غزة تحت النار - (53) غراس المقاومة جنى السياسة

منذ 2014-08-04

لا اعتراض أن يقوم السياسيون بجني غراس المقاومين، وحصاد ما زرعته المقاومة، فهذا هو الشيء الطبيعي والمفترض أن يكون، وهو ما اتبعته كل الثورات السابقة، وعلى نهجه مضت كل الانتفاضات، والتزم به المقاومون جميعًا، فكان الجزائريون يفاوضون الاستعمار الفرنسي في باريس بينما ثورتهم قائمة، ومقاومتهم متقدة، لا تقف ولا تتراجع، وكذا كان حال الفيتناميين الذين كانوا يفاوضون تحت النار، وبيوت الصفيح في أرضهم تحترق، وأرواح الآلاف من شعبهم تُزهَق، ولكن بندقيتهم بقيت مشرعة، ومخازن سلاحهم بقيت عامرة، وأنفاقهم كانت تلهب الأرض لهيبًا تحت أقدام الأمريكيين، فتفاجئهم كبركان، وتُدمِّر وحداتهم كزلزال، وغالبًا كان النصر حليف المقاومين، والغلبة للمفاوضين الوطنيين في ظل النار.

لا اعتراض أن يقوم السياسيون بجني غراس المقاومين، وحصاد ما زرعته المقاومة، فهذا هو الشيء الطبيعي والمفترض أن يكون، وهو ما اتبعته كل الثورات السابقة، وعلى نهجه مضت كل الانتفاضات، والتزم به المقاومون جميعًا، فكان الجزائريون يفاوضون الاستعمار الفرنسي في باريس بينما ثورتهم قائمة، ومقاومتهم متقدة، لا تقف ولا تتراجع، وكذا كان حال الفيتناميين الذين كانوا يفاوضون تحت النار، وبيوت الصفيح في أرضهم تحترق، وأرواح الآلاف من شعبهم تُزهَق، ولكن بندقيتهم بقيت مشرعة، ومخازن سلاحهم بقيت عامرة، وأنفاقهم كانت تلهب الأرض لهيبًا تحت أقدام الأمريكيين، فتفاجئهم كبركان، وتُدمِّر وحداتهم كزلزال، وغالبًا كان النصر حليف المقاومين، والغلبة للمفاوضين الوطنيين في ظل النار.

لا قيمة للمقاومة إن لم يكن لها نتائج سياسية، ولا نفع منها إن لم تتبعها تغييراتٌ حقيقية، تحقق المطالب، وتحصل على ما انطلقت من أجله، كله أو بعضه، وإلا استحالت ضربًا أعمى، وعنفًا أهوجًا، وممارسة للقوة على غير هدى، ومجالًا رحبًا للعدو أن يمارس فيه هواية القتل والتدمير، والقصف والتخريب، ويكون الشعب هو الخاسر الأكبر فيها، بفقده لأرواح أبنائه، وتدمير مقومات وطنه، فلا يوجد شعبٌ يحب القتال لأجل القتال، وإنما يضطر إليه عندما تنعدم أمامه كل السبل الأخرى، وتضيق الخيارات التي بين يديه، ويتعنت العدو ويتصلب، ويرفض ويتمنع، فلا يكون أمام الشعب غالبًا إلا خيار المقاومة المسلحة، التي تتكفل دومًا بإرادة الشعب وصموده، بتحقيق الكثير مما تصبو إليه الشعوب المحتلة.

لا اعتراض البتة على الفريق الفلسطيني المفاوض في القاهرة باسم المقاومة، فهو قد خرج باسمها، ليكون معبرًا عنها، وناطقًا باسمها، ليشرح موقفها، ويعرض شروطها، ويبين حاجتها، وليؤكد على استمراريتها إذا أصر العدو على عدوانه، ومضى أكثر في سياساته، وأغمض عيونه عن شروط الشعب وحاجاته، وطالب أن يعود إلى سابق عهده، فيحاصر دومًا، ويعتدي إذا شاء، وليحمل المجتمع الدولي كامل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن الجرائم والمجازر الوحشية التي يرتكبها جيش الاحتلال بسلاحه ضد الإنسانية.

ليتذكَّر المفاوضون الفلسطينيون في القاهرة أن شعبهم ما زال تحت النار، وأن الطائرات الإسرائيلية تقصفهم على مدى الليل والنهار، وأن آلة القتل البشعة تمارس نشاطها، وتُوزِّع حِممها، وتقتل مع كل قذيفةٍ العشرات من أبنائنا، وتبيد عائلاتٍ فلسطينية بأكملها، صغارًا وكبارًا، ورجالًا ونساءً، وأن طفلًا فلسطينيًا على الأقل يقتل كل ساعة، وأن نصف الشهداء أطفالٌ ونساء، وأن كل الشهداء مدنيون ومواطنون مسالمون.

ليتذكَّر المفاوضون أن أرضهم تشتعل، وبيوتهم تُدمَّر، وحياة أهلهم باتت صعبة إن لم تكن مستحيلة، ولكن راية مقاومتهم ما زالت عاليةً خفَّاقة، تثخن في صفوف العدو، وتلتف خلف خطوط النار، وتخرج له كل وقتٍ وحينٍ من جوف الأرض جبارة، تقتل وتجرح، وتُدمِّر وتنسف، وتأسِر أحيانًا، وتقصف عمق الكيان وشماله، وتُرعِب وسطه وجنوبه، ما يجعل المقاومة بخير، وإرادة الصمود في صعودٍ وسعود.

على المفاوضين الفلسطينيين أن يعكسوا في حواراتهم روح العِزَّة والكرامة التي صنعتها المقاومة، وأن يرفعوا الرأس عاليًا في مواجهة مفاوضيهم، وألا يظهروا أمامهم ضعفًا ولا عجزًا، ولا ذُلًا ولا خنوعًا، فهم لا يُمثِّلون أنفسهم، ولا ينطقون بلسان حالهم، إنما يُعبِّرون عن مقاومةٍ صعدت ألسنة نيرانها إلى عنان السماء، وعانقت صواريخها سماء الوطن، ووحدت بإرادتها كل فلسطين، وجمعت حولها كل الأمة، فلا ينبغي أن يُظهروا عجزًا، أو أن يبدوا ضعفًا، أو أن يُخفِتوا صوتًا، أو أن يجبنوا خوفًا من عدوٍ، أو تجنبًا لغضب صديق، أو عقاب حليف.

فأنتم أيها المفاوضون لستم أصحاب الغرس، ولا مُلَّاك الزرع، فلا حق لكم في التفريط فيه أو التنازل عنه، إنما مهمتكم فقط أن تجنوا الثمار، وتحصدوا السنابل، وتجمعوا الغلال، دون أن تتركوا وراءكم شيئًا، أو تتخلوا عن بعضه أو جزءٍ منه لعدوكم، ولا حتى لصديقكم، فأنتم لستم أصحاب حقٍ في التصرُّف، فكونوا على قدر الأمانة، وأبدوا لشعبكم كما مقاومتكم بسالةً وشجاعة، وقوةً وصلابة، وإرادةً وصمودًا، واعلموا أن شعبكم سيكون سعيدًا بثباتكم، راضيًا عن صمودكم، ومؤيدًا لعنادكم، وإن كانت طائرات العدو الحربية تُغير عليه، ودبابته تقصف بيوته، وتقتل رجاله وأبناءه، وتحاول الضغط عليكم من خلاله، إلا أنه لا يريد أن يفقد بالسياسة ما قد حققه بقوة المقاومة.

أيها المفاوضون في القاهرة أروا الله وشعبكم اليوم قوة مقاومتكم، وعدالة قضيتكم، وإنسانية مطالبكم، وشرعية شروطكم، وصدقية مواقفكم، وتسلَّحوا بعد الله عز وجل بإرادة شعبكم وصمود مقاومتكم، وكونوا لشعبكم خير رُسل، ولمقاومتكم أفضل رُوَّاد، واعلموا أن الرائد لا يكذب أهله، وأن الرسول لا يخدع شعبه، وإياكم والغرور والتكبُّر، والتفاخر والتعالي، بل كونوا لبعضكم متواضعين، وفي مواجهة عدوكم كبارًا أعزة، فما أنتم إلا أسماءً سمتها المقاومة، وأرادها الشعب.

واعلموا وأنتم تلبسون الحلل الفاخرة، وتضعون ربطات العنق الأنيقة، وتتنقلون في السيارات الفارهة، وتسكنون الفنادق العامرة، وتأكلون ما لذّ وطاب من الطعام، وتنامون آمنين ملء جفونكم، وتضحكون ملء أشداقكم، أن المقاومة لن تغفِر لكم أي تقصير، ولن تقبل منكم أي تنازل، فما أعطاه الشعب كبير، وما تتمناه الأمة أكبر، وما زرعته المقاومة في عمق الأرض عظيم، وإن ثماره ليانعةٌ، فاعملوا ليومٍ يحسن فيه الشعب استقبالكم، ويخرج برجاله ونسائه للترحيب بكم، وتوجيه التحية إليكم.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

مصطفى يوسف اللداوي

كاتب و باحث فلسطيني

  • 0
  • 0
  • 1,441
المقال السابق
(52) رسالة إلى المفاوضين في القاهرة
المقال التالي
(54) المقاومة صدقٌ وإرادة قبل العدة والسلاح

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً