الحر والسفر

منذ 2014-05-22

النَّاس في السفر قسمان: قسم أراد بسفره الثواب والطاعة والخروج من الملل والسآمة، والضيق والكآبة، فساح في الأرض تأملاً في خلق الله أو تزوداً من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قصد بسفره صلة قريب، أو أخٍ في الله تعالى، أو أراد واجبًا كالحج والعمرة، وقسم أراد بسفره الوقوع في المحرمات، والبعد عن أنظار البشر متناسيًا رب البشر الذي لا تخفى عليه خافية.

مع شدة حر الصيف ولأواء الشمس وهجيرها، ومع سخونة الأجواء التي يتصبب منها الجبين عرقاً، يستعد كثير من الناس للرحيل والسفر للخارج، أعني إلى بلاد الكفار، أو البلاد الإسلامية التي يكثر فيها السفور والإباحية والخمور والمخدرات، فحجوزات تؤكد، وتذاكر تقطع، وحقائب تجهز، وأموال ترصد، ليتجه الناس نحو المصايف والبلدان المعتدلة والباردة من أجل التنعم بأجوائها والاستمتاع بأمطارها، والتخفف من مشاغل الحياة ومتاعبها، لقد أسفرت المدنيّة الماديّة المعاصرة عن تبرّم فئامٍ من النَّاس من المكث في بلدانهم والاستقرار في أوطانهم والتطلّع بنَهَم إلى التنقّل بين كثير من الأقطار, وحطّ عصا الترحال لجَوْب عددٍ من الأصقاع والأمصار، كلٌّ بحسب مقصده وبغيته ومراده، وما إن ينتهي العام الدراسي وتبدأ إجازة الفصل الصيفيّ وتتوسّطَ شمس الإجازة كبدَ السماء وتسفح الوجوهَ بوهجها وحرِّها، وتشتدَّ لفحات الهواجر، ويلتهب حر الشمس حتى ينزع النَّاس إلى مواطن الأفياء الظليلة النديّة، والمياه الشفافة الرقراقة والأجواء المخمليّة النضرة، إجمامًا للنفوس، وتطلّبًا لغاية راحتها وسعادتها.

وهذا السفر وذاك التنقل في البلدان هو فطرةٌ فطر الله تعالى النفسَ البشرية عليها، ففئة تسافر لتتاجر، وأخرى لتجاهد، وثالثة لتتعلم، ورابعة من أجل أداء واجب كحج وعمرة وصلة رحم أو دعوة إلى الله تعالى، ولقد كان العرب في الجاهلية يسافرون ويسيحون في الأرض فجاء الإسلام فزكى مبدأ السياحة وقواه، بل أمتنَّ به على قريش حين ذكرهم بأنَّه هيأ لهم أسباب رحلتين عظيمتين منتظمتين إلى اليمن تارة، وإلى الشام تارة أخرى، فقال سبحانه: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:1-4].

وسمي السفر سفراً لأنَّه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيُظِهُر منها ما كان خافياً، روى ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت عن أبي عتبة أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلاً يثني على رجل فقال: أسافرت معه؟ قال: لا، قال: أخالطته؟ قال: لا، قال عمر رضي الله عنه: والذي لا إله إلَّا هو ما تعرفه.

إنّ السفر الذي احتُسب فيه الأجر والثواب، وحُرِص فيه على الطاعة ونزاهة الأهداف والمقاصد لهو بحقّ روضة للعقول, وبلوغ للأنس المأمول، وهو مطردة للسّآمة والتعب، وبُعدٌ عن الرّتابة والملل، وفضاءٌ واسع للتذكر والاعتبار{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُون} [يونس:101].
والسفر فيه من العسر والمشقة والتعب الشيء الكثير من فرقة الأوطان، والبعد عن الأهل والخلان، روى البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ من الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فإذا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إلى أَهْلِهِ». وسئل الإمام الجويني رحمه الله: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأنَّ فيه فرقة الأحباب.

ومع كلِّ ذلك إلَّا أنَّ للسفر فوائد عديدة منها: في السفر تتجلّى عظمة الخالق البارئ سبحانه، فتخشعُ له القلوب أمام بديع خلق السموات والأرض، أمامَ بديع خلقِ الطبيعة الخلاّبة, وتسبّحه الروح لمفاتنها الأخّاذة الجذّابة {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّن جَعَلَ ٱلأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءلـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ . أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:60-63]. قال الثعالبي رحمه الله تعالى: "من فضائل السفر أنَّ صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى ويدعوه شكراً على نعمه". يقول الشاعر:

 

تلك الطبيعة قف بنـا يـا ساري*** حتى أريك بديع صنـع الباري
فالأرض حولك والسماء اهتزتا *** لروائـع الآيـات والآثــار
من كل ناطقة الجلال كأنهـا *** أمُّ الكتاب على لسان القاري
دلت على ملك الملوك فلم تدع *** لأدلـة الفقهـاء والأحبـار
من شكَّ فيه فنظرة في صنعـه *** تمحو أثيم الشـك والإنكـار
كشف الغطاء عن الطرول وأشرقت *** منه الطبيعـة غيرَ ذات ستـار
ولقـد تمـر على الغديـر تخالـه *** والنبت مرآةً زهـت بإطـار
حلو التسلسل موجه وجـريره *** كأنامـل مرت عـلى أوتـار


فسبحان الله، مشاهدُ في الطبيعة جذَّابة، ومخلوقات بديعة خلابة، تدهِش الألباب، وفي إتقانها العجب العجاب، تملأ النفسَ والقلب مسرّة وابتهاجًا، ولكن كم يغلب على كثير من الناس أن يمرّوا بهذه المناظر وكأنَّهم تجاهها دونَ أعين نواظر، {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} [الحج:46]. يقول الإمام أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله: "فنعوذ بالله من عيونٍ شاخصة غير بصيرة، وقلوب ناظرةٍ غير خبيرة". وأحسن من قال :

 

تغرب عن الأوطان في طلب العلا *** وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرُّجُ همٍّ، واكتسابُ معيشـــةٍ *** وعلم، وآداب، وصحبة ماجـد


والأصل في السَفر الإباحة، ولكن تأتي عليه الأحكام التكليفية الخمسة فتارة يكون مباحًا، وتارة يكون مندوبًا، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون واجبًا، وتارة يكون حراماً ممنوعاً بحسب النيات والأهداف والمقاصد.
والسفر أنواع ثلاثة: سفر الطاعة، وسفر المعصية، وسفر مباح.
ويكون سفر طاعة إن صاحبته نيَّة صالحة أو سفر معصية إن صاحبته نيَّة سيئة فاسدة.

والنَّاس في السفر قسمان: قسم أراد بسفره الثواب والطاعة والخروج من الملل والسآمة، والضيق والكآبة، فساح في الأرض تأملاً في خلق الله أو تزوداً من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قصد بسفره صلة قريب، أو أخٍ في الله تعالى، أو أراد واجبًا كالحج والعمرة، أو أراد مباحاً كالتطبُّب والاتجار والتسبّب مع حسن النية فهنيئاً لهؤلاء جميعاً تلك الخطوات، وبوركت تلك الرحلات، وأمَّا ما كان للسياحة والنزهة وترويح النفوس? وتجرّد عن نيّة الثواب والطاعة فهو مباح إذ الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فإن حسنت النيَّة تحولت العادات إلى عبادات، فالأمور بغاياتها ومقاصدها.

وقسم أراد بسفره الوقوع في المحرمات، والبعد عن أنظار البشر متناسيًا رب البشر الذي لا تخفى عليه خافية {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد:10]، والتنكر للأعراف والعادات وتعاطي الخمور والمخدرات، وبحثًا عن أماكن الزنا وكشف العورات، والتنقل بين المسارح لمشاهدة الراقصات وسماع الأغنيات الماجنات، فعاد لبلده بالأوزار والسيئات، وغضب رب الأرض والسماوات، وتنكر للمثل والأخلاق ومحاسن العادات، فويلٌ ثمَّ ويلٌ لمن أراد بسفره مثل هذه المقاصد والنيات، {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون} [الزخرف:80]، فكم من مسافر عاد إلى بلده من أهل الإدمان والمخدرات، وكم من مسافر عاد إلى بلده يحمل فكراً دخيلاً منحرفًا، وكم من مسافر عاد إلى بلده مصابًا بالإيدز وفقد المناعة، وربما حقن به زوجته العفيفة الشريفة، وكم من مسافر عاد إلى بلده بالعار والفضيحة، وهذا الكلام ليس من المبالغات، فالقصص المندية للجبين كثيرة فلقد حدثني أحد هؤلاء الذين كانوا يسافرون لمثل هذه الأغراض الدنيئة بعد هدايته فيقول: جاءت إجازة الحج، وثارت رغبتي في السفر إلى بعض البلاد التي ينتشر فيها الزنا، وبحثت عن عذر أعتذر به للسفر فأخبرت الأهل بعزيمتي على الحج ليوافقوا فتمَّت الموافقة بكل فرح وسرور، فسافر النَّاس للحج وسافرت أنا إلى تلك البلاد، وعدتُّ بعد الحج بالآثام والأوزار، بينما عاد غيري كيوم ولدتهم أمهاتهم نقيين من الذنوب والأوزار، عدت وليس معي شيء من الهدايا لأنَّني أنفقت أموالي في الحرام، فسألني الأهل عنها فاعتذرت بانتهاء النفقة، فقالوا كيف تأتي من الحج ولا نهدي للنَّاس شيئا من الحنبص جريًا على عادة الحجيج، فأعطوني مالًا لأشتري به الحنبص، وبالفعل ذهبت واشتريته، ووزعه الأهل على المهنئين لي بالحج، وهم لا يعلمون أنِّي لم أحج.

لقد أصبح السفر إلى الخارج، مصيبة تضاف إلى رصيد الأمة التي تتابعت عليها المصائب، وليت الأمر يتوقف عند ذهاب الأولياء فقط بل وصل الأمر ببعض الأولياء أن يرسلوا إلى تلك الديار البائسة فلذات أكبادهم ومهج نفوسهم، وكأنَّهم بمعزل عما يجري ويحدث في تلك البلدان من سيء الأعمال وقبيح الخصال. فأيُّ دين وقيمٍ عند من يسافرون إلى أماكن الأوبئة الفتاّكة أجاركم الله؟! التي أشعلت فتيلها معطَيَات الحضارة السافرة، وألهبتها الشبكات الحديثة المذهلة، وأذكاها الجفاف الروحي والتّرف الماديّ الساحق، وضعف الإيمان والتقوى في النفوس، فكان هذا الفهم الخاطئ لمعنى السّفر والسياحة التي أصبحت لدى فئام المنهزمين فرصة للتفلّت من القيم والأخلاق، والتنصّل من المبادئ والثوابت، حتى صُرفت جماعات من الأمّة عن تاريخها وأصالتها وتراثها ولغتها، فأضحَوا مُزَعًا تائهين أسرَى التقليد والتبعيّة والتقاليد المستوردَة النشاز, والجري خلف كل ناعق فاجر فهبّت أعاصير الشهوات والملذّات، وثارت لوثات الخلل الفكريّ والأخلاقي.

ومِن النَّاس مَنْ يطلق لنفسه العنان في السفر إلى بلاد موبوءة، ومناطق مشبوهة، ليفتن نفسه بالشهوات المحرمة، والأفعال الآثمة، في مواخير الفجور والزنا، وحانات الخمور والخنا. فيا من أخفيت نواياك في سفرك عن البشر، وقصدت مكاناً لا تقع فيه تحت عين ونظر، ألا تخشى سطوة رب البشر، وأنت تعامله بالقبائح، وتبارزه بالفضائح {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة:7].
 


إذا ما خلوت الدهر يومـًا فلا تقل *** خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبنَّ اللـه يغفـل ساعـة *** ولا أنَّ ما تخفيـه عنه يغيب


يا من عزمتم على السفر للحرام، السعيد من اتعظ بغيره، وأخذ مما حصل من الحوادث لغيره عبرة، فكم من أناس سافروا طلباً لاقتراف الحرام، وبحثاً عن المعاصي والآثام، فكان جزاؤهم الخيبة والخسران، أصابتهم الأمراض المعدية، وانتقلت إليهم الجراثيم المستعصية بما كسبت أيديهم، وبما اقترفوا من معصية باريهم. يا من عزمتم على السفر للحرام ألا تخشون من الموت بسوء الخاتمة، وأنتم على المعاصي والآثام فكم من أناس سافروا وماتوا هناك بل أحدهم مات وهو على صدر واحدة من البغايا عياذًا بالله من سوء الخاتمة.

يا من عزمتم على السفر للحرام اعلموا أنّ النار حفَّت بالشهوات، وهي أقرب إلى أحدكم من شراك نعله. وأمَّا أنتم يا من دعتكم الحاجة إلى السفر وعزمتم عليه، اللهَ اللهَ في إقامة شعائر دينكم، والاستمساك بأخلاقكم، والولاء لعقيدتكم وأمّتكم في عزّةٍ وإباء، وليستقر في قلوبكم أنَّ دينكم وقيمَكم في الذُرى جمالاً وجلالًا، وفي القمة عزّاً وكمالاً، ودينكم أغلى ما تملكون فكونوا له خيرَ سفراء، وطبّقوه خير منهاج وأحسنَ مثال. ولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير قدوة فقد ارتحل من مكّة إلى المدينة، حاملاً النورَ والضياء والهدى والصلاح، ولكم في الصحابة وسلف الأمة الذين سافروا دعاة إلى الله خير قدوة وأسوة، واعلموا أنَّ الإسلام وصل إلى شرق آسيا عن طريق التجار الذين ذهبوا إلى هناك لطلب الرزق مع حفاظهم على دينهم، مما كان سببًا في دخول أهل تلك البلاد في دين الله واعتناقهم دين الإسلام العظيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33].

ولقد عني الإسلام بالسفر عناية فائقة، فجعل له أحكامًا تخصه، وآدابًا ينبغي ألَّا يغفل عنها كلُّ مسافر، ولا ينساها كل مصطاف وراحل، ولقد بيَّن علماء الإسلام حرمة السفر إلى بلاد الكفار فَإِنَّ الْمُسْلِم مَقْهُور مُهَان بَيْنهمْ، وَإِنْ اِنْكَفُّوا عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَن بَعْد ذَلِكَ أَنْ يُؤْذُوهُ أَوْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينه. وَحَقّ عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يَكُون مُسْتَظْهِرًا بِأَهْلِ دِينه، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟، قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا». (أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان والألباني). وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ». (أبو داود وصححه الألباني).

لقد جاءت الشريعة بالحفاظ على دين المرء ودرئه عن الفتن والشبهات والشهوات وعدم تطلعه إليها، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستكون فتن كرياح الصيف، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، من استشرف لها استشرفته» (أبو يعلى وصححه ابن حبان).

وقد افتتن بعض النَّاس بالسفر إلى بلاد الكفار معرّضين دينهم وأرواحهم للهفوات والمخاطر ومصائد المحتالين، ولقد هيأ الله لبعض النَّاس السفر إلى هناك لقبض أرواحهم في تلك الديار، فكم من مسافر سافر يحدوه الأمل واتضح أنَّه سائر إلى مكان الأجل عَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً» (رواه الترمذي، وصححه والألباني).
وفي ديار الكفار تهافت على المادة، وانحطاط الأخلاق والسلوك، وبعد عن القيم والمروآت ، كم عاد منها من مسحور ومسلوب، وكم رجع منها من مفتون ومبتلى، وكم ذرفت فيها الدموع أسفاً وندامة، ولقد جعل العلماء لإباحة السفر إلى بلاد الكفار شروطا وضوابط مهمة يجب التزامها والتقيد بها.

أولها: أن يكون عند المسافر إيمان وتقوى يدفع بها كل الشهوات المحرمة التي تعترضه هناك.

ثانيها: أن يكون عند المسافر علم شرعي وبصيرة في دينه يدفع بها كل الشبهات المضللة التي يسمعها هناك أو يثيرها أعداء الإسلام.

ثالثها: الضرورة الشرعية كطلب علم أُمَّتنا بحاجة إليه أو علاج ونحوه.

رابعها: إذنُ الوالدين ورضاهما، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ويحرُم السفر بغير إذنهما، لأنّ الجهاد إذا منِع مع فضيلته فالسّفر المباح أولى".

خامسها: إقامة شعائر الدين والحذر كل الحذر من محبة المشركين وموالاتهم.

فهل الذين يسافرون إلى الخارج تتوفر فيهم هذه الشروط والضوابط حتى يسافروا؟

فيا مَن عزمتم على جَوْب الأمصار والأقطار، وركوب الأجواء والبحار، واقتحام الفيافي والقفار، وتحدي الشدائد والأخطار, تلبّثوا مليًّا، وتريّثوا فيما أنتم مقدمون عليه فبلادنا الحبيبة بلاد الحرمين الشريفين منَّ الله عليها، فجعلها واحةَ إيمان، ودوحةَ أمن وأمان، وهي لا تنقصها الأجواء الباردة ولا المناظر الطبيعية الخلابة ولا وسائل الترفيه الجذابة. فبلادنا يقصدها النَّاس والسياح من شتى بقاع العالم، بل ويفنون أعمارهم لتوفير المال الذي يتمكنون به من السفر إليها، وإذا تمكنوا من ذلك دخلوها ونزلوها بدموع الفرح أن وصلوا إلى رحابها، بينما بعض أبنائها يجمع الأموال من أجل يسافر بها إلى حانات الخمور ومراتع الزانيات والبغايا!! وإلَّا فلماذا الذهاب إلى بلاد الكفار أو البلاد الإباحية وترك هذه البقاع التي بارك الله حولها، وفيها كلُّ ما يطلبه المصطاف والمسافر، ولكنَّه التقليد الأعمى وضعف الإيمان والديانة، إنَّ?ا لا نتَّهم كل مسافر للخارج، ولكن هذا هو الغالب على من يسافرون للخارج دون ضرورة أو حاجة ملحة.

ونحن في هذه البلاد حفظها الله، لنا خصوصية تميزنا عن غيرنا بوجود الحرمين وتحكيم الشريعة، فسلوكياتنا محل نظر وتقدير العالم كلِّه، لذا كما ينبغي أن تتميز فعالنا، فكذلك ينبغي أن تتميز سياحتنا عن سياحة الآخرين، وإذا صرفنا النَّاس عن السفر للخارج، فذلك أمر مرغوب ومحمود، لكن شريطة ألا نقع في المحظور بحجة جذب النَّاس للسياحة الداخلية، فالحكم الشرعي في الأمر المحرم واحد، وإن اختلف الزمان والمكان. فما أجمل أن يكون السفر وقضاء الإجازة في بلاد شرفت بأقدس البقاع ومصايفها الجميلة وبراريها الخضراء، وأعظم من ذلك نعمة الإسلام والأمن والأمان والطهر والعفاف وتدفق الخيرات، لذلك أقول بكل ثقة لا للسفر للخارج وصيفنا في ربوعنا وبلادنا ومع أهلنا أحلى وأحلى. وتبا وسحقا لسفر عاقبته الآثام وسخط الرحمن.

و يجب على كل عاقل أن يتذكر بالسفر أنَّه في هذه الحياة يقطع سفراً طويلا ينتهي به إلى الآخرة طال الزمن أم قصر، فالدنيا ليست دار قرار، وإنَّ محطة الوصول بعد سفر الدنيا هي الجنة أو النَّار، فطوبى لمن تفكر وتدبر ثم نظر في حاله وقدَّر ثمَّ أخذ للأمر أهبته وأعدَّ للسفر عُدَّته وتزود لسفره وخير زاد لهذا السفر هو التقوى التي هي ثمرة الإيمان إذا استقر في القلوب {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:197].

منديل الفقيه

  • 0
  • 0
  • 1,539

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً