كيف نقرأ التاريج ونستفيد منه في واقعنا المعاصر؟

منذ 2015-04-11

في البداية عندما تقرأ كثيرًا في التاريخ والسير الذاتية تخرج بتعميمات كبرى ومهمة من مثل: أي قائد من القادة العمالقة الذين بنوا أمبراطوريات لم يتمكن من هذا عبر محاربة كل أعدائه ومنافسيه طوال الوقت، بل تجد أكثر من 50% من سلوكه مصروف إلى احتوائهم بالتحالفات والمعاهدات، حتى يأتي دورهم في سلم أولوياته في القضاء عليهم.

قراءتك التاريخ والمذكرات الشخصية والسير الذاتية لا تفيدك كثيرًا -طبعًا ستفيدك قليلاً- وأنت في مرحلة تكوين عقلك وإكسابه القدرة على التفكر والتأمل العميق.

ومن أكثر الأشياء التي تكسبك القدرة على التأمل والتفكر العميق في التاريخ والسياسة والعلوم الاجتماعية، هو التفكر في ما تقرأه ومناقشته والجدل معه وبحث كيفية تطبيقه لحل مشكلات الواقع الذي تعيشه، ثم كثرة مجالسة والاستماع إلى ومناقشة من هم أكثر منك علمًا، وأعلى منك في القدرة على التفكر العميق والتأمل والنقد.. وقبل هذا كله ومعه كثرة القراءة للمراجع المفيدة في مجالك.

أنا وصلت إلى أول درجة في التفكر العميق في التاريخ والسياسة وأنا في أولى تاريخ بآداب القاهرة، ثم بلغت مستوى جيد فيه نهايات أول سنة بعد تخرجي، وكان هذا بفضل الله ثم غزارة في القراءة برغبة تفوق كل رغباتي، ووقت يفوق كل الأوقات التي كنت أقضيها في أي شيء سوى القراءة، ولكن لم أصل للنضج المناسب إلا بعد هذا بسبع سنوات بفضل الله، ثم التفكر الطويل فيما قرأته طوال السنوات السابقة، هذا التفكر جرى في اعتقال انفرادي (أو شبه انفرادي) منع عني فيه الورق والأقلام والكتب، حتى المصحف لنحو عشر سنوات متواصلة.. فأجبرت على التفكر، ونفعني الله بهذا التفكر بأكثر من انتفاعي بقراءة آلاف الأبحاث والكتب.

في البداية عندما تقرأ كثيرًا في التاريخ والسير الذاتية تخرج بتعميمات كبرى ومهمة من مثل:
أي قائد من القادة العمالقة الذين بنوا أمبراطوريات لم يتمكن من هذا عبر محاربة كل أعدائه ومنافسيه طوال الوقت، بل تجد أكثر من 50% من سلوكه مصروف إلى احتوائهم بالتحالفات والمعاهدات، حتى يأتي دورهم في سلم أولوياته في القضاء عليهم.

ومثل: أي عدو لك تقدر على القضاء عليه ثم تتركه بسبب ضعفه الشديد، سيكون بؤرة قوة ضدك حيث سيكبر ويتطور بالتدريج، وينتهز فرصة ضعف فيك فيطور نفسه أكثر ثم ينقض عليك فيقضي عليك في النهاية، ومثال ذلك الجيب الصليبي الصغير الذي تركه المسلمون على المرتفعات في أقصى الشمال الغربي -ربما جزء من البرتعال الآن- من الأندلس استهوانا بقيمته وتأثيره، فقد فعل هذا الجيب هذا إلى أن طرد المسلمين من الأندلس كلها بعد مئات السنين.

ومثل: الحروب الكبرى التي يطلق عليها بلغة عصرنا الحروب العالمية أو ما يشبهها، إنما يحسمها خلطة مناسبة من ثلاثة أشياء رئيسة هي:
1- المعنويات المرتفعة للشعب المحارب والمبنية على فكر أو منهج منطقي حقيقي لا زيف فيه من الناحية الواقعية.
2-الفكر السياسي والإستراتيجي المتقدم الذي فيه إبداع وتجديد واستخدام هذا الفكر في مواجهة كل التحديات وحل كل المشكلات.

3-توفر حد أدنى من الموارد الاقتصادية والبشرية اللازمة.. ومقياس هذا التوفر هو أنه يكون لديك ما يكفي لمواجهة كل موقف يواجهك (مثال للتوضيح: عندما حشد الروم قوات كثيفة ضد جيوش المسلمين الأربعة في الشام قبل اليرموك، فأولا تجمع المسلمون في جيش واحد، وثانيًا نقل أبو بكر الصديق عدة آلاف من الجيش الإسلامي في العراق إلى الشام بإمرة خالد بن الوليد، والشاهد أنهم وإن لم يتمكنوا من مجاراة نفس الحشد الرومي لكنهم واجهوه بزيادة ما في العدد، وتجميع العدد كله معًا وتعيين قائد جديد فضلاً عن تحديد موقع ما للمواجهة بخطة ما) ومقياس هذا أيضًا بأن يكون لديك ما يجعل فعلك بهم كفعلهم بك حسب تعبير أبي بكر أو عمر -لا أذكر- لأحد القادة.

كل ما سبق أمثلة عما تخرج به من تعميمات كلية مهمة في أول مرحلة تصل عليها بعد قراءة غزيرة جدًا، مصحوبة بتفكر وتأمل عميق لمئات المراجع الجيدة في التاريخ والسير الذاتية لعظماء التاريخ.. ولكن هناك شيء أعظم من هذا ستصل إليه في المراحل التالية بعدما تتجاوز هذه المرحلة بمزيد من الجهد في القراءة في التاريخ مصحوبًا في الأول والآخر بتوفيق الله تعالى لك.

التعميمات الأهم التي تصل إليها في نهايات مرحلة الدراسة التاريخية العميقة والواسعة هي المتعلقة بسنة الله في الكون بشكل عام وواسع، وتصل هذه التعميمات بعقلك بأن تمتزج ببنيته كأنها جزء منه.. ومثلاً:

ترى حركة سياسية أو دينية أو دولة أو كيان ما فتقول: مثل هؤلاء لن يفلحوا أبدًا! لما تراه من سلوكياتهم التي علمك التاريخ أن الله لم يعط نجاحًا ولا فلاحًا لصاحب مثل هذه السلوكيات من حركة أو دولة، أو ترى حربًا أو معركة فتقول على المتقدم فيها سينهزم في النهاية ولن تقوم له قائمة بعدها، أو ترى زعيمًا ناجحًا فتقول: هذا نهايته سوداء، أو ترى زعيمًا مهزومًا فتقول: سينتصر وسيبني مجدًا.. إلخ..

كثير من هذه الأمور يصبح واضحا لك وضوح الشمس في ظهيرة الصيف لكن من لم يكن مثلك يتعجب من قولك بل قد يعارضه ورغم هذا يتحقق قولك ربما بعد عشرة أو عشرين عاما وربما يعد شهور قليلة.

ومن التعميمات المهمة بشأن حركة التاريخ الكوني -وهي سنة الله التي لا تتبدل- أنه يجب الأخذ بكل الأسباب المستطاعة والممكنة بمقايس العلم والموضوعية في عصر الحدث، لمواجهة التحديات وحل المشكلات وتحقيق التمكين -أيًا كان بغض النظر عن عقيدته- ومن أهم وأبرز التعميمات بشأن الأخذ بالأسباب هو متابعة الواقع وتحدياته ومشكلاته بكل تيقظ، ومواجهتها أولاً بأول، بحيث تتم مواجهة كل مفردة منها بما يناسبها من عمل قادر على التغلب عليها في أسرع وقت، قبل أن يستفحل خطرها ويصعب مواجهتها، ولعل أبرز مثال على هذا عندما انتعشت وتصاعدت الحركة الانقلابية للعباسيين في اتجاه خلع الملك الأموي -الخلافة الأموية- ونقل الحكم للبيت العباسي، فوقتها كان الأمويون مشغولين بخلافاتهم الداخلية، وبملذات الملك عن متابعة هذا التصاعد لنشاط التنظيم العباسي في أقصى شرق الدولة، وحينها قال الشاعر العربي ملخصًا الموقف:

أرى تحت الرماد وميض جمر *** ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تُذكى *** وإنّ الحربَ مبدؤُهُا كلام
فإنْ لم يطفئها عقلاءُ قومٍ *** يكونُ وقودَها جثثٌ وهامُ
فقلت من التعجب ليت شعري *** أأيقاظٌ أميّة أم نيام
فإن يقظت فذاك بقاء ملك *** وإن رقدت فأني لا ألام
فإن يك أصبحوا وثووا نياما *** فقل قوموا فقد حان القيام
فغرّى عن رحالك ثم قولي *** على الإسلام والعرب السلام

القراءة الملحمية والحماسية للتاريخ عندنا نحن الإسلاميون هي السائدة، وهي تعمينا عن ما ذكرناه في السطور السابقة من حتمية الأخذ بالأسباب كما أنها ترسخ عندنا مفهوم خاطئ للأسباب، فنتخبط بسبب الحماس العالي ومثال ذلك:
في معركة (ملاذ كرد) المشهورة بقيادة (ألب أرسلان) تقرأ أغلبية المراجع لتفهم كيف انتصر 20 ألف مسلم على 500 ألف بيزنطي، فلا تجد سوى أن ألب أرسلان لبس كفنه وخطب خطبة عصماء ألهب بها حماس جنوده ومساعديه من القادة فلبسوا هم الآخرون أكفانهم، وشدوا على العدو فهزمهم، ولا يوجد مانع من أن يبرز الكتاب والمؤرخون قديمًا وحديثًا والآن أن العالم الفلاني المصاحب للسلطان ألب أرسلان نصح بكذا والمسلمون دعوا في صلاة الجمعة للجيش المسلم بالنصر!

أه.. أه.. الإسلاميون في كل بقاع الأرض من يوم ما قرأوا هذا وهم يلبسون أكفانهم ويدعون الله، ثم ينزلون للمواجهات (السلمية أو المسلحة) ومع هذا لا ينتصرون بل يقتلون قتل عاد وإرم! أتدرون لماذا؟ لأن لبس الكفن والدعاء فقط لا يجلب النصر، وإلا "ما كانش حد غلب" حسب المثل الشعبي المصري الشائع وإلا لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا وهو لم يفعله، بل كان يلبس درعين بل وحفر الخندق ونصب المنجنيق لأول مرة في تاريخ الجزيرة العربية كلها.. إلخ..

ودعوني (أحبابي) أذكر لكم لماذا وكيف انتصر (ألب أرسلان) على هذا الجيش العملاق بجيش صغير..
ممكن تدوخ في المراجع لتجد قلة ضئيلة منها ذكرت سبب هذا النصر، لقد استخدم السلطان ألب أرسلان ما بات يعرف في علم الإستراتيجية الحديثة بـ"إستراتيجية الاقتراب غير المباشر"، وهي نفس الإستراتيجية التي طبقها كثيرًا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب، وربما في السياسة كما كان من أكبر روادها على مدار التاريخ الإنساني كله (خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة) في الفتوحات الإسلامية (وارتكزت عليها أغلب الفتوحات الإسلامية زمن الراشدين) وخلاصتها الحيلة والخداع، فتتمكن قوة صغيرة من القضاء على قوة أكبر، فكيف طبقها ألب أرسلان؟

لقد أرسل جزءًا من قواته هاجمت الجيش الرومي ثم فرت منه لتستدرجه خلفها إلى مكان حدده وجعل فيه كمين -غالبًا كان واديًا بين جبال على ما أذكر-، ثم أطبق عليهم بقواته كلها من كل الجهات بعدما أصبحوا في مركز الكمين، وبعدما قضى على أغلبهم طارد الفارين إلى معسكرهم فحاصره وهم مثخنون، وقضى على من فيه أيضًا ثم طارد الفارين الشاردين فقضى على أكثرهم.

لو قرأنا التاريخ هكذا سنفهم ونتعلم الأسباب الحقيقية للنصر والقدرة، أما إذا قرأناه بالطريقة الملحمية السائدة (من قديم الزمان وحتى وعاظ ومشايخ ورموز الإسلاميين اليوم) فإن هذا يخرج لنا أجيالاً لا تعرف الأسباب الحقيقية للحصول على النصر، ورغم هذا يتصدرون المشهد، وإذا نصحهم ناصح أو لامهم لائم ردوا لا يوجد أي وسائل غير هذه.. إذ كل ما يجهلونه هو غير موجود وعلى الجميع الإذعان لجهلهم.

هذه التعميمات التاريخية التي تكلمنا عنها في السطور السابقة عدة مرات يدخل كثير منها فيما يعرف بفلسفة التاريخ، أي تفسيره واستخراج دروس وتعميمات عامة منه وهي أعلى مستوى في دراسة التاريخ، لكن هناك مستوى قبلها مباشرة وهو مستوى التحليل والفهم لكل حدث على حدة -كما في واقعة ملاذ كرد على النحو الذي ذكرناه آنفا-، أو تحليل فترة تاريخية محددة بحيث تكون صغيرة نسبيًا ومتماسكة لتمثل وحدة واحدة بينها العديد من المشتركات في عدد من المجالات مثل: (عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والدولة الأموية، والعصر العباسي الأول، ودولة شارلمان، أو عصر هرقل، أو عصر قسطنطين.. ) إلخ، والتحليل هنا يتطلب قدرات علمية وفكرية متوسطة تؤهلك لقراءة التحليلات الكثيرة التي كتبت عن عصر ما، فتقرأ الكثير من المراجع الجيدة في هذا المجال، ثم بعدها ستجد نفسك اكتسبت هذه الملكة في التحليل بمستوى جيد، لأن دراسة التاريخ يمكن القول أنها تتضمن المستويات التي نعبر عنها بالأسئلة على النحو التالي:

أول مستوى: ماذا ومتى حدث؟
ثاني مستوي: كيف حدث؟
ثالث مستوى: لماذا حدث؟ وهو مستوى التحليل الذي نتكلم عنه في هذه الفقرة الأخيرة.
أعلى مستوى: متى يحدث هذا؟ وهو أعلى مستوى في دراسة التاريخ، والذي يطلق عليه (فلسفة التاريخ) وأطلقنا عليه نحن هنا التعميمات.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

عبد المنعم منيب

صحفي و كاتب إسلامي مصري

  • 3
  • 0
  • 1,221

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً