الأحكام السلطانية للماوردي - (84) الرسوم والحقوق (5)

منذ 2014-10-29

أعشار الأموال المنتقلة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فمحرمة لا يبيحها شرع، ولا يسوغها اجتهاد، ولا هي من سياسات العدل، ولا من قضايا النصفة، وقلَّ ما تكون إلَّا في البلاد الجائزة، وقد روي عن النبي عليه الصلام والسلام أنه قال: «شر الناس العشارون الحشارون».

الباب الثامن عشر: في وضع الديوان وذكر أحكامه

الرسوم والحقوق (5)

فصل:

وأما القسم الثاني بالأعمال من رسوم وحقوق فيشتمل على ستة فصول:

أحدهما: تحديد العمل بما يتميز به من غيره، وتفصيل نواحيه التي تختلف أحكامها، فيجعل لكل بلد حدًّا لا يشاركه فيه غيره، ويفصل نواحي كل بلد إذا اختلفت أحكام نواحيه، وإن اختلفت أحكام الضياع في كل ناحية فصلت ضياعة كتفصيل نواحيه، وإن لم تختلف اقتصر على تفصيل النواحي دون الضياع.

والفصل الثاني: أن يذكر حال البلد هل فتح عنوة أو صلحًا، وما استقرَّ عليه حكم أرضه من عشر أو خراج، وهل اختلفت أحكامه ونواحيه أو تساوت؟ فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: إمَّا أن يكون جميعه أرض عشر، أو جميعه أرض خراج، أو يكون بعضه عشرًا وبعضه خراجًا، فإن كان جميعه أرض عشر لم يلزم إثبات مسائحه؛ لأنَّ العشر على الزرع دون المساحة، ويكون ما استؤنِفَ زرعه مرفوعًا إلى ديوان العشر لا مستخرجًا منه، ويلزم تسمية أربابه عند رفعه إلى الديوان؛ لأنَّ وجوب العشر فيه معتبر بأربابه دون رقاب الأرضين.

وإذا رفع الزرع بأسماء أربابه ذكر مبلغ كيله، وحال سفيه بسيح أو عمل لاختلاف حكمه ليستوفي على موجبه، وإن كان جميعه أرض خراج لزم إثبات مسائحه؛ لأن الخراج على المساحة، فإن كان هذا الخراج في حكم الأجرة لم يلزم تسمية أرباب الأرضين؛ لأنه لا يختلف بإسلام ولا كفر، وإن كان الخراج في حكم الجزية لزم تسمية أربابه ووصفهم بالإسلام والكفر؛ لاختلاف حكمه باختلاف أهله، وإن كان بعضه عشرًا وبعضه خراجًا فصّل في ديوان العشر ما كان منه عشرًا، وفي ديوان الخراج ما كان منه خراجًا؛ لاختلاف الحكم فيها، وأجري على كل واحد منهما ما يختص بحكمه.

والفصل الثالث: أحكام خراجه، وما استقرَّ على مسائحه، هل هو مقاسمة على زرعه أو هو رزق مقدَّر على خراجه؛ فإن كان مقاسمة لزم إذا أخرجت مسائح الأرضين من ديوان الخراج أن يذكر معها مبلغ المقاسمة من ربع أو ثلث أو نصف، ويرفع إلى الديوان مقادير

الكيول؛ لتُسْتوفَى المقاسمة على موجبها، وإن كان الخراج ورقًا لم يخل من أن يكون متساويًا مع اختلاف الزروع أو مختلفًا، فإن كان متساويًا مع اختلاف الزروع أخرجت المسائح من ديوان الخراج ليستوفي خراجها، ولا يلزم أن يرفع إليه إلَّا ما قبض منها، وإن كان الخراج مختلفًا باختلاف الزروع لزم إخراج المسائح من ديوان الخراج، وأن يرفع إليه أجناس الزروع؛ ليستوفي خراج المساحة على ما يوجبه حكم الزرع.

والفصل الرابع: ذكر من في كل بلد من أهل الذمة وما استقرَّ عليهم في عقد الجزية، فإن كانت مختلفة باليسار والإعسار سموا في الديوان، مع ذكر عددهم ليختبر حال يسارهم وإعسارهم، وإن لم تختلف في اليسار والإعسار جاز الاقتصار على ذكر عددهم، ووجب مراعاتهم في كل عام؛ ليثبت من بلغ، ويسقط من مات أو أسلم؛ لينحصر بذلك ما يستحق من جزيتهم.

والفصل الخامس: إن كان من بلدان المعادن أن يذكر أجناس معادنه، وعدد كل جنس منها ليستوفي حقَّ المعدن منها، وهذا مما لا ينضبط بمساحة، ولا ينحصر بتقدير لاختلافه، وإنما ينضبط بحسب المأخوذ منه إذا أعطى وأنال، ولا يلزم في أحكام المعادن أن يوصف في الديوان أحكام فتوحها، هل هى من أرض عشر أو خراج؛ لأن الديوان فيها موضوع لاستيفاء الحق من نيلها، وحقها لا يختلف باختلاف فتوحها وأحكام أرضها، وإنما يختلف ذلمك في حقوق العاملين فيها والآخذين.

وقد تقدم القول في اختلاف الفقهاء في أجناس ما يؤخذ حق المعادن منه، وفي قدر المأخوذ منه، فإن لم يكن قد سبق الأئمة فيها حكم اجتهد والي الوقت برأيه في الجنس الذي يجب فيه، وفي القدر المأخوذ منه، وعمل عليه في الأمرين معًا إذا كان من أهل الاجتهاد، وإن كان من سبق من الأئمة والولاة قد اجتهد برأيه في الجنس الذي يجب فيه وفي القدر المأخوذ منه، وحكم به فيها حكمًا أيده وأمضاه، فاستقرّ حكمه في الأجناس التي يجب فيها حق المعدن، ولم يستقرّ حكمه في القدر المأخوذ من المعدن؛ لأن حكمه في الجنس معتبر بالمعدن الموجود، وحكمه في القدر يعتبر بالمعدن المفقود.

والفصل السادس: إن كان البلد ثغرًا يتاخم دار الحرب، وكانت أموالهم دخلت دار الإسلام معشورة عن صلح استقرَّ معهم، وأثبت في ديوان عقد صلحهم، وقدر المأخوذ منهم من عشر أو خمس، وزيادة عليه أو نقصان منه، فإن كان يختلف باختلاف الأمتعة والأموال فصلت فيه، وكان الديوان موضوعًا لإخراج رسومه ولاستيفاء ما يرفع إليه من مقادير الأمتعة المحمولة إليه.

وأما أعشار الأموال المنتقلة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فمحرمة لا يبيحها شرع، ولا يسوغها اجتهاد، ولا هي من سياسات العدل، ولا من قضايا النصفة، وقلَّ ما تكون إلَّا في البلاد الجائزة، وقد روي عن النبي عليه الصلام والسلام أنه قال: «شر الناس العشارون الحشارون»[1].

وإذا غيرت الولاة أحكام البلاد ومقادير الحقوق فيها اعتبر ما فعلوه، فإن كان مسوغًا في الاجتهاد لأمر اقتضاه لا يمنع الشرع منه؛ لحدوث سبب يسوغ الشرع الزيادة لأجله، أو النقصان لحدوثه جاز، وصار الثاني هو الحق المستوفى دون الأول. وإذا استُخْرِج حال العمل من الديوان جاز أن يقتصر على إخراج الحال الثانية دون الأولى، والأحوط أن يخرج الحالين؛ لجواز أن يزول السبب الحادث فيعود الحكم الأول؛ وإن كان ما أخذ به الولاة من تغيير الحقوق غير مسوغ في الشرع، ولا له وجه في الاجتهاد، كانت الحقوق على الحكم الأول، وكان الثاني مردودًا، سواء غيّروه إلى زيادة أو نقصان؛ لأنَّ الزيادة ظلم في حقوق الرعية، والنقصان ظلم في حقوق بيت المال، وإذا استخرج حال العمل من الديوان وجب على رافعه من كتاب الدواوين إخراج الحالين إن كان المستدعي لإخراجها من الولاة لا يعلم حالها فيما تقدم، وإن كان عالمًا بها لم يلزمه إخراج الحال الأول إليه؛ لأنه علمه بها قد سبق، وجاز الاقتصار على إخراج الحال الثانية مع وصفها بأنها مستحدثة.

__________

(1) لم أقف عليه بهذا اللفظ.

 

الكتاب: الأحكام السلطانية

المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)

الناشر: دار الحديث  القاهرة

عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المصدر: المكتبة الشاملة
  • 0
  • 0
  • 473
المقال السابق
(83) تقدير العطاء (4)
المقال التالي
(85) تقليد وعزل العمال (6)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً