المصلحة في تصرفات ولي الأمر

منذ 2014-04-22

الراعي ليس مخيراً في اختيار ما يشتهي من أمور، حتى إذا كانت كلها جائزة، بل عليه أن يختار أصلحها وأنفعها وأيسرها..

ابتغاء المصلحة المشروع تحقيقها والعمل على تحصيلها، هو تصرف كل راشد يريد الخير لدينه ورعيته، ومن ثم وجدت القاعدة الفقهية التي تنص على أن: "تصرف الراعي على الرعية منوط بالمصلحة"، تحكم هذه القاعدة الفقهية تصرفات الوالي الاجتهادية كلها، فتصرفاته جميعها ينبغي أن يكون الغرض منها تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وكذلك وسائل وآليات تحقيق المصلحة في الواقع، ومن ثم يتبيَّن أن كل تصرف لم يراعِ فيه الراعي تحقيق مصلحة الرعية ولم يتخذ الوسائل المؤدية لذلك؛ فقد وقع غير منتج للأثر الذي يراد منه، فهو تصرف فاسد وتقع تبعاته عليه..

وعليه فإن الراعي ليس مخيراً في اختيار ما يشتهي من أمور، حتى إذا كانت كلها جائزة، بل عليه أن يختار أصلحها وأنفعها وأيسرها، فإذا أراد أن يعيّن والياً لإقليم أو أميراً للجهاد، أو قاضياً أو غير ذلك من الولايات؛ لم يكن له أن يختار بالتشهي من هؤلاء، ولو كانوا كلهم ممن يصلح لتولي المنصب، بل عليه أن يختار الأصلح من كل هؤلاء والأكفأ والأقدر على الإنجاز، ومن يسرع الناس إلى طاعته واتباعه، ولا مصلحة معتبرة في أن يختار الأقل فضلاً والأقل كفاءة والأبطأ إنجازاً ويترك الأكثر، وهكذا في كل تصرفاته..

قال الشيخ أحمد الزرقا: "وَالمرَاد بالراعي: كل من ولي أمراً من أُمُور العَامَّة، عَاماً كَانَ كالسلطان الْأَعْظَم، أَو خَاصّاً كمن دونه من العمَّال، فَإِن نَفاذ تَصَرُّفَات كل مِنْهُم على العَامَّة مترتب على وجود الْمَنْفَعَة فِي ضمنهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُور من قبل الشَّارِع صلى الله عليه وسلم أَن يحوطهم بالنصح، ومتوعد من قبله على ترك ذَلِك بأعظم وَعِيد، وَلَفظ الحَدِيث أَو مَعْنَاهُ: «من ولي من أُمُور هَذِه الْأمة عملاً فَلم يحطهَا بنصح لم يرح رَائِحَة الْجنَّة» [1]،
وهذه القاعدة تبيَّن أن النصوص الواردة في الأمر بطاعة ولاة الأمور مقيدة، بكون أوامره المبنية على الاجتهاد مراد منها المصلحة، وكذلك التنظيمات التي يقرّها ينبغي أن تنشد المصلحة في أفضل صورها، وليس المراد أن تحوز أوامره وتنظيماته مجرد الجواز الفقهي، لا بل حتى تكون أكثر الممكن تحقيقاً للمصلحة، فلو اختار أمراً جائزاً من بين أمور كثيرة جائزة لكن كان هناك ما هو أصلح منه، فينبغي عليه الرجوع واختيار الأصلح، فالإمام يخير بين الأمرين تخيير رأي ومصلحة لا تخيير شهوة ومشيئة، "وهكذا سائر ما يُخيَّر فيه وُلاةُ الأمر" [2].

ولا تجب على الرعية الطاعة فيما اختاره الإمام لو اختار ما فيه مفسدة أو ما لا يجلب للمصلحة، ويتحمّل الإمام أو عامله التبعة الناتجة عن تصرفاته التي لم يراعِ فيها تحقيق المصلحة؛ لأن التصرف المأذون له فيه ما كان منوطاً بالمصلحة، فلما كان تصرفه خارجاً عن الحدود المأذون له فيها، فيتحمّل حينئذ تبعة تصرفه، قال ابن نجيم: "تنبيه: إذا كان فعل الإمام مبنياً على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة لم ينفذ أمره شرعاً إلا إذا وافقه، فإن خالفه لم ينفذ" [3]، يقول الشيخ العز بن عبد السلام: "يتصرف الولاة ونوابهم بما ذكرنا من التصرفات بما هو الأصلح للمولى عليه، درءاً للضرر والفساد، وجلباً للنفع والرشاد، ولا يقتصر أحدهم على الصلاح مع القدرة على الأصلح إلا أن يؤدي إلى مشقة شديدة، ولا يتخيرون في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم.. وكل تصرف جرَّ فساداً أو دفع صلاحاً فهو منهي عنه" [4].

فتصرف الإمام على الرعية إذا لم يكن لجلب مصلحة أو درء مفسدة فهو باطل لا يلزم الرعية تنفيذه أو التقيد به، ومن ثم لا تجوز عقوبة من يسعى لإبطال هذا التصرف الفاسد، وإذا كان تصرف الإمام على الرعية منوطاً بالمصلحة، فمن المتوقع أن يختلف تصرف إمام عن إمام سبقه تبعاً لاختلاف المصلحة بين زمنيهما، أو لاختلاف رؤيتيهما في تقدير المسألة، بل من المتوقع أن يختلف تصرف الإمام مع نفسه باختلاف الظروف تبعاً للمصلحة أيضاً.

ومما يترتب على هذه القاعدة أن ولي الأمر لا يجوز له أن يستعمل على عمل أحداً من الناس وفيهم من هو أكفأ منه، أو أنسب لهذا العمل، وهذه القاعدة تدفع الفهم الباطل الذي قد يتوهّمه بعض الناس من أن ولي الأمر يتصرف من منظوره الشخصي، من غير أن يكون تصرفه مقيَّداً بأصول وضوابط، كما يظنه بعض جهال المسلمين أو بعض أعداء الإسلام، ولهذه القاعدة تطبيقات كثيرة في كثير من أبواب الفقه، وفي السياسة الشرعية، ومن تطبيقاتها في مجال السياسة الشرعية:

1- في مجال التولية:
فإن على الإمام أن يولي الأصلح من الناس لشغل الولايات والقيام بها، فهو ليس مخيَّراً في الاختيار بحيث يولي من شاء، بل هو مقيد في التولية والاختيار بتحصيل المصلحة ودرء المفسدة، ومن ذلك اختيار الأصلح للولاية والأنسب لها، قال ابن تيمية: "وكالإمام في تولية من ولاه الحربَ والحكمَ والمالَ، يختارُ الأصلح فالأصلح، فمن وَلَّى رجلاً على عصابةٍ، وهو يجد فيهم من هو أرضى لله منه، فقد خانَ الله وخانَ رسولَه وخانَ المؤمنين" [5].

2- في مجال عمل الأنظمة وسنّ القوانين والتشريعات:
فإن على الولاة ألا يستحدثوا نظاماً أو يسنوا تشريعاً أو قانوناً مغايراً لما دل عليه كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ لا مصلحة مطلقة في مخالفة الشرع، بل في المخالفة تكمن أنواع الشرور والفساد جميعها، كما أن عليه أن يقرّ النظم والقوانين التي تكفل حسن الأداء، مع السرعة في إنهاء الإجراءات وتحقيق الجودة المطلوبة، كما أن عليهم ألا يستحدثوا نظاماً أو يسنوا تشريعاً أو قانوناً مغايراً لما ما هو معمول به ما لم يثبت عدم وفاء المعمول به باحتياجات الناس، وعدم قدرته على تحقيق الأهداف التي يسعى الجميع لتحقيقها.

3- في مجال إنفاق الأموال العامة:
فعليه أن يقدم الأهم على المهم، وألا ينفق الأموال العامة إلا في المواضع المحتاج إليها فيها، ويمتنع عن إنفاق المال العام فيما لا يعود بمصلحة حقيقية على الأمة.

4- في مجال الحفاظ على سلوك المجتمع وأخلاقه: فإن
ولي الأمر عليه ألا يمكّن أحداً أو يقره على الإعلان أو التظاهر بالمنكرات، وعليه أن يسنّ من التنظيمات التي تساعد على ضبط المجتمع وتلزمه بالضوابط الشرعية في العقائد والأفكار والأخلاق.

5- وفي مجال العلاقات الدولية:
يجوز لولي الأمر مصالحة الكفار أو مهادنتهم إذا كان المسلمون في حاجة لذلك، بل لهم أن يطلبوا ذلك من عدوهم وربما وافقوا على بعض الشروط المجحفة بهم متى ما كان في ذلك تحقيق المصلحة للمسلمين، وليس له أن يعقد اتفاقيات لا تكون فيها المصلحة عائدة بالدرجة الأولى لمصلحة الأمة مع مراعاة قدراتها وإمكاناتها.

كانت تلك بعض الأمور المترتبة على مراعاة القاعدة المذكورة في فقه السياسة الشرعية، وهي أمور نظرية من الممكن معرفتها لكثير من طلبة العلم، وأما تطبيقها وتحقيق مناطها في الواقع، ومراعاة الشروط والضوابط؛ فلا يقدر عليه إلا العلماء الربانيون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] شرح القواعد الفقهية:1/309، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ولفظه: «أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل إني محدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة» (برقم:7150).
[2] جامع المسائل لابن تيمية:3/409.
[3] الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي:1/106.
[4] قواعد الأحكام في مصالح الأنام:2/89.
[5] جامع المسائل:3/409.

المصدر: مجلة البيان

محمد بن شاكر الشريف

باحث وكاتب إسلامي بمجلة البيان الإسلاميةوله عديد من التصانيف الرائعة.

  • 0
  • 0
  • 2,519

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً