعبانيا". فلا تسلم نفسك لغرائزك وشهواتك وقد علمك شهرُ الصيام كيف تروضها.

- الصلاة! فحافظ على أوقاتها والجماعة ما استطعت، ولا تنس النوافل منها وقيام الليل فهو شرف المؤمن ودليل الإخلاص.
ذُكِرَ أن الحسن بن صالح باع جارية له، فلما انتصف الليلُ، قامت ونادت في أهل البيت: "الصلاةُ... الصلاةُ ..." ، فقالوا: "أطلع الفجر؟" فقالت: "أو أنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟!" ثم جاءت الحسن فقالت له: "بعتني إلى قوم لا يصلون إلا المكتوبة ردني".

- الصيامُ لا ينقطع بعد رمضان، فمن نوافل الصيام الست من شوال. روى مسلم عَنْ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِي رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». روى البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "أَوْصَانِى خَلِيلِى بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاَةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ".
وهناك صيام الإثنين والخميس: روى الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»(قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ). روى مسلم عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ».

- الاعتكاف، بأن تعتكف لله يوما أو أكثر والالتزام بالطاعة على الدوام.

- الأعمال الصالحة وهي كثيرة وكل حسب مقدرته. روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ قَلَّ».

كان الحسن يقول: "عجبت لأقوام أُمِرُوا بالزاد ونُودِي فيهم بالرحِيل فجلس أولُهُمْ على آخِرِهم وهم يلعبون".

قال بعضُ السلف: صمْ الدنيا واجعل فِطْرَكَ الموتَ.

قال الشاعر:

وَقَدْ صُمْتُ عنْ لَذَاتِ دَهْري *** كُلِهَا وَيَوْمَ لِقَاكُمْ ذَاكَ فِطْرُ صِيَامي


وقال آخر:
 

صيام العارفين له حنينٌ *** إلى الرحمن رب العالمينا
تصوم قلوبهم في كل وقت *** وبالأسحار هم يستغفرونا
ألا إن بضاعة الله رائجةٌ *** فإذا جاء الموتُ نضبت


تأمل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:29-30]. {لِيُوَفِّيهُمْ أُجُورَهُمْ}: يعني ثواب أعمالهم. {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} فيه أربعةُ أوجه: أحدها: يُفْسَحُ لهم في قبورهم (قاله الضحاك). الثاني: يشفعهم فيمن أحسن إليهم في الدنيا (قاله أبو وائل). الثالث: يضاعف لهم حسناتهم (وهو مأثور). الرابع: غفر الكثير وشكر اليسير (قاله بعض المتأخرين). ويحتمل خامساً: يوفيهم أجورهم على فعل الطاعات ويزيدهم من فضله على اجتناب المعاصي {إنَّهُ غَفُورٌ} للذنب. {شَكُورٌ} للطاعة. ووصفه بأنه شكورٌ مجازٌ ومعناه أن يقابل بالإحسان مقابلة الشكور لأنه يقابل على اليسير بأضعافه.

كيف نفرح؟

يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58]. شرع لنا الإسلام الترويح عن النفس، وخاصة إن كانت بعد عبادة عظيمة كصيام رمضان أو الحج، فلكل قوم عيدٌ وأَفراحٌ يروحون فيه عن أنفسهم.

جاء في سنن النسائي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ لأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِى كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمَّا قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ قَالَ: «كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى».
روى البخاري في صحيحه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: "مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا.

روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِى أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ وَقَالَ: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ». وَقَالَتْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ.

وفى يوم العيد خرج الأحباش يلعبون بحرابهم ومن حولهم الصغار يلعبون فقال لأم المؤمنين: «أتنظرين؟» قالت: نعم، ففتح النافذة وهى تنظرمن بين أذنيه فقال لها: «أكتفيتِ؟» قالت: لا فانتظر ثم قال: «أكتفيتِ؟» قالت: لا، حتى بعد الثالثة قال «حسبك».

النبى يسابق عائشة فتسبقه وهى صغيرة ولما ذاد وزنها سابقها النبى فسبقها وقال لها: «هذه بتلك»
روى أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ فَقَالَ لِلنَّاسِ «تَقَدَّمُوا». فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ لِي «تَعَالَي حَتَّى أُسَابِقَكِ». فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَسَكَتَ عَنِّى حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ «تَقَدَّمُوا». فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ «تَعَالَي حَتَّى أُسَابِقَكِ». فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِى فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ: «هَذِهِ بِتِلْكَ».

ودخل النبى عليها وهى تلعب بأحصنة صنعتها من صلصال فقال لها: «ما هذا؟» قالت: أحصنة قال: «أحصنة لها أجنحة؟» قالت: ألا تعلم أن أحصنة سليمان كانت لها أجنحة فتبسم وقال: «قدروا للفتاة قدرها».
روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ وَكَانَتْ تَأْتِينِى صَوَاحِبِي فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيّ.


أبو عبد الله محسن بن أحمد

 

محسن العزازي

كاتب إسلامي

  • 2
  • 0
  • 4,782

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً