حديث: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ)

منذ 2015-01-18

ومن رزق حظًّا من الدنيا، وشكر الله سبحانه وتعالى عليه، وأدى حق الله فيه، وأنفق منه في وجوه الخير والبّر والصِّلة ونصرة هذا الدين، والبعد به عن كلِّ ما يسخط الله سبحانه وتعالى والصبر على ذلك، كان هذا خيرا في التقرب إلى الله سبحانه و أكثر حظا في النفع المتعدي.

 

عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن أمّ سُلَيم أَنَّها قَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَه،ُ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ» (1).

من هي السائلة؟

هي أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد البخاريّة، الأنصارية الخزرجية، مشهورة بكنيتها، مختلف في اسمها فقيل: مُليكة أو سَهْلَة، أو رُمَيْلَة، أو رُمَيْثَة، أو الرُّميصاء والغُميصَاء.

أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، تزوجها في الجاهلية مالك بن النضر، فولدت له أنسًا، وعرضت على زوجها الإسلام فغضب عليها وخرج إلى الشام ومات هناك، ثم خطبها أبو طلحة الأنصاري، واشترطت إسلامه صداقًا لها، فأسلم وتزوجها، وأنجبت له غلامًا أعجب به ومات صغيرًا فصبرت على هذا البلاء، وقصتها مشهورة مخرجة في الصحيحين (2)، ثم أخلف الله عليها بغلامٍ آخر بورك فيه، وهو عبد الله بن أبي طلحة، وقد رزق بعشرة أولاد كلهم يحفظ القرآن ويحمل العلم عنه.

أخدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنها أنسًا وكان عمره عشر سنين، منذ قدم رسول الله  المدينة حتى مات، وكانت تغزو مع رسول صلى الله عليه وسلم، فشهدت يوم أحد، وكانت تسقي العطشى، ثم شهدت يوم حُنَين وأبلت فيه بلاءً حسنا، وكانت ذات عقلٍ وفضلٍ، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، روى عنها ابنها أنس، وابن عباس وزيد بن ثابت وآخرون (3).

 

غريب الحديث:

بَارِك: البركة هي النماء والزِّيادة والكثرة في كل خير، والتبريك الدعاء بالبركة، يقال: بارك الله لك وفيك وعليك، وباركك، وبارك فعلٌ يتعدى، وتبارك فعل لا يتعدى (4).

 

من فوائد الحديث:

1- ترادف الإحسان والشفقة والحنان الذي غَمَرت به أم سليم ابنها أنسًا رضي الله عنهما فلم تتزوج حتى شبَّ وأمرها بذلك (5)، وبعد بلوغه العاشرة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم لينال هذا الغلام شرف الملازمة له والخدمة في بيت النبوة، وطلبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء له.

2- التلطّف عند السؤال، وإظهار الافتقار ووصف الحال؛ ليكون أبلغ من جهة العلم والبيان، فأحسنت أم سليم بقولها: "يا رسول الله بأبي أنت وأمِّي"، وقولها: "إن لي خُويصة، هذا أُنيس خادمك"، وفي رواية: "خويدمك ادع الله له"، وهذا التمهيد الحكيم يشرح صدر المسؤول للسماع وتحقيق المراد.

3- رفق الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المرأة (أم سليم رضي الله عنها)، وسماع سؤالها والمبادرة إلى إجابة طلبها، والمبالغة في الدعاء لصغيرها تحقيقًا لرغبتها وإرضاءً لها، كما قال أنس: "فدعا لي بكلِّ خير"، وفي رواية: "فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به".

4- مشروعية دعاء المسلم لأخيه بخير الدنيا والآخرة، والدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخروي، لأن المال الصالح والولد الصالح مما يستعان به على الآخرة (6).

5- من الأدب الحسن عند الدعاء بشيء له تعلق بالدنيا أن ينضم إلى دعائه طلب البركة فيه والصيانة من خطره، ومتى بورك في المال والولد لم يكن فيه فتنة، ولم يحصل بسببه ضرر، ولا تقصير في حق أحد ولا غير ذلك من الآفات، وقد كان أنس وولده رحمة، وخيرًا ونفعًا بلا ضرر، كلهم حفظ القرآن وروى العلم (7).

6- هذا الحديث من معالم نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم لما فيه من معجزة إجابة الدعوة وحصول أمر نادر هو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد وكون بستانه يثمر في السنة مرتين دون غيره. قال أنس: "فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادّون عليَّ نحو المائة اليوم". وقال: "دعا لي رسول الله ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة". وتحدث أنس رضي الله عنه بهذه المواهب التي منَّ الله بها عليه استجابةً لدعوة نبيه عليه الصلاة والسلام من باب التحدث بنعم الله وشكره عليها (8).

7- الفقر والغنى محنتان من الله عز وجل يختبر بهما عباده في الشكر والصبر كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (9).

فتنة الغنى: الحرص على جمع المال وحبِّه وكسبه من غير حِلِّه ومنع بذله في الواجبات وغيرها.

وفتنة الفقر: حصول الفقر المدقع الذي لا يصحبه خير ولا ورع ولا صبر حتى يتورّط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام أتى.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من ذلك، ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الدعوات.. «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار».. إلى أن قال: «ومن شر فتنة الغنى ومن شر فتنة الفقر»..."(10).

والفضل كله في الكفاف، وهي الحال السليمة المتوسطة من الغنى المطغي، والفقر المؤلم، والسلامة من قهر الحاجة وذلّ المسألة.

وقد امتنّ الله سبحانه وتعالى على محمد صلى الله عليه وسلم بما رزقه من خير الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى. وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} (11).

ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد ممنوعة بالمشهور من أحوالهم بعد الفتوحات، فمنهم من أبقى ما بيده مع التقرب إلى الله سبحانه بالبرِّ والصِّلة، ومنهم من استمرَّ على ما كان عليه قبل ذلك، فكان لا يُبقي شيئًا وهم قليل بالنسبة للطائفة الأخرى، ومن تبحَّر في سير السلف علم صحّة ذلك وأخبارهم في ذلك لا تحصى.

والخلاف في تفضيل الفقر على الغنى وعكسه، مسألة طال فيها النزاع، فمن العلماء من فضّل الفقر، ومما استدلوا به؛ ما جاء على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اطّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» (12)، وقوله: «الفقر أزين على المؤمن من العذار الحسن على خدِّ الفرس» (13) ونحو ذلك.

كما استدلوا بحاله في التقلل من الدنيا والإعراض عن زينتها.

ومن العلماء من فضّل الغنى، ومما استدلوا به قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا اضطجع على شقه الأيمن: «اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم..... اقض عنّا الدين وأغننا من الفقر...» (14) وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين رجلٍ آتاه الله مالاً فسلّطه على هلكَته في الحق، ورجلٍ آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلِّمها» (15).

وقالوا: لا نعلم أحدًا من الأنبياء ولا من صحابتهم ولا العبّاد والمجتهدين كان يقول: "اللهم افقرني" ولا استعبدهم الله بذلك، بل استعبدهم أن يقولوا: اللهم ارزقني، اللهم عافني..

وكان مطرّف رحمه الله يقول: "لأن أعافى فأشكر أحبَّ إليَّ من أن أبتلى فأصبر".

فالحاصل أن الابتلاء بالفقر والغنى مثل السقم والعافية، ومن صبر على مصيبته في الدنيا ورضي بما قسم الله له مع بذل الأسباب، أعظم الله له الثواب في الآخرة.

ومن رزق حظًّا من الدنيا، وشكر الله سبحانه وتعالى عليه، وأدى حق الله فيه، وأنفق منه في وجوه الخير والبّر والصِّلة ونصرة هذا الدين، والبعد به عن كلِّ ما يسخط الله سبحانه وتعالى والصبر على ذلك، كان هذا خيرا في التقرب إلى الله سبحانه و أكثر حظا في النفع المتعدي.

كما فعل أنس رضي الله عنه بكثرة البذل و الإنفاق من ماله حتى قال رضي الله عنه: يا ثابت (يعني البناني) ما أملك صفراء ولا بيضاء إلا خاتمي (16).

 

-------------------

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري -واللفظ له- (ص536 ح 6378)، و (ص533 ح6334) و(ص534 ح6344) بلفظه، إلاّ أنه قال: عن أمي ولم يقل عن أم سليم، و رواه أيضاً (ص155 ح1982) بسنده عن أنس – رضي الله عنه-: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أمِّ سليم فأتته بتمرٍ وسَمنٍ قال: «أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه فإني صائم»، ثم قام إلى ناحية من البيت فصلَّى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله إنّ لي خُوَيصةً، قال: « ما هي؟» قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا لي به قال: «اللهم ارزُقهُ مالاً وولدًا وبارك له»، فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدثتني ابنتي أُمَيْنَة أنه دفن لِصُلبي مَقدمَ الحجّاج البصرةَ بضعٌ وعشرون ومائة. وأخرجه مسلم (ص1113 ح2480_2481)، و (ص780 ح660).

(2)  أخرجها البخاري ( ص101 ح1301) و (ص471 ص5470) و مسلم (ص1060 ح2144). كلاهما رواه بسنده عن أنس قال: كان ابنٌ لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي فلما رجع أبو طلحة قال: "ما فعل ابني؟ قالت أم سليم: هو أسكن مما كان، فقرّبت إليه العشاء فتعشّى، ثم أصاب منها..." الحديث مختصرًا.

(3) ينظر: الاستيعاب (4/1940)، صفوة الصفوة (2/66)، أسد الغابة (6/345)، الإصابة (8/228).

(4) ينظر: معجم مقاييس اللغة (ص109)، لسان العرب (10/396 )، مختار الصحاح (ص20)، مشارق الأنوار (1/113).

(5) سير أعلام النبلاء (2/305).

(6) شرح ابن بطال (10/174)، فتح الباري (4/288).

(7) المنهاج (16/258)، وعمدة القاري (22/297).

(8) ينظر: فتح الباري (4/288).

(9) سورة الأنبياء، الآية: 35.

(10) رواه البخاري (ص535 ح6368) بنحوه، ورواه مسلم – واللفظ له - (ص1148 ح589).

(11) سورة الضحى، الآيات: 6- 8.

(12) رواه البخاري (ص542 ح6449)، و مسلم  (ص1152 ح2737).

(13) رواه الطبراني في الكبير (7/294 ح7181)، قال ابن تيمية – رحمه الله -: كذب وسنده ضعيف. ا. هـ. والمعروف أنه من كلام عبد الرحمن بن زياد كما رواه ابن عدي في كامله (1/344). كشف الخفاء (2/113).

(14) رواه مسلم (ص1149 ح2713).

(15) متفق عليه، رواه البخاري (ص110 ح1409)، ومسلم (ص805 ح816).

(16) رواه أحمد في المسند (3/248). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عن تفضيل الغنيّ الشاكر على الفقير الصابر، فقال: أفضلهما أتقاهما لله تعالى فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة ([16]).

ينظر في هذه المسألة:

شرح ابن بطال (10/167)، تأويل مختلف الحديث (ص155- 158)، إحياء علوم الدين (4/201)، فتح الباري (11/329)، فيض القدير (5/479)، شرح الزرقاني (2/46)، الديباج (3/137)، أدب الدنيا والدين (ص189).

  • 1
  • 0
  • 94,860

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً