سر «إيمانًا واحتسابًا» في رمضان

منذ 2014-07-10

فإذا كان الصوم بهذه الخصوصية بين العبد وربه، فإن الإخلاص يكون بلا شك من أهم شروطه ولوازمه، فلا بد أن يحتسب المسلم بصيامه رضا الله تعالى والأجر والثواب منه وحده، وألا يلتفت إلى مدح الناس وثنائهم أو أي شيء آخر من قبيل ذلك.

كثيرًا ما يطرق سمع المسلمين أحاديث فضل شهر رمضان، وفضل صيامه وقيامه وفعل الخير فيه، إلا أن أكثر الأحاديث تداولًا بين عامة المسلمين، ويحفظها الصغير قبل الكبير، ثلاثة أحاديث تتحدث عن الصيام والقيام وليلة القدر، والقاسم المشترك بين هذه الأحاديث الثلاثة هو جملة تكررت بنفس الصيغة ألا وهي «إيمانًا واحتسابًا».

أما الأحاديث الثلاثة فكلها في الصحيحين وهي:

1. حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».


2. حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أيضا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».  


3. حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [1].

 

قَالَ النَّوَوِيُّ: "مَعْنَى إيمَانَا: أي تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ مُعْتَقِدًا فَضِيلَتَهُ، وَمَعْنَى احْتِسَابًا: أَنْ يُرِيدَ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ، لَا يَقْصِد رُؤْيَةَ النَّاسِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ" (شرح مسلم [6/39]، و نيل الأوطار [8/45])، وجاء شرح العبارة أيضًا على لسان ابن حجر العسقلاني حيث قال: "وَالْمُرَاد بِالْإِيمَانِ الِاعْتِقَاد بِحَقِّ فَرْضِيَّةِ صَوْمِهِ، وَبِالِاحْتِسَابِ طَلَب الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى". وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: "اِحْتِسَابًا أَيْ عَزِيمَة، وَهُوَ أَنْ يَصُومَهُ عَلَى مَعْنَى الرَّغْبَة فِي ثَوَابِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَثْقِل لِصِيَامِهِ وَلَا مُسْتَطِيل لِأَيَّامِهِ" [2].

 

وعلى الرغم من تضمن شرط الإيمان بالله تعالى واحتساب الأجر والثواب عنده في كل عبادة أو طاعة يؤديها المسلم من صلاة أو زكاة أوحج أو غير ذلك، فقد ورد في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» [3]، إلا أن بروز هذين الشرطين في عبادات شهر رمضان كان أوضح وأشهر.

 

فما السر في هاتين الكلمتين اللتين جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم شرطًا ضروريًا وحتميًا لقبول الطاعات ومغفرة ما تقدم من ذنوب العباد في شهر الصيام؟

أما الشرط الأول؛ فالسر فيه أن الله تعالى لا يقبل من الخلق أي طاعة أو عبادة إلا إن كانت بعد كمال الإيمان به والاعتقاد بألوهيته، وبعد الاعتقاد بفرضية ووجوب ما يأمر به أو ينهى عنه، إذ كيف يمكن أن يثيب الله تعالى إنسانًا على فعل أو عمل وهو بعد لم يؤمن بالله إلهًا، وبالتالي فهو لم يقدم عمله طاعة وعبادة لله.

 

نعم.. قد يفعل غير المؤمن بالله تعالى بعض الأفعال التي توافق أو تشابه طاعة أو عبادة فرضها الله على المؤمنين، إلا أنه لم يفعلها عبودية لله تعالى وخضوعًا لأمره وتنفيذًا لمشيئته، ولم يفعلها اعتقادًا بفرضيتها ووجوبها عليه من الله تعالى، وإنما فعلها بدافع آخر قد يكون ماديًا أو معنويًا.

فقد يصوم بعض الناس من غير المسلمين صيامًا طبيًا نظرًا لفوائده الصحية على الجسد، وقد يتشابه هذا الصيام من قريب أو بعيد بصيام المسلمين في شهر رمضان، إلا أن ذلك لا يعتبر عبادة ولا طاعة لله، وإنما تعتبر طاعة لمصلحة الجسد والنفس البشرية.


قد يقول قائل: إن المخاطبين بالأحاديث النبوية الثلاثة السابقة هم من المؤمنين بالله إلهًا وخالقًا، فما السر في التأكيد على شرط «إيمانا»؟


أقول: لعل الإجابة تكمن في تذكير المسلم بضرورة استحضار عبوديته لله تعالى في كل عبادة أو طاعة يؤديها له، واستحضار وجوب وفرضية هذه العبادة التي يؤديها، حتى لا تنقلب العبادات مع مرور الوقت والزمن إلى عادات، مع ما في هذا التحول من مفاسد على جوهر العبادة وهدفها وغايتها.

 

أما الشرط الثاني: «واحتسابًا»، فالسر فيه يتوافق مع خصوصية شهر الصيام، فإذا كانت معظم العبادات المفروضة قد يدخلها نوع من الرياء، نظرًا لكونها عبادات مرئية للخلق بشكل أو بآخر، فإن الصيام يختص بكونه العبادة التي لا يمكن لأحد أن يطلع عليها إلا الله، ولذلك جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي» [4].

فإذا كان الصوم بهذه الخصوصية بين العبد وربه، فإن الإخلاص يكون بلا شك من أهم شروطه ولوازمه، فلا بد أن يحتسب المسلم بصيامه رضا الله تعالى والأجر والثواب منه وحده، وألا يلتفت إلى مدح الناس وثنائهم أو أي شيء آخر من قبيل ذلك.


ومرة أخرى نعود إلى قضية العادات التي قد تزاحم العبادات وتحل محلها، فقد لا يكون الرياء والسمعة والمفاخرة أعداء الإخلاص فحسب، بل هناك عدو آخر خفي، ألا وهو خلو العبادة من نية الإخلاص لله تعالى، من خلال تكرار العبادة دون استحضار نية صالحة فيها حتى تنقلب إلى عادة، وهو ما يقع فيه كثير من المسلمين في هذه الأيام.

 

فلا بد أن يكون المسلم يقظًا مستحضرًا نية طلب مرضاة الله وتنفيذ أمره والطمع بثوابه بصيامه وقيامه، ولعل ذلك هو سر تذكير وتركيز الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث الصيام على «إيمانا واحتسابا».
 

نسأل الله أن يرزقنا الإيمان والاحتساب في الصيام والقيام حتى نكون ممن تشملهم مغفرة الله تعالى لما تقدم من ذنوبهم، آمين.

 


----------------
[1] (صحيح البخاري برقم [38-37-35]).
[2] (فتح الباري شرح صحيح البخاري [6/138]).
[3] (مسند الإمام أحمد برقم [9176]، وصححه الأرنؤوط بقوله: إسناده صحيح على شرط مسلم و رجاله ثقات).
[4] (صحيح البخاري برقم [7492]).

 

عامر الهوشان

  • 2
  • 0
  • 1,057

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً