الدروس الوافية من معركة اللجان الخاوية

منذ 2014-06-01

لا ريب أن من أعظم نعم الله تعالى توفيقُه لمن يختاره من عباده لنصرة الحقّ، والتواصي به، والصبر عليه: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3]. وقد ضَربَت ثلةٌ قيادية مباركة في مصر الحبيبة أروع الأمثلة في امتثال هذه الآية، أروع الأمثلة في جهاد سياسيِّ مشرّف، ومن أهم محطات هذا النضال؛ تلك الصفعة المدوية العالمية التي دوّخت عصابة العسكر، سنستخلص الدروس، والعبر من هذه المعركة، نستنير بها الطريق، ونقوِّم بها المسير.

لا ريب أن من أعظم نعم الله تعالى توفيقُه لمن يختاره من عباده لنصرة الحقّ، والتواصي به، والصبر عليه، قال تعالى مستثنيًا المتواصين بالحقّ وبالصبر - بعد الإيمان والعمل الصالح- من خسران الإنسان: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3].

وقد ضَربَت ثلةٌ قيادية مباركة في مصر الحبيبة -والإخوان في مقدمتهم- أروع الأمثلة في امتثال هذه الآية، وتبعها على ثباتها، وصبرها، ملايينٌ من هذا الشعب الكريم الأبيّ، فللّه دّرهم، وعليه شكرُهم، وجزاهم الله عن الإسلام، والمسلمين خير الجزاء.

نعم، قد ضربت أروع الأمثلة في جهاد سياسيِّ مشرّف، لا يعرف الكلل ولا يعترف بالملل، ولا يتسرب إليه الوهن، ولا يتطرق إليه الضعف والخور؛ لإنقاذ مصر من براثن العسكر الجاثم بكلّ فساده، وجبروته، وطغيانه، واستنزافه لخيرات مصر، على صدر الأمة بأسرها، لا الشعب المصري فحسب، منذ عقود، ضمن الخطة الصهيوغربية التي استمرت حلقاتها، وتُجدّد، منذ سقوط الخلافة.

ومن أهم محطات هذا النضال؛ تلك الصفعة المدوية العالمية التي دوّخت عصابة العسكر، وأصابت سيسي بالذعر- ذلك المعتوه الفاشل مندوب تلك العصابة الآفنة بالقصر الرئاسي -وأعني العصيان المدني الشامل الذي قاطع الانتخابات فنجح نجاحًا باهراً فاق التوقعات، فصار نقطة مفصليّة في مسيرة ثورة 25 يناير، وفي مسار الربيع العربي، وسيكون لها استحقاقات كبيرة عظيمة النفع إن شاء الله.

ولئن كُنا سنستخلص الدروس، والعبر من هذه المعركة -في نضال الشعب المصري لإسقاط حكم العسكـر- والتي تكلّلت بالنصر في مضمار استكماله لثورة 25 يناير، فهي:

أحدها: أن إرادة الشعوب يستحيل قهرُها من الطغاة، فمهما حاول الطغاة كبتها ستنطلق يوما ثائرة مدويَّة، وستجد لها -كالبركان- سبيلًا بين الجلاميد المتراكمة، وطبقات الأرض الصلبة، فتُطلق نيران الغضب، وترسل شررها المستطير، وحينئذ لا يصمد أمامها شيء، حتى تغطي حممُها كلّ ما حولها من الفساد المتراكم، وتقضي على كل المظالم.

الثاني: يحتاج النضال السياسي ليصل إلى أهدافه إلى أمد زمني قد يطول، وفي هذا الأمد تجري عليه سنة الله بـ (الحرب سجال) بين الحق والباطل، حتى تكتب العاقبة للحقّ والعدل والأمانة بإذن الله.

وقد علم المطّلعون على تعقيدات المشهد السياسي المصري، أن ثورة 25 يناير، لم تطلق إلاّ أول دفعة فقط، ولم تحقق إلاّ مرحلة واحدة فحسب، فلا يزال أمامها المعضلةُ الكبرى، والعقبة الكؤود؛ وهي إخراج العسكر من الحياة السياسية تمامًا، وتلك لعمري حربٌ ستطول، وإن كنتُ أحسب أنها ستكون أقرب من توقعاتنا بإذن الله، وأقصر بكثير مما جرى في تركيا.

الثالث: تبيّنَت حكمةُ الله تعالى بأن يقع الانقلاب -وهو استحقاق قدري محتوم؛ إذ العسكر لا مكن أن يسلِّموا السلطة بسهولة- لكي تطفو على السطح أمام العالم أجمع، حقيقة عسكر كامب ديفيد، واضحة جليّة، لا تخفى منها خافية.

ثم هاهي حقيقتهُ عارية تمامًا، عصابةٌ جاهلةٌ -إلى درجة جهاز علاج الإيدز بالكفتة!- وعاجزة عجزًا مثيرًا للسخرية عن أية حلول لمشكلات الناس، خاويةٌ من كلّ فضيلة، مستعدةٌ لارتكاب كلّ جريمة، لا يردعهم دينٌ، ولا يوقفهم خلُق، ولا تردّهم شيم الكرام.

يقتلون الآلاف بدم بارد، ويغتصبون الأعراض، ويهتكون الحقوق، ويسلبون الحريات، ويعاملون الناس كالعبيد عندهم.

وقد بلغ بهم السُّخف، ووصلت بهم الجهالة، إلى تهديد شعب بأسره -كما روّجت أبواقهم الإعلامية- لأنه قاطع الانتخابات! فأغضب فرعون! إذ كشف سَخطَ الناس عليه، وهوانَه عليهم! تمامًا كما يهدّد قائدٌ عسكريٌّ لكتيبة تمردًا في كتيبته، بالعقاب الجماعي!!

وبالجملة فهي عصابة إذا كذبَتْ على الشعب استحى من كذبها مسليمهْ، وإذا ظلمت تجازوت كلّ الحدود المسَلَّمه! وما هي إلاّ نسخة لكلّ الأنظمة الطاغية، عبر التاريخ، وحتى الواقع الذي نعيشه، ذلك أن أمراض الطغيان واحدة، وأعراضه واحدة، وسماته واحدة، ومصيره واحد؛ السقوط المخزي، والعار الأبدي.

وسبحان الله.. لقد كان نتنُهم خفِيًّا، وكانوا في عافية الستر؛ قبل الانقلاب، لا يعلم إلاّ القليلُ حقيقتَهم، ومدى إجرامِهم، فظهر واستجلى، وتم توثيقه بآلاف المسموعات، والمرئيّات، فأزكم أنف العالم بأسره.

لقد امتلأت بطونهم من الحرام، ونبتت عليه لحومهم من السحت، وتشرَّبت عروقُهم الخيانة، وتغلل إلى مخِّ عظامِهم الفساد عبر عقود، تسلطوا فيها على مُقدَّرات مصر؛ يُسخرونها لشهواتهم، ولإرضاء الأجنبي، ولحماية الكيان الصهيوني.

وقد عُلم من سنن الله تعالى أنه يُسبِق سقوط الطغاة بفضحهم، ويقدِّم بين يدي هويِّ عروشهم هتكَ أستارهم، وإخراج أخبارهم؛ حتى يراها الناس أجمع، كما فعل بفرعون يوم الزينة، إذ حُشر الناس ضحى، ليرى الناس فضيحته جليّة كالضحى.

كما اقتضت حكمتُهُ سبحانه أن يفضح المتلبّسين بالدين زورًا من حزب النور، وأمثالهم، وما هم في حقيقتهم سوى ذراعٍ أمنيٍّ لسلطة العسكر بواجهة دينية!

لقد فضح الله تعالى هذه اللّحى الخبيثة التي يستر بها الظالم عورته! إذ يصنع منها دينًا مزيَّفا؛ يُضلّ به الخلق عن الحقّ والعدل، ويصدّ بها عن سبيل الله.

الرابع: أهم ما يُستخلص من معركة اللجان الخاوية، أن غياب الشباب تمامًا عن الصناديق، يعني أنّ مستقبلًا لمصر سيُشرق بلا عسكر إلاّ على حدوده، إذ الشباب هم مستقبل كلّ أمة، فإذا عجز النظام عن استيعابهم، فإنه هـَرِم، يوشك أن يستوفي أجله، رفعت الأقلام، وجفت الصحف.

وهذه هي أعظم ( بشرة الخير ) - هذا اقتباس مقصود وليس خطأ مطبعيًّا ـالتي حملتها الصناديق الخاوية للشعب المصري.

الخامس: إنّ النضال السياسي الذي يستدعي التغيير الحضاري،  إنما هو جهدٌ جماعيُّ ضخمٌ، وهو يعتمد على أربعـة أضلاع رئيسة يتفرّع منها فروعٌ عدة:

-   صياغة الأهداف، والمراحل بذكاءٍ عال، ولكل مرحلة خطَابها.

تفعيل وسائل الإحتجاج السلميّة العصرية، وغيرها من وسائل التغيير السلمي، بحرفيّة عالية.

- استخدام الإعلام بكفاءة عالية إذا هو أعظم أسلحة النضال السياسي السلمي.

- إتقان المناورة السياسية، وصناعة الأحلاف بقدرة عالية.

ولا ريب أن الجبهة العريضة من الائتلاف المعارض للانقلاب قد أسسوا مدرسة نضال سياسي نموذجية بما قاموا به من جهود ناجحة، على جميع الأضلاع الأربعة، فأثمرت الانتصار في معركة اللجان الخاوية، وهو ما يشهد لهم بالكفاءة، والعطاء العظيم، والتضحيات  المشكورة.

ولنهمس هنا في أذن إخواننا السلفيين المخلصين الصادقين -لا فروع أمن الدولة من أمثال حزب الزور وهو أحد تجليّات الجاميَّة -أنّ هذا الميدان الرحب، والمعترك الصعب، تجهلون منه الكثير، وأنتم بحاجة إلى أن تتعلموا فيه الكثير، وإلى ذلك الحين لا عيب أن تَدَعُوه إلى من هو أعلم به، وأقدر عليه منكم، ولا يُستنكف من القول لكم هنا: ليس بعشّك فأدرجي! فاجعلوا جهودكم الخيّرة في التعليم، والإرشاد الديني، مكمّلة وداعمة، لإخوانكم الذين هم أقدر منكم على خوض المعترك السياسي، فـ «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (البخاري؛ برقم: [4949]، ومسلم؛ برقم: [2647]).

وبالختام فلتتعلمْ الأمة -سِيَمَا الجماعات الإسلامية- من مدرسة النضال السياسي المقاوم للانقلاب في مصر، ولتتخرجْ فيها، ولتستفدْ من تجربتها الثريّة فيما سيأتي إن شاء الله من مراحل الربيع العربي، الذي بلا ريب سيكمل مسيرته، ويستوفي دورته، ويحقق أهدافه بكلّ العالم العربي.

والله أعلم وهو حسبُنا سبحانه ونعم الوكيل، وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حامد بن عبد الله العلي

أستاذ للثقافة الإسلامية في كلية التربية الأساسية في الكويت،وخطيب مسجد ضاحية الصباحية

  • 1
  • 0
  • 1,600

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً