المفاوضات في خدمة المستوطنات

منذ 2014-04-24

أصدرت لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ قراراً بربط المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية بوقف "التحريض الفلسطيني" على إسرائيل. ومن المفارقة أن الذي أقنع اللجنة بإصدار هذا القرار هو الوزير الإسرائيلي يوفال شطينتس، الذي رثى زعيم حركة شاس السابق عفوديا يوسف عند وفاته، قائلاً إنه "معلم العصر"، على الرغم من يوسف وصف العرب مراراً وتكراراً بأنهم "صراصير وحيوانات"...

من المفارقة التي قد تبدو ذات دلالة خاصة حقيقة أن الجهود التي يبذلها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لإحياء جهود التسوية بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية تتزامن مع قيام العشرات من أفراد مجموعة يهودية بإجراء مناورة تهدف للتدرب على تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم. 

إن المناورة التي تم تصويرها من قبل وسائل الإعلام الصهيونية، التي أعدت حولها تحقيقات وتقارير تدلل على وجهة إسرائيل الحقيقية، حيث يتضح بشكل لا يقبل التأويل أن صناع القرار في تل أبيب يعكفون على توظيف المفاوضات من أجل تحقيق هدف واحد ووحيد وهو التغطية على مخططاتهم ليس فقط لتكريس الحقائق الاستيطانية، بل لترويض الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي على قبول فكرة المس بالمقدسات الإسلامية.

 

إهانة عباس وكيري

إن الصلف الصهيوني يأتي في الوقت الذي ترفض فيه النخبة الإسرائيلية تقديم أية بادرة تسمح لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالنزول من أعلى الشجرة التي صعد إليها في أعقاب التزامه برفض تمديد المفاوضات إلى ما بعد 29نيسان القادم.

وعلى الرغم من أن عباس التزم بعدم تمديد المفاوضات، إلا بعد الإفراج عن أسرى من فلسطينيي 48 وتجميد الاستيطان، إلا أن إسرائيل أصرت وبشكل تظاهري ليس فقط على رفض هذين المطلبين، بل أنها أقدمت على ما ينسفها، إمعاناً في إحراج عباس والأمريكيين. 

فقد أصدرت الحكومة الإسرائيلية قراراً ببناء 2730 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة الغربية، سيما في المستوطنات النائية، وفي الوقت ذاته التزمت أمام جمهور اليمين بعدم الإفراج عن أسرى 48 أو حتى عن أسرى كبار، مثل مروان البرغوثي القيادي البارز في حركة فتح أو أمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعادات. 

المفارقة أن هناك ما يدلل على أن التكتيك الصهيوني يحقق نجاحات، حيث أن المتحدثين باسم السلطة باتوا يركزون على شرط الإفراج عن الأسرى ويغفلون الحديث عن وقف الاستيطان، ليس هذا فحسب، بل أنه من خلال تحليل الخطاب الإعلامي للمقربين من عباس، يتبين أن التركيز الآن ينصب على الإفراج عن أسرى بدون الإشارة إلى العامل الجغرافي، في ظل الرفض الإسرائيلي الصارم للإفراج عن فلسطينيي 48.

 

الليكود يعقد الأمور

على الرغم من أن قبول الجانب الفلسطيني ما ورد في خطة كيري، التي تتضمن تنازلات هائلة، يعني تصفية القضية الوطنية للشعب الفلسطيني، فأن الأغلبية الساحقة من نواب ووزراء الائتلاف الحاكم في تل أبيب يرفضون ما جاء في هذه الخطة، ويقدمون على خطوات سياسية تجعل من المستحيل مواصلة التعاطي مع خطة كيري. 

فعلى سبيل المثال، يصر حزب الليكود الحاكم على المضي قدما بدفع مشروع القانون الذي قدم للبرلمان الإسرائيلي في 25-2-2014 والذي يدعو الحكومة إلى تطبيق السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، مع العلم أن معظم وزراء ونواب حزب الليكود وجميع وزراء ونواب حزب البيت اليهودي -ثالث أكبر الأحزاب المشاركة في الائتلاف- يؤيدون المشروع.

ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى حد أن تحول استفزاز مشاعر المسلمين والفلسطينيين عبر تنظيم مسيرات للمسجد الأقصى، هو الهواية الدارجة لدى قادة حزب الليكود على وجه الخصوص، على اعتبار أن هذا السلوك يعزز التأييد الشعبي لهم. ومن الواضح أن المصادقة النهائية على القانون ستشعل الأرض وستقابل بردة فعل جماهيرية فلسطينية قوية، ستؤثر على مدى قدرة عباس مواصلة التفاوض مع إسرائيل. 

لا تقف الأمور عند حد رفض تجميد الاستيطان في المستوطنات النائية، بل أن حكومة نتنياهو، تحت ضغط وزراء الليكود، أصدرت قراراً يقضي بتقديم تسهيلات إضافية للمستوطنين الذين يقيمون في هذه المستوطنات من أجل إغراء المزيد من اليهود للإقامة فيها، مع العلم أن الذي دفع نحو إصدار هذا القرار هو وزير المالية يئير لبيد، رئيس حزب ييش عتيد، الذي يوصف بأنه يمثل "الحمائم" في الائتلاف.

 

ما وراء جهود كيري

على الرغم مما تقدم، فأنه لا يوجد ما يؤشر على أن كيري ينوي التراجع عن جهوده، ويبدي حرصاً على العمل  بكثافة من أجل انقاذ خطته. وهناك ما يؤشر على أنه ضمن تنازل عباس عن المطالبة بوقف الاستيطان، وتنصب جهوده على إيجاد تسوية بشأن الإفراج عن الأسرى.

إن الحماس الذي يبديه كيري لانجاز اتفاق الإطار يرجع بشكل خاص إلى رغبة الإدارة الأمريكية في ترميم مكانتها الإقليمية التي تراجعت أثر تفجر الثورات العربية، إلى جانب خوف واشنطن من إمكانية أن يفضي الجمود التي تشهده عملية التسوية إلى إشعال مواجهة فلسطينية إسرائيلية تقلص هامش المناورة المتاح أمام إدارة أوباما. 

وفي الوقت ذاته ترى الولايات المتحدة أن تحقيق اختراق في ملف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية سيساعدها في بناء تحالف إقليمي ضد البرنامج النووي الإيراني.

لكن عند اختبار سلوك الإدارة والكونغرس يتضح أن هذا السلوك لا يسهل مهمة كيري نفسه. فالإدارة الأمريكية تمارس ضغوطاً على القيادة الفلسطينية لإجبارها على قبول مواقف اليمين الإسرائيلي، التي ترى مستويات إسرائيلية رسمية أنها غير مبررة.

فعلى سبيل المثال، قبل كيري موقف نتيناهو بضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، على الرغم من أن الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس يرى أنه لا يوجد هناك ما يبرر الطلب الإسرائيلي باعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل.

في الوقت ذاته، فأن نتنياهو يلجأ إلى توظيف جماعات الضغط اليهودية والكونغرس لإقناع إدارة أوباما بالتراجع عن المواقف التي لا تتفق تماماً مع الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.

ولا يكتفي الأمريكيون بمساعدة نتنياهو، بل يذهبون إلى أقصى حد في تقليص هامش المناورة أمام القيادة الفلسطينية وإحراجها أمام رأيها العام.

فقد أصدرت لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ قراراً بربط المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية بوقف "التحريض الفلسطيني" على إسرائيل. ومن المفارقة أن الذي أقنع اللجنة بإصدار هذا القرار هو الوزير الإسرائيلي يوفال شطينتس، الذي رثى زعيم حركة شاس السابق عفوديا يوسف عند وفاته، قائلاً  إنه "معلم العصر"، على الرغم من يوسف وصف العرب مراراً وتكراراً بأنهم "صراصير وحيوانات".

 

السلطة في خدمة "إسرائيل"

من أسف أن السلطة تدلل مرة أخرى على أنه تلعب في المعلب الإسرائيلي وترفض مجرد التفكير في تغيير قواعد وأصول المواجهة التي يمكن أن تسهم في تغيير نمط السلوك الصهيوني.

فمن المفارقة أنه في الوقت الذي تقدم فيه إسرائيل على كل هذه الجرائم، يصر عباس على مواصلة التعاون الأمني بين أجهزة السلطة والجيش الصهيوني.

وتؤكد تقارير المنظمات الحقوقية العاملة في الضفة الغربية أن السلطة الفلسطينية قد كثفت من حملات الاعتقال والمداهمة التي طالت عناصر حركات المقاومة.

ولم يعد سراً أن التعاون الأمني لا يتمثل في عمليات الاعتقال التي تقوم بها أجهزة السلطة ضد نشطاء المقاومة، بل تعداها إلى تزويد المخابرات الصهيونية بالمعلومات التي تسمح لها بتصفية قادة وعناصر المقاومة واعتقالهم. 

وهذا ما دفع المعلق الصهيوني آفي سيخاروف إلى حد القول: "التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية يفوق كل التصورات وأنه لولا هذا التعاون لما تمكنت إسرائيل من توفير بيئة أمنية تسمح للمستوطنات بالازدهار في أرجاء الضفة الغربية".

من الواضح أن تمديد المفاوضات، كما يرغب كيري، لن يكون إلا بوجبة جديدة من التنازلات التي يتوجب على السلطة تقديمها، مع العلم أن تمديد المفاوضات يعني منح إسرائيل المزيد من الوقت لتكريس الحقائق الاستيطان على الأرض، حتى لا يكون هناك ثمة ما يمكن التفاوض بشأنه.

 

صالح النعامي

المصدر: مجلة البيان
  • 0
  • 0
  • 1,258

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً