الليبرالية: بوابة لكل عدو!

منذ 2012-03-28

كيف لي أن أنتقد الفكر الليبرالي اليوم وقد كنت أحد المعجبين به؟ يبدو لي أن هذه الجزئية لا تستحق الإطالة، فقد وقف أبو الحسن الأشعري موقفًا مشابهًا عندما وقف في المسجد بعد أربعين من انتمائه للمعتزلة، ثم قال مخاطبًا المصلين: "أيها الناس من كان منكم يعرفني فقد عرفني ومن لا يعرفني، فأنا أبو الحسن الأشعري وإنني قد رجعت عن الاعتزال".

كيف لي أن أنتقد الفكر الليبرالي اليوم وقد كنت أحد المعجبين به؟ يبدو لي أن هذه الجزئية لا تستحق الإطالة، فقد وقف أبو الحسن الأشعري موقفًا مشابهًا عندما وقف في المسجد بعد أربعين من انتمائه للمعتزلة، ثم قال مخاطبًا المصلين: "أيها الناس من كان منكم يعرفني فقد عرفني ومن لا يعرفني، فأنا أبو الحسن الأشعري وإنني قد رجعت عن الاعتزال".

الليبرالية مغرية في ملابسها الخارجية وخلاخلها، ولا شك أنها ستظل تُغري كل مُفكِّر حُر قلق متسائل. بل وكل شاب وشابة ممن يبحث عن الأجوبة بنفسه بعيدًا عن قيود التقليد والتبعية. إلا أن من عرفها -كمعرفتي بها- يدرك أن مظهرها الداخلي عندما تلقي ملابسها، شيء في غاية البشاعة.

هل انتقادي لليبرالية من باب نقد الذات ومحاولة إصلاح البيت من الداخل؟ جوابي هو: لا.

إنما هو وداع مفارق مبغض للزيف والخديعة، فالليبرالية قد تبدت لي كمشروع يسعى بأساليبٍ ملتوية لتدمير هذا الوطن. كيف؟

لقد بدأ تشكُّل الفلسفة الليبرالية في القرن السادس عشر في إنجلترا وهولندا. وكان معناها في البداية حرية التجارة بعيدًا عن سلطة الملوك الذين كانوا يفرضون ضرائب جشعة على التجار.

ثم تطورت شيئًا فشيئًا لتكون ثورة على رجال الدين وسخرية منهم، كما كان يفعل الفرنسي فرانسوا فولتيير، والذي كان اتباعه يطيرون كل مطير بكتاباته التي تسخر من كل شيء، لكنها لا تقدِّم أي شيء.

ثم انتهت الليبرالية بتشكل النظام الرأسمالي الربوي الذي كرَّس طبقية شنيعة أسوأ من طبقية زمن الاقطاع.

عندنا في المملكة، دخلت الليبرالية كمنتج مستورد من الخارج ليدخل من جمارك التنوير الديني.

فالكاتب الإسلامي الذي يدعو لتطوير الفقه وإخراجه من مدرسته القديمة، يُعتبَر عند البعض ليبراليًا، بنسبةٍ ما. ولذلك كثُر المنتسبين إليها واستطاعت أن تخترق المشهد الثقافي بسبب هذه (الخطة الحِرباوية) وهذه الهلامية التي تجعل تسليط الضوء عليها صعبًا والانخداع بها سهلًا.

ثم أصبحت الليبرالية بوابة لكل عدوٍ كارهٍ لمجتمعنا ساعٍ لتفتيته. فكل من يكره شخصيتنا ومذهبنا ومنهجنا وديننا، لم يكن يحتاج إلا أن يقدم نفسه على أنه "ليبرالي" لكي يأخذه الليبراليون بالأحضان ويوجهون له الدعوات ليكون واحدًا منهم، واحدًا من المثقفين المتحررين من التقليد، المحبين للحياة والإنسانية... إلخ.

لكن عندما تكشفت الأمور عند من تكشفت لهم، وأنا منهم، فإذا بكثيرٍ ممن يدَّعي هذا اللقب باعتزاز كبير ليس سوى عدو موالي لأعدائنا، بل واحد من اتباع مخلصين لهم. ولعل أولى تلك الصدمات في الليبراليين المزعومين هو خروجهم في 2006م يُطبِّلون ويُهلِّلون لحزب الشيطان الذي يسمي نفسه كذبًا وزورًا "حزب الله" - بدعوى أن حزب نصرالله هو الحزب المسلم الذي تحدّى إسرائيل وصمد في وجهها.

هذا التمجيد المستمر للصفويين، وهذا القدح المستمر فيما يُمثِّل هويتنا والمذهب السني تحديدًا، مثل: (صحيح البخاري، عمر بن الخطاب، السلفية، الوهابية) جعل المشهد يشبه السهم الصاعد والسهم النازل عند مرتادي المنتديات الليبرالية على الشبكة العنكبوتية. وهذا ما يجب أن ينتبه له كل غافل، أن هناك من يحاول أن يمسخ هويتك أنت، لكي تكون صيدًا سهلًا له هو.

وما حل بعراق العرب منذ 2003م إلى الآن - هو نموذج حي لنتائج الليبرالية التي أتحدث عنها هنا. لقد أسقط صدام حسين وحوكم وأعدم باسم الليبرالية والتحرير من الطغيان والانتصار لحقوق الإنسان. ليحل محلّه هؤلاء الصفويون الذين جعلوا الوضع في العراق أسوأ بكثير مما كان في زمن صدام.

من حق الباحث أن يناقش ويدرس أي ظاهرة أو أي مذهب، لكن بشرط الحياد والعلمية. والحياد والعلمية لن تراها وأنت تزور المنتديات الليبرالية على الشبكة العنكبوتية، بل سترى أنك في حصن معادٍ لكل ما تعنيه لك هويتك. أما شبابنا، فستجد أنك أمام مجموعة من حاطبي الليل، ومن المعلوم أن حاطب الليل تلتوي الأفعى في ساقه وهو لا يدري.
مشكلة الليبراليين السعوديين الحقيقية تكمن في أنهم لا يملكون القدرة على الانطلاق من الذات. لا بد أن يكون تابعًا.

كيف ينطلق من الذات وقد انفصل عن هويته؟ فلو قلت مثلًا أنك تريد أن تكون ليبراليًا لكنك تريد أن تبقى عدوًا لإسرائيل وتحلم باستعادة فلسطين، فإنه سيقال لك إن هذا غير ممكن، لأن هذه أحلام إسلامية محافظة وليست ليبرالية. إذن لا بد أن تكون تابعًا بالكامل للمشروع الصهيوأمريكي وإلا فلن تكون ليبراليًا حقيقيًا.

-----------------------
صحيفة الشرق، العدد: [94]، بتاريخ 7/3/2012م.

 

خالد الغنامي

المصدر: صحيفة الشرق
  • 0
  • 0
  • 569

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً