شهر شعبان

منذ 2014-05-25

إن الأجور المترتبة على الاشتغال بالطاعات وقت غفلة الناس (كشهر شعبان) كثيرة ومتنوعة، فتعرًّضوا لنفحات الله أيها الأحبة..

الخطبة الأولى:
إخوة الإيمان والعقيدة.. إن المؤمن ليتقلب في هذا الزمان، ويمدُّ الله له في الأجل، وكلَّ يوم يبقاه في هذه الدنيا هو غنيمةُ له ليتزود منه لآخرته، ويحرث فيه ما استطاع ويبذر فيه من الأعمال ما استطاعته نفسه وتحملتهُ.

 

وها قد مضى أيها الأحبة شهر رجب، ودخل شعبان، وفاز من فاز بالتقرب والاستعداد في رجب لرمضان، ودخل شعبان والناس عنه غافلة، ولنا مع هذا الشهر المبارك وقفات ننظر فيها حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال سلف الأمة، الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، مع ذكر بعض فضائله وأحكامه.

 

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شهرٌ يغفلُ الناسُ فيه عنه، بين رجبَ ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفَعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفَعَ عملي وأنا صائمٌ» (صحيح الترغيب)، وهذه لفتة فتنبه لها - يا عبد الله قالوا: "هذا فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوبُ لله عز وجل".

ومن شدة محافظته صلى الله عليه وسلم على الصوم في شعبان أن أزواجه رضي الله عنهن، كن يقلن أنه يصوم شعبان كله؛ فهذه عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصوم حتى نقول: لا يُفطرُ . و يفطرُ حتى نقولَ: لا يصومُ. وما رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ استكمل صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضانَ. وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبانَ" (رواه ومسلم)


وفي رواية قالت: "ما رأيتُ النَّبيَّ في شهرٍ أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ، كان يصومُه إلا قليلًا، بل كان يصومُه كلَّه" (صحيح الترغيب)، وفي رواية لأبى داود قالت: "كان أحب الشهور إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبًان ثم يصله برمضان" (سنن أبي داود)، وهذه أم سلمة رضي الله عنها تقول: "ما رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يصومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، إلا شعبانَ ورمضانَ" (سنن الترمذي).

عباد الله.. إن الأجور المترتبة على الاشتغال بالطاعات وقت غفلة الناس (كشهر شعبان) كثيرة ومتنوعة، فتعرًّضوا لنفحات الله أيها الأحبة، وتلمسوا مرضاته، ثم اعلم يا عبد الله أنًّ إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فيه فوائد:

1- إن فعلك لهذه الطاعة يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لاسيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما في سوقه، ويظن أهل سوقه أنه أكلها في بيته.

2- الفائدة الثانية في إحياء وقت غفلة الناس بالطاعات أنه أشقُّ على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس إن كان على السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الأجرُ على قدرِ النَّصبِ» (مختصر المقاصد)، والسبب في أن الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة وشديدة على النفوس؛ هو أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين لهم، فسهلت الطاعات، وتأمًّل كيف أن كثيراً من الناس يشق عليهم الصيام في غير رمضان؛ فإذا جاء رمضان سهل عليهم الصيام ولم يجدوا مشقة في صيامه، وذلك لأن الناس من حولهم يؤدون هذه العبادة الجليلة، والناس كأسراب القطا يتبع بعضهم بعضاً، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الناس أشبه بأهل زمانهم منهم بآبائهم.

 

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، ليحصل التأهب لتلقي رمضان وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك شهر شعبان، ويغتنم وقت غفلة الناس، وهو من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي غُفِرَ له ما تقدًّم من ذنبه وما تأخر، ولذلك فإن السلف كان يَجدّون في شعبان، ويتهيأون فيه لرمضان قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء، وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران، قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، وقال أيضاً:  مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان!

 

وها قد مضى رجب -يا عبد الله- فما أنت فاعل في شعبان إن كنت تريد رمضان، هذا حال نبيك وحال سلف الأمة في هذا الشهر المبارك، فما هو موقعك من هذه الأعمال والدرجات؟ مضى رجب وما أحسنت فيـه وهذا شهر شعبان المبارك فيا من ضيًّعَ الأوقـات جهلاً بحرمتها أًفِق واحذر بُوارَك فسـوف تفـارق اللذات قهـراً ويُخلي الموتُ قهراً منك دارك، تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم، فخيرُ ذوي الجرائم من تدارك.

 أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
معاشر المسلمين.. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خَلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ فيغفرُ لجميعِ خلقِه إلَّا لمشركٍ أو مُشاحِنٍ» (الترغيب والترهيب)، ولنا مع هذا الحديث الذي يتعلق بالنصف من شعبان عدة وقفات مهمة:

الأولى: أنًّ الله يغفر فيها لكل عباده إلا المشرك، فتفقد نفسك يا عبد الله، وفتش باطنها، فلعلك أن تكون مبتلى بشيء من هذه الشركيات المنتشرة في الأمة، ولا تظنن بنفسك خيرًا بل فاتهمها في جانب الله وفي تقصيرها، ولا تقل أني بريء من الشركيات، ولا يمكن أن أقع فيها، ويكفي أنني أعيش في بلد التوحيد، فإن هذا غرور وجهل منك، إذا كان أبو الأنبياء وإمام الحنفاء خليل الرحمن يخشى على نفسه الشرك، بل يخشى على نفسه وعلى بنيه عبادة الأصنام، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَ‌اهِيمُ رَ‌بِّ اجْعَلْ هَـٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم:35].

قال إبراهيم التيمي: من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلِّصه منه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ علَيكم الشِّركُ الأصغرُ قالوا: وما الشِّركُ الأصغرُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الرِّياءُ» (الترغيب والترهيب)، وقد حذَّر الله نبيهُ بل وكل الأنبياء من الشرك، وأوصي إليهم بأن أعمالهم تحبط إن أشركوا، وهم الصفوة من الخلق فقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَ‌كْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِ‌ينَ} [الزمر:65]

الوقفة الثانية: خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضًا له لهوى في نفسه، لا لغرض شرعي ومندوحة دينية ، فهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ ، ويومَ الخميسِ ، فيُغفَرُ لِكُلِّ عبدٍ لا يشرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رجلًا كانت بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيُقالُ: أنظِروا هذَينِ حتَّى يصطلِحا، أنظِروا هذَينِ حتَّى يصطلِحا، أنظِروا هذَينِ حتَّى يصطلِحا» وقد وصف الله عباده المؤمنين عمومًا {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَ‌بَّنَا اغْفِرْ‌ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَ‌بَّنَا إِنَّكَ رَ‌ءُوفٌ رَّ‌حِيمٌ } [الحشر:10]

قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يصفح ويعفو، فأقِل يا عبد الله حتى تُقال.

الوقفة الثالثة: إحياء بعض الناس لليلة النصف من شعبان، وبعضهم يصليها في جماعة ويحتفلون بأشياء وربما زينوا بيوتهم، وكل هذا من البدع المحدثة التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبه ولا تابعوهم، وهم الحجة لمن أراد سواء السبيل، ومن لم يكن متَّبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في هديه وعبادته فإن عمله مردود عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدثَ في أمْرِنَا هذا ما ليسَ منه فهو رَدٌّ» (صحيح مسلم) أي: مردود على صاحبه.

الوقفة الرابعة: أن لا يصوم الإنسان بعد منتصف شعبان بنية استقبال رمضان وحتى يحتاط لشهر رمضان بزعمه فإن هذا من التنطع والغُلوّ في الدين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا انْتَصَفَ شَعْبانُ فلا صَوْمَ حتى رَمَضَانَ» (المقاصد الحسنة)،  فهذا الحديث وما في معناه للمتنطعين والمتشددين الذين يستقبلون رمضان بالصيام بنية الاحتياط لرمضان، فهذا منهي عنه، اللهم إننا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا

 


إبراهيم بن سلطان العريفان
 

 

المصدر: موقع إمام المسجد
  • 2
  • 0
  • 123,931

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً