البركة من الله

منذ 2015-05-05

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق التوحيد وتكميله، فسدَّت طرق الشرك المؤدية إليه؛ ومن الطرق التي يمكن أن تخل بالتوحيد ما ينشأ عن المفهوم الخاطئ للبركة؛ وما وقعت الأمة في الشرك إلا من اختلال هذا المفهوم، فبعضهم تبرك بالأحجار، وبعضهم تعلق بالأشجار، وبعضهم شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وبعضهم يحتفل بالمولد زاعمًا البركة فيه، ومن الناس من يتمسح بالأشخاص والمغارات والجدران، وبهذا حصل الشرك في الأمة وانتشر.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المتفرد بالخلق والاختيار، أحمده تعالى على نعمه الغزار، وأشكره على فضله المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفار، سبحانه هو الله الواحد القهار، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله المصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقل الماء، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء، ثم قال: «حي على الطهور المبارك، والبركة من الله» فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل".

قال الدكتور مصطفى البغا في تعليقه على الصحيح: "قوله (الآيات) المعجزات وهي الأمور الخارقة للعادة، «بركة» فضلًا وتكرمًا من الله تعالى والبركة النماء والزيادة، (سفر) قيل في الحديبية وقيل في خيبر، (تخويفًا) لأجل التخويف، «اطلبوا» ابحثوا عن شيء من ماء بقي لدى واحد منكم «حي على الطهور» تعالوا وتطهروا بالماء، «المبارك» الذي نما وزاد بفضل الله تعالى ففيه خير ونور، (كنا) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" (أ.هـ).

قال ابن حجر في الفتح: "فإن التحقيق يقتضي عد بعضها بركة من الله كشبع الخلق الكثير من الطعام القليل وبعضها بتخويف من الله ككسوف الشمس والقمر، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده»، وكأن القوم الذين خاطبهم عبد الله بن مسعود بذلك تمسكوا بظاهر قوله تعالى وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا" (أ.هـ)، فإن أهل العلم يقولون: "إن هذا السفر الذي وقعت فيه هذه الحادثة يشبه أن يكون في غزوة الحديبية، وقد وقع مثله في غزوة تبوك كما أفادت بعض روايات الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، فأصاب الناس عطش شديد، فقال «يا عبد الله! التمس لي ماءً»، فأتيته بفضل ماء في إداوة.."، وقد تكرر وقوع ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم حضرًا وسفرًا.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤتى بفضلة من ماء، ولا شك في أن الله تبارك وتعالى قادر على أن يخلق له الماء بدون هذه الفضلة، فالله على كل شيء قدير، لكن أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين لهم أن هذا الماء القليل يبارك الله تبارك وتعالى فيه بإذنه فيزيده ويكثره، ويكون الماء ينبع من أصابعه صلى الله عليه وسلم، حتى لا يتوهم متوهم أن البركة إنما هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما البركة من الله، كما جاء في نص الحديث: «البركة من الله»، لكنه طلب شيئًا قليلًا من الماء حتى يبين ابتداءً أن خلقة هذا الماء من الله، والبركة -أيضًا- من الله، حتى لا يقع التباس عند بعض الناس في هذا الأمر، وقوله عليه الصلاة والسلام «والبركة من الله» إشارة إلى أن الإيجاد والخلق من الله تبارك وتعالى.

وفي بعض الروايات قال ابن مسعود: "فجعلت أبادرهم إلى الماء" أي: لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والبركة من الله» علم أن هذا الماء ماء مبارك، فجعل يسابق الصحابة رضي الله عنهم إلى الماء، يقول: "فجعلت أبادرهم إلى الماء أدخله في جوفي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «والبركة من الله»، قال ابن حجر في الفتح: "والحكمة في طلبه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المواطن فضلة الماء لئلا يظن أنه الموجد للماء، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن الله أجرى العادة في الدنيا غالبًا بالتوالد، وأن بعض الأشياء يقع بينها التوالد، وبعضها لا يقع، ومن جملة ذلك ما نشاهده من فوران بعض المائعات إذا خمرت وتركت زمانًا، ولم تجر العادة في ماء الصرف بذلك، فكانت المعجزة بذلك ظاهرة جدًا" (أ.هـ).

قوله: "ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل" أي: في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الغالب أن هذا كان في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وله شاهد من طريق قيس بن أبي حازم قال: "كان أبو الدرداء وسلمان إذا كتب أحدهما إلى الآخر قال له: بآية الصحفة"، كما نقول نحن: بأمارة كذا إذا كان الاثنان متفقين على شيء ولا يعلمه ذلك الرسول الذي يمشي بينهما، فكان أحدهما يقول للآخر: أعط فلانًا كذا وكذا بآية -يعني: بعلامة أو بأمارة- الصحفة، قال: "كان أبو الدرداء وسلمان إذا كتب أحدهما إلى الآخر قال له: بآية الصحفة، وذلك أنه بينا هما يأكلان في صحفة إذ سبحت" (انظر فتح الباري).

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق التوحيد وتكميله، فسدَّت طرق الشرك المؤدية إليه؛ ومن الطرق التي يمكن أن تخل بالتوحيد ما ينشأ عن المفهوم الخاطئ للبركة؛ وما وقعت الأمة في الشرك إلا من اختلال هذا المفهوم، فبعضهم تبرك بالأحجار، وبعضهم تعلق بالأشجار، وبعضهم شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وبعضهم يحتفل بالمولد زاعمًا البركة فيه، ومن الناس من يتمسح بالأشخاص والمغارات والجدران، وبهذا حصل الشرك في الأمة وانتشر.

أيها المسلمون: لا بد أن نعتني بتوحيدنا وعقيدتنا، وأن نجعل هذا التوحيد خالصًا لله تعالى، وألا نواقع شركًا،
فــ{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48]، وقد ذهب جماعة من العلماء المحققين، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليهم جميعًا إلى أن الشرك الأصغر والخفي لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فلا يكفَّر ولا يدخل في المشيئة إلا إذا تاب منه صاحبه، فإن الله يتوب عليه، ولذلك لا بد أن نكثر كثيرًا من التوبة والاستغفار من جميع أنواع الشرك، وأن نقول: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.

والبركة: هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء، ودوامه، وزيادته، وكثرته.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وبارك لي فيما أعطيت»، فإنها تُطلَب من الله تعالى فهو مصدر البركة عز وجل، ونحن نقول: (تبارك وتعالى) أي: كَمُلَت بركته، وعَظُمَت بركته، كَثُر خيره، وإحسانه إلى خلقه، وخيره هو الذي يدوم، وإذا شاء أن يُكْثِر خيرًا فلا رادَّ لفضله، فهو سبحانه وتعالى المبارك حقًا، لا يبارك أحدٌ من الناس، وإنما الله هو الذي يبارك، ولهذا كان كتابه مباركًا، ورسوله مباركًا، وبيته مباركًا، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة.

وإذا طَلَب أحد البركة من غير الله فإنه كَمَن يطلب الرزق من غير الله، فطلب البركة من غير الله تعالى شرك، ومن اعتقد أن شخصًا هو الذي يبارك فقد أشرك بالله تعالى، والأشياء المباركة من الأعيان والأقوال والأفعال والأشخاص ونحو ذلك إنما كانت مباركة لأن الله جعل فيها بركة، وهي سبب للبركة، وليست واهبة للبركة، كما أن العبد يستخدم الأدوية والرُّقَى وهي سبب للشفاء، وليس الدواء واهب الشفاء، وإنما الله هو الذي يشفي، وما ذكر الشرع أن فيه بركة يُستعمل استعمال السبب، قد يتخلف وقد يحصل.

فحين يتأمل المرء حال أهل الأهواء والضلال وما عليهم في تبركهم وضلالهم يعي تمامًا فضل نعمة الله عليه، فيحمده ويشكره أن هداه للحق، فيصون هذا الدين ويحفظه، ويدرك أن أصل الأصول التي ينبغي أن يصان هو التوحيد ويُحمى من أن يتخلله شرك.

يقول الدكتور علي العلواني حفظه الله: "إن التبرك بذوات الصالحين وآثارهم والتبرك بالأزمنة والأمكنة المرتبطة بهم قضية من أهم القضايا العقدية، كذلك الغلو فيها ومجانبة الصواب قد جر فئامًا من الناس قديمًا وحديثًا إلى حظيرة البدع والخرافيات والشركيات، وهذا من قديم الزمان، فإن أهل الجاهلية الأولى الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أسباب عبادتهم للأصنام التبرك بها، وطلب بركتها في الأموال والأمن والأولاد والأنفس، ثم لما دخلت البدع في هذا الدين عن طريق الزنادقة والمنافقين كان من وسائلهم لتحريف الدين الغلو في الأولياء والصالحين، والتبرك بقبورهم، وفي مقدمة هؤلاء الرافضة لعنهم الله، فهم من أولهم ظهورًا بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" (أ.هـ)، (رسائل ودراسات في منهج أهل السنة).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه من باب التبرك والغلو في الدين".
وصدق شيخ الإسلام رحمه الله، وانظر إلى ديار المسلمين في تعظيمهم للمشاهد وحجهم إليها وتبركهم بأصحابها، ولنا في مصر بدع لا تكاد تجدها تنتشر في بلاد أخرى، خاصة مسألة بناء المساجد على القبور، مع أنها مؤسسة على لعنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومؤسسة على غضب من الله تبارك وتعالى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، والأدلة في ذلك معروفة، وتجد أنهم يحجون إلى تلك الأضرحة كما يفعل الموحدون إذا حجوا إلى بيت ربهم تبارك وتعالى، والغلو في الصالحين، وتعظيم المقابر وشد الرحال إليها، والموالد، والمواسم، والأطعمة، والاشتغال بهذه الشكليات التي تنسي الناس جوهر الإسلام. والله المستعان!

لا اجتماع بين التوحيد والشرك في قلب واحد:
إن القلب لا يتسع للبدعة والسنة، ولا يتسع للتوحيد والشرك، فإذا دخل أحدهما خرج الآخر، فلا يجتمعان لأنهما نقيضان، فالقلب الذي يمحص وينقى ولا يكون إلا للتوحيد والسنة لا يطيق أبدًا خلاف ذلك، وبقدر ما يدخل من البدع في القلب بقدر ما يذهب من نور السنة، والذي يرتبط بالقرآن كتاب الله، ويستقي الحكمة من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجد تعظيمه للقرآن وحبه للقرآن وشعوره بحلاوة القرآن، ولذة مناجاة الله تبارك وتعالى حين يتلو كلامه أعظم بكثير ممن أخذ من ذلك بحظ قليل، ثم ملأ قلبه بالشعر وبأقوال حكماء اليونان وحكماء الهند وكلام الفلاسفة والشعراء.

التبرك عند الرافضة:
فإن الروافض -قبحهم الله- لهم مناسك ومشاهد إليها يعبدون، وحولها يطوفون، عمروا المشاهد، وهجروا المساجد، واستحسنوا أمرً شركيًا، وزعموا أن الجمعة والجماعة لا تصلى إلا خلف المعصومين من أئمتهم، فكذبوا وافتروا إفكًا وأظهر عورهم وضلالهم ابن تيمية نور الله قبره.

يقول شيخ الإسلام: "ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف المعصوم، ورووا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب؛ حتى صنف كبيرهم ابن النعمان كتابًا في (مناسك حج المشاهد) وكذبوا فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه وغيروا ملته، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد فصاروا جامعين بين الشرك والكذب..

كما قرن الله بينهما في غير موضع كقوله: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج من الآية:30]، {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج من الآية:31]، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين» ثم قرأ هذه الآية وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف:152]، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62]، {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص:75]" (أ.هـ مجموع الفتاوى)

التبرك عند طوائف الصوفية:
يقول الدكتور علي العلواني حفظه الله: "ثم اقتبس أناس متصوفة من الرافضة التبرك بالمشايخ وقبورهم وآثارهم، فهذا البوصيري يرى أن من تبرك بتراب قبر النبي صلى الله عليه وسلم كانت له طوبى، وطوبى شجرة في الجنة، فكيف يقال: طوبى بدون وحي؟! أليس الكلام في باب القطع؟ وهذا لا بد من أن يقال من وحي المعصوم، يقول البوصيري: لا طيب يعدل تربًا ضم أعظمه طوبى لمنتشق وملتثم أي: ضم أعظمه عليه الصلاة والسلام. وقوله: (طوبى لمنتشق منه وملتثم) يعني بالملتثم من يأخذ هذا التراب ويقبله.

وفي الطرق الصوفية واتباعها ترى العجب ممن يتمسح ويتبرك بالأولياء منهم، فعند الطريقة الرفاعية يجعلون الرفاعي ملاذ الخائفين، وينزلونه منزلة أحكم الحاكمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا يساميه في المنزلة إلا شيخ الطريقة (النقشبندية) الذي يقول عنه بعض مريديه هو الغيث الأعظم، وعقد جود المعارف الأنظم، انزاحت بأنوار هدايته أعلام الأغوار، وعادت الأسرار ببركة أسراره للأخيار أعيان وأعوان الأخيار، وفي الهند فلا يرى بأسًا شيخ البريلوية بوضع تمثال لمقبرة الحسين في المنزل من أجل التبرك به..

ومع انتشار العلم في هذا الزمن إلا أن هذا التبرك بالأشياخ وآثارهم وبالقبور وأصحابها لا يزال شائعًا منتشرًا حتى بين من يحوزون أعلى الدرجات العلمية! وما الحجر الطيني المصنوع من تراب النجف الذي نرى حجاج الرافضة يحملونه معهم للسجود عليه في الصلاة إلا مظهر منحرف من مظاهر التبرك المحرم، وما قيام أصحاب الموالد أثناء قراءتهم للمولد وشربهم للماء الموضوع عند قارئ المولد إلا مظهر منحرف من مظاهر التبرك المحرم؛ إذ يعتقد بعضهم أن روح الرسول صلى الله عليه وسلم حضرت قراءة المولد، وشربت من الماء الموضوع، ومن ثم فهم يتبركون ببقية الماء" (أ.هـ).

بركة النبي صلى الله عليه وسلم:
ومن أعظم الذوات المباركة: ذات النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذاته ذات مباركة، جعل الله فيها بركةً خاصة، والتبرك بالأشياء يكون غالبًا بما كان سبب البركة فيه، وليس من الأسباب المعهودة للناس، من أجل ذلك كان يحرص الصحابة رضي الله عنهم على هذا كثيرًا، وكانوا رضي الله عنهم يأخذون مِن عَرَقه وبُصاقه فيتمسحون به، والتبرك بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآثاره، لا شك أن ذاته مباركة جعل الله تبارك وتعالى فيها بركة خاصة به صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون ذلك..

كما روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "إن النبي صلى الله عليه وسلم «كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات» -أي: كان يرقي نفسه- فلما ثقل كنت أنفث عنه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها"، أي: بدل أن تقوم هي بقراءة المعوذات بيدها وتنفث فيها ثم تمسح عليه بيديها كانت تجمع يديه وتقرأ فيهما، ثم تمسح عليه بيديه الشريفتين صلى الله عليه وآله وسلم.

فعائشة رضي الله عنها كانت تعرف بركة يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا كانت تمسح بها على نفسه الشريفة، وهو صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك، ولم يقل لها: لا فرق بين يدي ويدك، مما يدل على اختصاصه صلى الله عليه وآله وسلم بتلك البركة العظيمة، وأن تلك البركة العظيمة تنتقل بإذن الله عز وجل إلى المتبرك الذي يعلم أنها من الله تبارك وتعالى.

وهذه البركة خص بها أفضل الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة -أي: الفجر- جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا «غمس يده فيه»، فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها صلى الله عليه وآله وسلم" أي: يعملون هذا تبركًا بالماء الذي تدخل فيه يده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح على شرط مسلم: عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يحلق رأسه بمنى، أخذ أبو طلحة شق رأسه، فحلق الحجام، فجاء به إلى أم سليم، فكانت أم سليم تجعله في سكها، وكان يجيء فيقيل عندها على نطع، وكان معراقًا، فجاء ذات يوم فجعلت تسلت العرق، وتجعله في قارورة لها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما تجعلين يا أم سليم؟»، قالت: يا نبي الله عرقك أريد أن أدوف به طيبي".

وأم سليم من كانت محرمًا للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى.
وروى مسلم في صحيحه عن السائب بن يزيد قال: "ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع، «فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة»

وتبرك الصحابة رضي الله عنهم بوضوئه دليل على توقيرهم وإجلالهم له:
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في حديث صلح الحديبية وفيه حين رمق عروة بن مسعود أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، يقول عروة بن مسعود: "فوالله! ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره -أي: تسابقوا إلى طاعته والانقياد له-، وإن توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه -من شدة حرصهم على أن يأخذ كل منهم من هذا الماء الذي توضأ به ولمس جسده الشريف صلى الله عليه وسلم- وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له"، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم وحبهم له، وتفانيهم في خدمته، وتعظيم شأنه.

وروى البخاري في صحيحه عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة، ومعه بلال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: «أبشر» فقال: قد أكثرت علي من أبشر، فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: «رد البشرى، فأقبلا أنتما» قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه، ثم قال: «اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا». فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة".

وعادة الأعراب أنهم لا يحسنون آداب الحوار، فهذا الأعرابي بشره النبي عليه الصلاة والسلام، ولعله كان طلب منه شيئًا فوعده بأنه سوف يملكه هذا الشيء، أو غير ذلك، فقال له «أبشر»، فرد عليه الأعرابي وقال: "قد أكثرت علي من أبشر"، فإن بعض أهل العلم يقول: "ولا يعرف من الأحوال التي تبركوا فيها بفضل وضوئه صلى الله عليه وسلم وبصاقه إلا يوم الحديبية. فإن هذا القول غير صحيح، فالأدلة ليست محصورة في صلح الحديبية، لكنها أعم من ذلك والله أعلم.

وهذه الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن ذاته صلى الله عليه وسل مباركة، وما انفصل من جسده من شعر وعرق، وما استعمله من لباس وآنية قد جعل الله فيه من البركة ما يُسْتَشفى به، ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة. 

ولسائل أن يقول من الذي جعل فيه البركة؟ الله عز وجل. من جعله سببًا للشفاء؟ الله عز وجل.
كان الصحابة يأخذون من أثره، فيضعونه عليهم عند إصابتهم بعين أو مرض أو حمى، فيشفيهم الله تعالى، فذاته صلى الله عليه وسلم ذاتٌ مباركة لِمَا وضع الله فيها من البركة، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام وتطاول الزمن ذهبت آثاره، وذهب شعره ولباسه وآنيته وسلاحه، ولم يعد لدينا إثبات الآن بأن هناك بقية من ذاته قد بقيت، وليس كل متحف وضع شعرةً في علبة أو وضع سيفًا في خزانة كان فعله دليلًا على أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم.

ولكن لهذا التبرك شروط، كما ذكر العلامة الألباني في كتابه (التوسل أنواعه وأحكامه): "الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا، كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره صلى الله عليه وسلم ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره صلى الله عليه وسلم من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين" (أ.هـ).

والنبي صلى الله عليه وسلم رغب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله عز وجل وأجدى وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي: عن عبد الرحمن بن أبي قراد رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ يومًا، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يحملكم على هذا؟»، قالوا: حب الله ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره»، قال الألباني في التوسل: (وهو حديث ثابت له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما وقد أشار المنذري في الترغيب:3/26 إلى تحسينه وفد خرجته في الصحيحة برقم:2998).

بركة القرآن والأحاديث النبوية:
فإن القرآن كلام الله، وهو كتاب مبارك أنزله الله على رسول لا يغسله الماء، يقرأه نائمًا ويقظانًا، وهو كلام ربنا، وكلامه صفة من صفاته تعالى، ولذلك كان هذا القرآن مباركًا، وفيه شفاء للناس، وبسبب قراءته يحصل الخير العظيم للعبد، وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة»، قال معاوية: "بلغني أن البطلة: السحرة".

ومن بركات كتاب ربنا الاستشفاء به والانتفاع به من الرقية ببعض سوره وآياته، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ على نفسه بالمعوذات، وكان بعض أهله صلى الله عليه وسلم يمسح بيده الشريفة اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا» (رواه البخاري في صحيحه عن عائشة).

هيئات مباركة يحصل بها البركة:
ومن الهيئات المباركة الاجتماع على الطعام، والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع بعد الطعام، وكيل الطعام، الاجتماع على الطعام، عن وحشي بن حرب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: "يا رسول الله إنا نأكل، ولا نشبع، قال: «فلعلكم تأكلون متفرقين؟» قالوا: نعم، قال: «فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه» (رواه أبو داود وابن ماجه في السنن).

ومما يدل على بركة الاجتماع على الطعام أيضًا ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة»، قال النووي رحمه الله: "وفي الحديث حث على المواساة في الطعام، وأنه وإن كان قليلاً حصلت منه الكفاية المقصودة، ووقعت فيه بركة تعم الحاضرين عليه" (أ.هـ)، وقال ابن حجر في الفتح: "يؤخذ من هذا الحديث أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع على الطعام، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة".

الأكل من جوانب إناء الطعام:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه»، وهذا الحديث إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين عند الأكل، أن يبتدئوا من جوانب إناء الطعام، إبقاء للبركة التي أودعها الله تعالى في وسطه، وألا يأكلوا من وسط الطعام حتى يأكلوا جوانبه، أما لعق الأصابع بعد الأكل تحريًا للبركة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه، فإن لا يدري في أيتهن البركة» (رواه مسلم).

قال النووي في شرح مسلم: "أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة الزيادة، وثبوت الخير، والإمتاع به، والمراد هنا -والله أعلم- ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوّي على طاعة الله تعالى، وغير ذلك" (أ.ه).ـ

بركة كيل الطعام:
حث النبي صلى الله عليه وسلم على كيل الطعام، ووعد بإيجاد البركة فيه من الله تعالى، فقد ثبت في صحيح البخاري عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كيلوا طعامكم يبارك لكم» وزاد غيره في آخره: «فيه»، يقول الدكتور ناصر الجديع: "والكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله" (أ.هـ التبرك أنواعه وأحكامه)، ومعنى الحديث كما يقول ابن حجر: "أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم، مع ما وضع الله من البركة في مد أهل المدينة بدعوته صلى الله عليه وسلم" (أ.هـ فتح الباري).

الأماكن المباركة:
المساجد بيوت أذن الله جل وعلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وتطهر من الأنجاس الحسية والمعنوية كاللغو ورفث الحديث من غيبة وشتم، وقيل وقال، والمساجد دور عبادة وذكر، وتضرع وخضوع لله جل وعز شأنه، ومواضع تسبيح وابتهال وتذلل بين يدي الله ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن من الآية:18]، ومقام تهجد وترتيل لكتاب الله وحفظ له وغوص وراء معانيه، وتمعن لمفرداته واستنباط لأحكامه، واستخراج لمخزوناته ومكنوناته من بلاغة وبيان وإعراب وقصص وغيرها، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها..» (الحديث. رواه مسلم في صحيحه).

وعن ابن عباس قال: "المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض" (رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون)، وأفضل المساجد التي يُتبرك بها، وبالذهاب إليها، المسجد الحرام بمكة ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى، وهي التي يُشدُ الرحال إليها بدليل قول النبي صلى الله عليه سلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (متفق عليه).

وكذلك مسجد قباء يُوتي رجاء البركة بالصلاة فيه لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَن تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، وصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة» (رواه أحمد في مسند وابن ماجه في سننه وصححه الألباني عن سهل بن حنيف)، ويستحب إتيانه يوم السبت لقول ابن عمر رضي الله عنهما: "كان النبي صلى الله عليه وسلم «يأتي مسجد قباء كل سبت، ماشيًا وراكبًا»" (رواه البخاري في صحيحه).

التبرك بالمساجد لا يكون بالتمسح بترابها، ولا بجدرانها، ونحو ذلك؛ لأن التبرك عبادة، ويشترط في العبادة المتابعة، والتماس البركة في المساجد إنما يكون بالاعتكاف فيها، وانتظار الصلوات، وصلاة الجماعة، وحضور مجالس الذكر، ونحو ذلك.

الأزمنة المباركة:
فإن الله عز وجل جعل أزمنة مباركة يرجى فيها البركة، وهي مثل غيرها من الزمان، لكن لما خصها الله بشيء من عنده صارت فمثلًا: وشهر رمضان وهو شهر بركاته كثيرة، وفضائله عديدة، ومزاياه كثيرة، ليست موجودة عند غيره من الشهور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد جاءكم رمضان، شهر مبارك..» (الحديث رواه أحمد في مسنده بسند حسن وله شواهد).

وكذلك ليلة القدر وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها ليلة مباركة {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان:3].
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: "وصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب" (أ.هـ)، وكذلك يوم الجمعة فإنه يوم مبارك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت الشمس يوم الجمعة..» (والحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة).

ومن الفضائل والبركات أن أبواب الجنة تُفتح يوم الاثنين والخميس، فيغفر للمؤمنين ما عدا المتشاحنين منهم، يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا..» الحديث، وكذلك يوم عرفة يوم مبارك لكثرة من يعتقهم الله تعالى في ذلك اليوم، ودنوه عز وجل فيه إلى السماء الدنيا ومباهاته الملائكة بالحجاج، ومغفرة الله لمن صام هذا اليوم، وعشر ذي الحجة مباركة، فيها تحصل البركة، لما جعل الله فيها من فضل العمل الصالح فيها، وكثرة التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح.

ويوم العاشر من ذي الحجة وهو يوم الحج الأكبر يجتمع الناس فيه فيصلون صلاة العيد ويستمعون الخطبة، ويخرج الجميع ما بين مكبر ومهل يظهرون شعار الإسلام، لتعم الجميع البركة، والثلث الأخير من الليل وقت مبارك، ووقت استجابة لدعاء الداعين، وإعطاء حوائج السائلين، لقوله عليه الصلاة والسلام: «في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» (رواه مسلم في صحيحه).

فلتغتنم تلك الأوقات الفاضلة المباركة بما يعود علينا بالنفع في الدين والدنيا ويضاعف أعمالنا الصالحة.
وتتحقق البركة في الأزمان المفضلة، عبادة الله فيها، وذكره، وكل مَن عيَّن وقتًا يلتمس فيه بركة لم يرد به الشرع عيَّنه، واعتقد أن فيه بركة إضافية تختلف عن بقية الأوقات، فهو مبتدع من المبتدعة، كما يفعل كثير من الناس في السابع والعشرين من رجب.

قال ابن القيم رحمه الله في الزاد: "ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات، فعمله من جنس عمل أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله"، ثم ذكر أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما هلك من كان قبلكم باتخاذهم آثار أنبيائهم مساجد" (أ.هـ بتصرف).

الأطعمة المباركة:
قد جعل الله تعالى في بعض المطعومات بركة مثل شجرة الزيتون، قال تعالى الله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور:35]، وفي الحديث عن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» (رواه الترمذي في سننه)، وفي رواية لابن ماجة بلفظ: «ائتدموا بالزيت»، وفي رواية الدارمي: «كلوا الزيت فإنه مبارك».

فلشجرة الزيتون منافع وبركات عديدة كما يقول الدكتور ناصر الجديع وفقه الله. منها:
"الأكل منها، فهي من الفواكه، وزيتها يؤتدم به، وينتفع به في الدهن والاصطباغ، كما تقدم في النصوص السابقة، وزيتها أيضًا يسرج به، فهو أضوأ وأصفى الأدهان، ويستعمل حطب هذه الشجرة للوقود" (أ.هـ التبرك أنواعه وأحكامه)، وكذلك اللبن فهو شراب مبارك، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بلبن قال: «بركة أو بركتان..» قالها ثلاثًا (رواه ابن ماجة وأحمد وسند جيد) كما قال الشيخ الساعاتي في الفتح الرباني.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن» (رواه أبو داود والترمذي وسنده حسن).

قال القرطبي رحمه الله: "ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب، وظهور الخيرات، وكثرة البركات، فهو مبارك كله" (أ.هـ)، وقال ابن القيم رحمه الله: "اللبن أنفع المشروبات للبدن الإنساني، لما اجتمع فيه من التغذية والدموية، ولاعتياده حال الطفولية، وموافقته للفطرة الأصلية" (أ.هـ الطب النبوي)، كذلك من المطعومات المباركة تمر العجوة، والحبة السوداء، والكمأة، والعسل، وماء زمزم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم: «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» والعجوة من الجنة، وهي شفاء كذلك.

وكذلك بركات النخلة وتمرها: عن سعيد بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة..» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه في السنن)، قال ابن القيم: "بركة النخلة تتضمن كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، وثمره يؤكل رطبًا ويابسًا وبلحًا ويانعًا، وهو غذاء ودواء، وقوت وحلوى، وشراب وفاكهة.." (أ.هـ الطب النبوي).

والحبة السوداء بركة وشفاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام وهو الموت» (رواه مسلم في صحيحه)، وكذلك الكمأة: واحدة الكمأ وهي نبت لا أوراق له ولا ساق يوجد في الأرض بغير زرع، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الكمأة من المَنِّ، وماؤها شفاء للعي» (متفق عليه).

وكذلك العسل طعام مبارك وفيه شفاء، قال الله فيه: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل من الآية:69]، وكذلك ماء زمزم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنها مباركة، إنها طعام طُعْم» (رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر)، وكذلك ماء المطر ماء مبارك، فإن الله قال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ ق من الآية:9]، فالله يجعل البركة في من شاء من عباده.

البركة الممنوعة:
فهناك بركة ممنوعة ومذمومة، ويأثم صاحبها وربما يصل إلى الشرك بالله بهذه البركة المزعومة كالتبرك بالأحجار والأصنام، كما كان أهل الجاهلية قبل البعثة يطلبون البركة من أصنامهم وكان لهم دار في مكة فيها صنم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع قبل أن يخرج من منزله أن يتمسح بذلك الصنم، وإذا قدِم من سفر تمسح به كذلك، يرجو البركة بانتقال البركة من هذا الصنم إلى اليد، ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن ولا يرحل راحل إلا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم، فحيثما نزلوا وضعوها، فطافوا حولها.

فالتبرك بأحجار مكة لا يشرع وتعظيمها أمر غير مشروع أبدًا إلا الحجر الأسود، الذي استلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الركن اليماني، قال عمر: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك"، ولذلك فإن استلام أعمدة الحرم وجدران الحرم وغير ذلك والتمسح بها، وحلقات الأبواب من فعل المشركين الذين يقعون في هذا الشرك بالتبرك بالأشياء التي لم يشرع التبرك به.

وهناك بعض الناس عندهم غلو في مسألة التبرك والتمسح فيتمسحون ويتبركون بأماكن ما أذن الشرع في التبرك فيها، ولا في زيارتها كغار حراء، وغار ثور، والمساجد السبعة، وجبل الرماة، وقد نص أهل العلم في كتبهم أن زيارة الآثار التي لم ينص الشرع على تعظيمها لا يشرع زيارتها بإتفاق كما نقل الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه: (شفاء الصدور).

وقد أخرج ابن وضاح في البدع من حديث الأعمش عن المعرو بن سويد قال: "خرجنا حجاجًا مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر:ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعًا، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض" (حكم الحافظ في الفتح بثبوت الأثر).

فانظر إلى عمر رضي الله عنه وإنكاره هذا الفعل وهو التبرك بالأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أن بهذا الفعل هلكت الأمم السابقة، وقد أمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي زُعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بايع تحتها الناس، مع أن الله تعالى أنسى رسوله صلى الله عليه وسلم مكان هذه الشجرة التي بايعوا عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بهم وبمن أتى من بعدهم.

أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: "رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله"، قال الإمام الطرطوشي رحمه الله في الحوادث البدع بعد أن ذكر حديث أبي واقد الليثي «اجعل لنا ذات أنواط»: "فانظروا رحمكم الله أيضًا أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها".

قال الإمام أبو شامة رحمة الله في الباعث على إنكار البدع والحوادث: "ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبياني رحمه الله تعالى ـ أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة ـ حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى: عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد، قالت: امضوا بي إلى العافية فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فإنا في السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذن الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن" (أ.هـ).

قال الشيخ المحدث عبد الله السعد حفظه الله: "ومع الأسف وقع كثير ممن ينتسب إلى دين الإسلام بما حذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام فتراهم يقصدون هذه الأماكن والآثار، كالذهاب إلى غار حراء مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان يتعبد فيه قبل البعثة، وأما بعدها فلم يأت إليه ولا دعى أمته إلى الذهاب إليه، ومع ذلك تجد كثيرًا من الجهال يذهبون إليه، ومن ذلك المكان الذي يُزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد فيه، ومع أن هذا لم يثبت، فهل الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى الإتيان إلى هذا المكان، أو فعل ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم أو السلف الصالح؟! وإنما أحدث هذا من ضل سواء السبيل وخالف الحق المبين" (أ.ه).

قال الشيخ محمد المنجد حفظه الله: "وقد تصدى علماؤنا حفظهم الله لمن يريد إحياء الآثار النبوية بزعمهم، كطريق الهجرة، ومكان خيمة أم معبد، وأن يحولوها إلى مزارات يأتي إليها الناس، ولا شك أن هذا من الأسباب التي توصل إلى الشرك، وكثير من الناس فيهم جهل".

فلا يجوز لمسلم أن يتبع آثار الصالحين متبركًا بهم، ولا يشد الرحل إليها، ولا المشاهد، أو المقامات، أو الصخرة التي بجوار المسجد الأقصى، أو جبل الطور، أو غير ذلك، وإن غير الناس أسمائها وقلبوا حقائق معناها وسموها، أمجادًا إسلامية، أو تراثًا إسلاميًا، فكما يقول الشيخ فهد أبا حسين وفقه الله: "فهذه الأسماء لا تخرجها عن حقيقتها المعروفة في الشريعة، والتي تعتبر وسيلة من وسائل الشرك، وتغير الأسماء بغير مسمياتها لا يغير من حقائقها الشرعية شيئًا، فالخمر خمر وإن سمي شرابًا روحيًا، وآثار الصالحين هي آثارهم ومقاماتهم وإن سميت تراثًا ومعالم إسلامية، والواجب على من كان وليًا ومسئولًا أن يمنع من تحت ولايته من زيارة آثار الصالحين، ومشاهدة مقاماتهم، وأن يعلمهم التوحيد والسنة، ويبين لهم خطورة الشرك والبدعة، وأن يسد الطرق المفضية إليه، والله أعلم". 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أبو حاتم عبد الرحمن الطوخي

باحث شرعي - داعية و إمام بوزارة الأوقاف المصرية

  • 8
  • 1
  • 63,918

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً