لهذا وقفنا ضد مشروع جماعة الحوثي المسلحة

منذ 2015-01-22

بالأمس غير البعيد، أعني أثناء الحروب الستة (16يونيو/ حزيران 2004-10 فبراير/شباط ‏‏2010 م) بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثي وقف كثيرون سواء في أحزاب اللقاء ‏المشترك أم خارجها أم على مستويات فردية -كما هو شأن كاتب هذه السطور- ضد منهج ‏الحرب في حل المشكلات الداخلية، التي يمكن أن تطرح على طاولة الحوار، وأن يسمع لها ‏حتى لو كانت بعض المطالب فيها تبدو تعجيزية. ‏

بالأمس غير البعيد، أعني أثناء الحروب الستة (16يونيو/ حزيران 2004-10 فبراير/شباط ‏‏2010 م) بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثي وقف كثيرون سواء في أحزاب اللقاء ‏المشترك أم خارجها أم على مستويات فردية -كما هو شأن كاتب هذه السطور- ضد منهج ‏الحرب في حل المشكلات الداخلية، التي يمكن أن تطرح على طاولة الحوار، وأن يسمع لها ‏حتى لو كانت بعض المطالب فيها تبدو تعجيزية. ‏

وكان كثيرون يرون أن ما يجري من استخدام جماعة "متمرّدة" للسلاح وإشهاره في وجه ‏السلطة، وضد خصومها السياسيين، بعد نهاية كل جولة من جولات القتال، لا يبرّر للأخيرة أن ‏تدمر قرى بأكملها، وتهلك كل شيء في سبيل القضاء على خصمها، ومن ثم كان ذلك المسلك ‏مداناً ربما أكثر من إدانة الخروج المسلّح من جماعة يفترض أنها بمجرد أن ترفع السلاح تغدو ‏جماعة مسلّحة متمردة، يجوز للسلطة القضاء عليها ولو بالقوة المسلحّة، تماماً كما يردّد نظام ‏التوحش السوري في دمشق وحزب الله اللبناني والحوثيون تبعاً لهما ولأمهم جميعاً "(طهران" ‏اليوم مثل هذه المقولة عن ثورة الشعب السوري، مع ما يعلمه الجميع من أنه ظل ستة أشهر ‏يرفع راية السلمية، فيواجه بالآلة العسكرية البربرية من قبل قوات الأسد وشبيحته. ‏

غير أن ما سلكه الحوثيون منذ ما بعد مجزرة الكرامة في 18/3/2011م، من استيلاء كامل ‏على صعدة، خارج القانون، وتنصيب محافظ "غير شرعي" لها، باسم الشرعية الثورية، ‏واستمرار ذلك إلى اليوم، رغم كل التطورات اللاحقة، وإيغال الجماعة في القضاء على كل ‏صوت مخالف لها، من الجماعات السياسية كالإصلاح، وعناصر كثيرة في المؤتمر الشعبي ‏العام الرافضة لمشروعها، ناهيك عن خصومها التقليديين كالسلفيين في دمّاج؛ أكّد بأن منهج ‏العنف عنصر أساس في تكوين الجماعة، إذ هي انشقت عن جماعة الشباب المؤمن، ذات ‏الطابع الثقافي والفكري، وقد عجزت كل التوسلات في مؤتمر الحوار وغيره عن إقناعها ‏بالتعجيل بتسليم سلاحها السيادي، وتمكين الدولة من بسط سيادتها على المحافظة، إذا كانت ‏تسعى حقاً للانخراط في العمل السياسي، ولا تؤمن بمنهج العنف. ‏

لقد كان كاتب هذه السطور واحداً من المراهنين على عدم جدّية الحركة الحوثية "المسلّحة" ‏على المشاركة في مؤتمر الحوار، وأن رضوخها لذلك إنما جاء تحت ضغط التهديد الدولي ‏الذي أوصله إليهم ابن عمر صريحاً بأنهم سيصنفون دولياً جماعة عسكرية متمرّدة، حال ‏الإصرار على رفضهم المشاركة، هذا إلى جانب حرجهم من بعض القيادات السياسية ‏‏"الحزبية" في البلاد، مما دفعهم على غير قناعة منهم- إلى المشاركة، ولكني كنت أتوقع ‏أنهم بين اللحظة والأخرى قد يفتعلون مشكلة أو يوظفون حدثاً ما في أيّ من مراحل انعقاد ‏المؤتمر، لإعلان تعليقهم المشاركة بادي الأمر، ثم الانسحاب النهائي منه، تحت ذريعة أنهم ‏دخلوه بنية طيبة خالصة، غير أنهم فوجئوا بتحديات كثيرة، ومطالب تعجيزية لاطاقة لهم اليوم ‏بتحملها، فلم يجدوا بداً غير ذلك الموقف "الانسحاب" ولكنهم ظلوا ضمن قوام المؤتمر عملياً ‏حتى هذه اللحظة، رغم محاولاتهم المتكرّرة فعل قدر من ذلك، دون الوصول إلى النتيجة ‏النهائية المرجوّة. ‏

ومع قرب الإعلان عن اختتام المؤتمر رأوا أن كل المؤشرات تنبئ أنه ماض إلى إعلان ‏نتائجه، بما فيها الاتفاق على تسليم سلاح الجماعة السيادي، وبسط الدولة نفوذها على محافظة ‏صعدة، وأنهم قد تورّطوا إذ قبلوا المشاركة ابتداء، مع ما حققوه بالمقابل من نتائج، بعضها إلى ‏الابتزاز أقرب. ولذلك ولما لم تُجدِ كل تلك المشكلات التي افتعلتها الجماعة، أو سعت لتوظيف ‏بعض الأحداث الأخرى في البلاد لتبرير انسحابها من المؤتمر؛ اتخذت القرار الأكثر كشفاً ‏لوجهها الدموي العنيف، وذلكم كان قرار فتح المعركة الخاسرة الأكبر في دمّاج، بهدف القضاء ‏المبرم على معقل دار الحديث، بما يمثل من رمزية على رأي آخر مخالف للسائد الخاضع ‏للقبضة الحديدية في المحافظة، وقتل شيوخها وطلبتها وتشريدهم، أو اعتقالهم وانتهاك ‏كراماتهم، بطريقة الجماعة التي غدت من الخبرة في هذه الجوانب، بما لا مزيد عليه. ‏

ومن المحتمل أن تتطور الأمور تبعاً لذلك، وفي ظل إصرار الجماعة على رفض إيقاف ‏عدوانها غير المسبوق على دمّاج إلى دفع القيادة السياسية لاتخاذ قرار لمواجهة الجماعة، ‏وإخضاعها للدولة.

وهنا ستجد ضالتها، فتعلن انسحابها من المؤتمر، بحجة أن حرباً سابعة ‏مبيّتة قد أعلنت ضدّها!.

لقد رأت شخصيات وطنية وأفرادا كثيرون على مستويات عدّة أن في التدليل المفرط الذي ‏تعامل به القيادة السياسية ورئاسة مؤتمر الحوار الحوثيين، قبل انعقاد مؤتمر الحوار وأثناءه، ‏أمراً تجاوز نطاق المعقول أبداً، ولا بد من وضع حدّ لذلك، إذ إن الاستمرار في ذلك المنهج ‏يمنح الحوثيين مزيداً من الزهو، للمضي في منهج الغطرسة والعنف، الذي تزايدت حدّته ضد ‏خصومها السياسيين في صعدة- بوجه خاص- أثناء انعقاد المؤتمر، وقبل أن يبدأ الحوثيون في ‏إعلان معركة دمّاج الأخيرة، على نحو ما يجري اليوم من عدوان متواصل، يستخدم فيه ‏الحوثيون السلاح الثقيل بمختلف أنواعه، بما في ذلك الدبابات وراجمات الصواريخ، مع ارتداء ‏الزي العسكري الرسمي، واستعمال العربات العسكرية، لميليشيات خارجة عن القانون، ضد ‏جماعة سلمية لا مجال للمقارنة بين قدراتها وإمكانات جماعة تغولّت على السلطة بكل ‏إمكاناتها؛ إلا أن ذلك لم يغيّر من مسلك القيادة السياسية، ولا رئاسة مؤتمر الحوار تجاه ‏الجماعة شيئاً، واكتفت باستمرار أعمال لجنة الوساطة، مع تغيير فني فيها، بغية تفويت ‏الفرصة على الجماعة، كي لا تتنصل من قرارات المؤتمر، وتعلن انسحابها في المحطة ‏الأخيرة من أعماله! لكن ذلك لم يجد شيئاً كذلك بل دفع الحركة الحوثية المسلّحة للمضي في ‏قرار الحرب ومسلسل العدوان في دمّاج، دونما التفات إلى أنهم وقعوا على قرارات في ‏المؤتمر تدين العنف، وتؤمن بمنهج السلم، وتلزم بالعمل المدني، وهو ما يسعون فيما يظهر- ‏للتنصل منه، مع أنهم لطالما أطلقوا مثل تلك العناوين في مناسباتهم المختلفة، لكي تطير مع ‏الهوى، بمجرّد إطلاقها، وكي يبقى منهج العنف ولغة السلاح المنهج "الحاكم" الفعلي على ‏الأرض. ‏

في ضوء هذا العنف الذي تمضي في مشروعه اليوم جماعة الحوثي في شمال الشمال، ‏والقاعدة في جنوب البلاد، حيث تتدثر الأولى برداء التشيع، فيما تحمل الثانية لواء التسنن؛ فإنّه ‏لا مفرّ لليمانيين من الاختيار بين ثنائية التعايش الحقيقي المجسّد على الأرض، القائم على ‏أساس قواسم الدين العامة، وثوابت المجتمع والوطن اليقينية، وبين خيار الانكفاء على الذات، ‏والتمترس وراء الأطر الضيّقة، والدعوة من ثمّ- إلى مواجهة مسلّحة لكل مختلف معنا في ‏الاعتقاد أو الفكر أو السياسة، وذلك يعني إعلاناً مفتوحاً لاحتراب أهلي لا يبقي ولا يذر –لا قدر الله-. ‏

إنّه مع تأكيد الخلاف مع جماعة الحوثي - وكذا القاعدة من قبل- في شأن منهج العنف الذي ‏يميّزهما كسمة جوهرية، فإن ذلك ليس لأن إحداهما جماعة شيعية زيدية "جارودية" تقترب أو ‏حتى تتطابق مع مذهب الجعفرية الإمامية الاثنى عشرية، إذ الأخرى سنيّة سلفية، مع أن ‏الموقف من كليهما واحد، من حيث الرفض وإعلان الإدانة، وذلك بالنسبة لكثيرين منهم كاتب ‏هذه السطور.

وإذا ما تخلت كلتاهما عن منهج العنف حكماً للنزاع مع السلطة أو غيرها، فليس ‏أمامنا جميعاً من سبيل سوى منهج التعايش رغم الخلاف- مادام ذلك أمراً خاصاً بعقيدة أيّ ‏منهما التعبدية، إذا غدت كلتاهما تعلن التزامها بالدستور والقانون، وتؤيد أن كل مسلك ‏يتعارض معهما يعرّض فاعله للمساءلة القانونية.

من هنا ولأن حديثنا اليوم عن هذا العنف المتوحش في دمّاج من قبل جماعة الحوثي المسلّحة ‏فإن التأكيد جدير هنا على أن المشكلة معها ليست في مذهبها الخاص، أو أيديولوجيتها التعبدية ‏المميزة، إذا تخلّت فعلياً عن المضي في منهج العنف، وتركت نشر ثقافة الكراهية، والاعتقاد ‏بالتميّز السلالي، الذي تطفح بها أدبياتها المنشورة، وفي مقدّمتها (الوثيقة الفكرية والثقافية)، ‏التي نشرت أثناء الثورة في ربيع الأول 1433هـ - فبراير 2012م، بتوقيع رموز جماعة ‏الحوثي وسواهم وفي مقدّمتهم عبد الملك الحوثي، وكذا التخلّي عن القدح المعلن في رموز ‏الأمة العظام، وفي مقدّمتهم كبار الصحابة وخلفاء الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - الثلاثة- ‏وأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهم - جميعاً- كما تكشف عنه بجلاء ملازم مؤسس الحوثية ‏الراحل حسين بدر الدّين الحوثي.

آمل أن يدرك الجميع أن هذا العنف الذي تقوده جماعة الحوثي المسلّحة اليوم بدمّاج لا علاقة ‏له بالمذهب الشيعي الزيدي الهاوي، أو الجارودي، أو حتى الإمامي الجعفري، بل كان وسيظل ‏سياسياً بامتياز، ولكنه يتدثر برداء التشيع المذهبي لتحقيق مشروعه في الهيمنة ليس أكثر، مع ‏أنه تشيع سياسي، أو طائفية سياسية، إن كان لا مناص من توصيفه في إطار العناوين ‏المشاكلة.

والشواهد على ذلك كثيرة غير أن أهمها في هذه العجالة- شاهد خصومة الحوثيين ‏مع الحوثيين أنفسهم؟ أعني الصراع المسلّح بين أولاد العلامة الراحل بدر الدين الحوثي مع ‏ابن عمومتهم العلامة محمّد عبد العظيم الحوثي، حيث يهجّرونه من دياره، ويقتلون أتباعه، ‏ويطاردونهم، وذلك قبل الدخول مع السلفيين في مواجهات مسلّحة منذ العام1432هـ-2011م. ‏

ولذلك لم يعد مستغرباً أن يصرّح محمّد عبد العظيم في ذات حوار معه بأن جهاد أبناء ‏عمومته الحوثيين" أفضل من الصلاة، وأفضل من جهاد اليهود، وأنهم أخبث من إسرائيل، ‏وأضرّ على الإسلام " "محمّد عبد العظيم الحوثي، حوار مع صحيفة الأهالي "اليمنية" "أجرى ‏الحوار مهدي محسن" العدد (170)، 1/1/1432هـ- 7/12/2010م، ص9)، مع أن محمد عبد ‏العظيم لا يختلف عن عقيدتهم إلا في الجرأة ورفض المراوغة، ومسلك النفاق السياسي، أو ما ‏يسميه البعض "الديبلوماسية" بل يصرّح في الحوار السابق ذاته بأنهم اختطفوا منه عنوان ‏الحوثية، إذ هو الحوثي الحقيقي، وأولئك دخلاء وطارئون، لكن حربهم مع الحكومة ساعدت ‏في اشتهارهم بذلك العنوان (المرجع السابق، ص 8)!! ‏

من هنا فلا أحسب أن رفع عنوان (الرافضة المجوس)، من قبل السلفيين أو سواهم، كرد فعل ‏مقابل لشعار "النواصب الوهابية" من قبل الحوثيين ومن على شاكلتهم، أو شعار عمر...‏عمر... عمر... مقابل حسين... حسين... حسين...، أو الإيغال المتبادل في تعظيم أو ذمّ بعض ‏الشخصيات المثيرة للجدل في تاريخنا القديم أو الحديث، أو تكرار المناداة بـ"جماعة الصحابة" ‏مقابل جماعة "آل البيت" أو سوى ذلك من الشعارات العصبوية التي تبثها بوجه خاص- ‏قنوات التخلف والجاهلية باسم أهل السنّة مثل: صفاء أو وصال، أو التشيع مثل: أهل البيت أو ‏الكوثر، أو سواها، الغارقة جميعها في التسييس والتبعية المكشوفة لأنظمة سياسية إقليمية ‏معروفة الأجندة والأهداف والمشاريع. لا أحسب أن شعارات أو عناوين كهذه تحل المشكلة، أو ‏تدفع أي طرف للقدرة على الحسم، وإلغاء الآخر، بل تذكي مزيداً من الصراع، وتورث مزيداً ‏من الأحقاد، لتتناقله الأجيال، فتسعى تلك الأنظمة من ثمّ- لتجعلنا ندور في حلقة عنف ‏مفرغة، إلى أمد لا يعلم نهايته إلا الله، كي تبقى الراعية لهذه المشاريع (الجهنمية)، في مأمن ‏عن ثورات التغيير، حيث يشتغل كل طرف في بلداننا بالقضاء على أخيه، في مجتمعه، ‏وستجد في وضع التغيير الذي حدث، فزّاعة جديدة، ضد شعوبها، وكأن هذا الصراع نتيجة ‏حتمية للتغيير الثوري الجديد، فيما يستمر لها الحكم والوصاية على العالمين!.

  • 0
  • 0
  • 1,475

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً