التفكير فريضة إسلامية ـ مناقشة لـ عباس محمود العقاد (الحلقة الثانية)

منذ 2009-06-26

ماذا يفعل العقاد؟ يستدل بالتاريخ، وليس فقط بل ويدعي أن التاريخ هو الكتاب والسنة!!


بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

التفكير فريضة إسلامية ـ مناقشة لـ عباس محمود العقاد.
الحلقة الثانية


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن أحبه واتبع هديه:

أَتى العقاد على السفسطة، والفلسفة في الحضارة اليونانية القديمة، وكيف أنها صارت إلى جدالٍ يضيع الوقت والجهد، ثم انثنى على الإسلام يبين أن الشريعة لم تُحرم سوى الجدل العقام ـ على تعبيره ـ الذي لا يهدف لشيءٍ، يقول: "وكل ما ورد عن علماء الإسلام الذين حرموا الجدل فإنما ينصرف إلى منع هذه اللجاجة التي لمسوا شرورها وتحققوا من جريرتها ولم يلمسوا معها منفعة" (1)، ويقول: "وعلى كثرة الفقهاء الذين عرضوا لهذا الموضوع لا تجد واحداً منهم قصد بالمنع أو التحريم شيئاً غير هذا الجدل العقام الذي يمزق وحدة الجماعة ويصرف العقل عن الفهم ويأتي إلى المعنى الواضح فيغمضه ولا يتفق له يوماً أن يأتي للغامض فيجلوه ويقربه لمن خفي عليه" (2).

ثم يمارس نوعاً من الحصر للقارئ فيذكر أن اثنين من العلماء (الغزالي وابن تيمية) هم من تعرضوا لقضية المنطق (المجادلة بالعقل)، وأنهم تعرضوا لها للتصحيح والتنقيح وليس للرد (3).

يدعم بذلك فكرته الأولى، (إعمال العقل)، فيقول ضمناً ـ بل يصرح ـ بأن الشريعة لا تمنع إعمال العقل والمناقشة من أجل الوصول للحقيقة، وأن هذا حال المنتسبين للشريعة.

عباس العقاد يتعرض لقضية (الجدال) لأمر آخر، وهو الدلالة على تعظيم العقل، وقد بينت أمر العقل وأننا لا نفرده ولا نطرده وإنما له مسار محدود يسير فيه على اعتبار أن العقل محدود الإمكانات. والآن أبين قضية الجدال.

طرفان ووسط:

يوجد ثلاث حالات لتناول المسائل العلمية (النظرية تحديداً): مراء، وجدال، وترك للحوار بالكلية.

المراء إفراط، وترك الحوار بالكلية تفريط، والوسط هو جِدالٌ مشروط.. جدالٌ بالتي هي أحسن {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [سورة النحل: 125].

المراءُ نوعٌ خاص من الجدال، يزيد على طلب الحق، فيه مشاحنة ومخاصمة بين الطرفين، كل واحد منهم ينزع ما بيد صاحبه (4).

المراء حالة لا يراد فيها الحق، وإنما يراد فيها الغلبة على الخصم، تكون هناك نتائج ( مفاهيم ).. مسبقة يُقرأ النص من أجل الدلالة عليها.. أو يقرأ النص ليؤتى به شاهداً عليها، وقد نهينا عن المراء، «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» (5).

والحق واضح أبلج، ولا سبيل للمراء إلا باتباع المتشابه أو بافتعاله، إذ أن الكلام في المتشابه لا ينضبط، وخاصة إن قل علم الخصم.

المحكم والمتشابه (6):

نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من حيث الإحكام وعدمه على ثلاثة أقسام: منها ما هو محكم حقيقي، ومنها ما هو متشابه حقيقي، ومنها ما هو محكم إضافي.. ويقال له أيضا متشابه إضافي.

المحكم الحقيقي هو: الذي لا يحتاج لغيره لبيان معناه، وهو الغالب الأعم.. هو أم الكتاب كما قال منزل الكتاب، ولله الحمد.

والمتشابه الحقيقي: هو الذي لا يتضح معناه ولا بغيره، وهو قليل جدا في القرآن الكريم، ولا ينبني عليه حكم شرعي، فقط يُطلب فيه التسليم بأنه من عند الله.

والمتشابه الإضافي أو المحكم الإضافي: هو الذي يحتاج لغيره لبيان معناه، مثل المطلق مع مقيده، والعام مع مخصصه، والمنسوخ مع ناسخة، وهكذا. فهو وحده متشابه، وحين ينضم إليه غيره يصير محكما.

يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [سورة آل عمران: 7].

والمقصود أن الذين يمارون هم الذين يقفون في المتشابه الذي لا يتضح معناه، أو يفتعلونه من خلال المتشابه الإضافي، أو ما يقال له المحكم الإضافي، أو من خلال البتر للنص من سياقه القولي أو الفعلي، أو من خلال تحريف المعنى، كما يفعل النصارى (7).

والمقصود أن من يفعل هذا هم الذين في قلوبهم مرض، هم الذين في قلوبهم زيغ، كما وصفهم ربهم سبحانه وتعالى، ويفعلون ذلك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.

والذين يتركون النقاش بالكلية هم أصحاب البدع العملية في الغالب كالمتصوفة (8)، لا يناقش.. يلوذ بالفرار من النقاش ويرمي في وجه كل من يتحدث إليه بجزء من حديث وابصة ـ رضي الله عنه ـ (استفت قلبك وإن أفتوك ).

فالشريعة تقف للمراء، وتسمح لجدالٍ بالتي هي أحسن، وتستدعي أهل العزلة إلى النقاش والحوار ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حي عن بينة. والشريعة تعرف الدعوة إلى الله، مجادلةً لدعوة الناس إلى الله، لا مصالحة مع الباطل والتقاءٍ معه على المشترك.

والعقاد بعيد عن هذا... العقاد في وادٍ آخر، يتكلم عن أن المراء ممنوع ليقفز مباشرة إلى أن كل من كان ذو هدفٍ له أن يتكلم كيفما شاء .وأن يعمل عقله حيث شاء. يوطد لإباحة ما حرم الله بدعوى أنه الجدال المشروع، وإعمال العقل المشروع في الشريعة.


الاستـــــــــدلال بالتاريــــــــخ

قبل المناقشة أريد أن ألفت نظرك ـ أخي القارئ ـ إلى طريقة الاستدلال التي ينتهجها عباس العقاد.

يعتمد في استدلاله على التاريخ، وليس الكتاب والسنة، يأتي بما في التاريخ ويدعي أن ذلك لا بد أنه هو حقائق الكتاب والسنة، يقول: "ولم يكن هذا الدليل الواقعي من روح الإسلام مقصوراً على وطن أو سلالة فيقال إنه مستمد من تراث ذلك الوطن أو تلك السلالة، ولكنه عمَّ بلاد المسلمين جميعاً في عصور كثيرة فلا يرجع به المؤرخ المنصف إلى وحي غير وحي الكتاب الكريم" (9).

ماذا يفعل العقاد؟
يستدل بالتاريخ، وليس فقط بل ويدعي أن التاريخ هو الكتاب والسنة!!

قلتُ: والاستدلال بالتاريخ من المكر الكبار الذي يمارسه المستشرقون وإخوانهم من بني جلدتنا (المستغربون)، والاستدلال بالتاريخ إحدى الركائز الكبرى التي يعتمد عليها المحاربون للشريعة الإسلامية (من الكافرين والمنافقين).

كتبوا التاريخ بطريقة فاسدة، عن طريق إظهار الشواذ في الفكر والسلوك من أمثال حركات التمرد على الخلافة الإسلامية والملحدين من زنادقة القرون الأولى ومن الفلاسفة بعد ذلك؛ أو استغلوا أن مَن دونوا التاريخ سجلوا فقط الأحداث، ثم راحوا بعد ذلك يقرءون الأحداث بخلفياتهم الفاسدة، ويستدلون بها على ما يحدث اليوم.

ومن المسلم به أن أحداث التاريخ تُحاكَم إلى الشريعة الإسلامية لا أنها يؤخذ منها الأحكام الشرعية، أو نحاكم إليها الأحكام الشرعية.

وشيء آخر يفعله العقاد هنا حال الاستدلال على ما يذهب إليه في قضية (الجدال): يأتي بأقوال نفر يسير من أهل العلم مدعياً أن لم يتكلم في القضية إلا هؤلاء، ولا يناقش إلا يسيراً جداً.. فقط يعرض بعضاً مما عندهم ويدور حوله موهماً القارئ أنهم لم يخالفوه وأنه لا يخالفهم في شيء، ثم بعد ذلك يستنبط على هذه المقدمات الفاسدة أشياءً أفسد منها!!

طريقهُ مغلوطٌ.. معوجٌ.. مظلمٌ.. سكنته الهوام.. فاعرفه ولا تسر فيه، وإن نادى عليك.. ونادى عليك، أو نادى عليك أتباعه.

أخطأ في التصور، وأخطأ في الاستدلال، وبالتالي خرجت النتيجة خاطئة آثمة لا يرضى بها شريف.

ما لم يأتِ به الأوائل:

كان العقاد ـ ولا زال ـ منفرداً ، يحب التميز ويبحث عنه ، وقد رأينا أن الرجل متفرد في كل شيء ، رأى الناس تسير في طريق سهل ٍ ذلول فارتقى صعباً وأقسم أن يسير فيه، ولذا ما سار إلى غير بعيد، ولن يسير إلى غير بعيد!!

رأيناه وهو يدافع عن (بولس ـ شاؤول)، ورأيناه وهو يدافع عن كتاب النصارى، ويمتدح غاندي الهندي عابد البقرة، ورأيناه وهو يتطاول على الكرام صحابة خير الأنام ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ورأيناه.. ورأيناه.. دائماً بعيد.. غريب...

وفي هذا الكتاب أتى العقاد بما لم يأت به الأوائل من الحاملين للواء الدين ـ ولو ادعاءً كما العقاد ـ، عَقَدَ العقَّاد فصولاً عن (الفلسفة) و (العلم الحديث.. التقني) و (الفنون الجميلة) و (المعجزة) و (الأديان) و (الاجتهاد في الدين) و (التصوف) و (المذاهب الاجتماعية والفكرية كنظرية التطور والوجودية) و (العرف والعادات).

القاسم المشترك بينها أنها قضايا كانت ثائرة في واقع العقاد، كانت قريبة من العقاد وهو يكتب، نشرها المستشرقون، وأوقعوا أهل (الفكر الإسلامي) في حصر وهمي، دفعوهم لمناقشتها والموافقة عليها حتى لا يرمون بالتخلف والرجعية.. الخ، وقد استجاب نفر منهم عباس العقاد، أقنع الناس بأن العقل هو المركوب الوحيد للوصول إلى حقائق الدين، ثم ركب عقله وانتهى إلى أن كل واحدةٍ من هذه لها من الدين مظلة، أو لها مكان تحت مظلة الدين!!

ويستدل بالتاريخ فـ "دولة الإسلام كانت أرحب الدول صدراً وأسمحها فكراً مع الفلسفة على عمومها والفلسفة اليونانية في جملتها" (10)، "ومن أصيب منهم يوماً بمكروه فإنما كان مصابه من كيد السياسة ولم يكن من حرج الفلسفة أو حجر على الأفكار" (11).

وهذا الكلام باطل، ولا يحتاج لمن يشهد على بطلانه، فمن قلة العقل أن يقال أن وجود الخارجين على الشريعة في التاريخ دليل على صحة مذاهبهم... أليس كذلك؟!

فمن يقرأ التارخي لا يجد هذه المذاهب ولا الداعين إليها محل ترحيب من عوام المسلمين وخواصهم، فمما يعرفه الجميع أن رؤوس أصحاب الفرق والمذاهب أصيبت ديانةً لا سياسةً، كالجهم بن صفوان، والجعد بن درهم والحلاج؛ ومما يعرفه الجميع أن نفراً غير قليل من الشعراء والأدباء قتلوا بتهمة الزندقة، كبشار بن برد وابن المقفع، بل إن من أشهر ما يمكن رصده في أحداث القرن الثاني الهجري هو (الزندقة).. الاتهام بها وقتلُ نفرٍ بتهمتها.

والمستشرقون معوجُّون في حديثهم عن الزنادقة، فمرةً يقولون بأنها كانت تصفيات سياسية باسم الدين، وما كانت كذلك، فما قتل الجعد سياسياً، ولا الجهم، ولا بشار بن برد، ولا ابن المقفع.

ومرةً يستدلون بهؤلاء على وجود المذاهب المنحرفة في العصور الأولى، كما يفعل العقاد هنا وهو يدلل على شرعية الفلسفة بوجودها في أحداث التاريخ.

والحقيقة غير ذلك.

الحقيقة أن المنحرفين لم يلقوا ترحيباً من أحد، ودعوى أن تصفيتهم كانت سياسية دعوى خاطئة تنهض بنفسها ولا بغيرها.

والحقيقة أن فصل الدين عن السياسة لم يكن موجوداً في هذه الأيام، كانت كلها شرعية، ولم يكن مصطلح السياسة قد ظهر بلفظه أو بمعناه (12).

بل إن العكس هو الصحيح، فقد كان هناك تآمر على الشريعة الإسلامية، حتى أن كل الفرق التي ظهرت في الملة أصولها من الكافرين، وإن رحت تستقصي الأفكار الهدامة التي دخلت الإسلام تجد أن أصلها من الكافرين.. يهود وغيرِ يهود، أثَّر اليهود ـ أو الكافرون عموماً ـ في نفرٍ من الكارهين لبعض ما أنزل الله أو بعض المغرضين أو مرضى النفوس الذين يبحثون عن ذواتهم من خلال الدعوة إلى الله (المنافقين)، مثلا بدعة القدرية (أن الإنسان حر في اختياره) أوَّلُ من تكلم بها سَوْسن في العراق وهو نصراني عراقي أسلم ثم ارتد ثانية إلى الكفر، هذا الكافر المرتد تكلم بالقدر وأخذ عنه معبد الجهني (13).

ثم جاء بعده غيلان القدري وكان بليغا فتكلم وأكثر، وناظر الضعفاء؛ وعاند العلماء. والشيعة بدأها بن سبأ اليهودي، بعد أن دخل في الإسلام وتقمص دور (المؤمنين) وتعامل مع مرضى النفوس (المنافقين) والغافلين المتحمسين، فكان ما كان. وبدعة الجبر (أن الإنسان مجبور) والإرجاء في الإيمان (14)، والتعطيل في الأسماء والصفات ظهرت على يد الجهمُ بن صفوان وشيخه الجعد بن درهم، كانت أسانيدهم (ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة) (15)، حتى الفلسفة والعلوم الأخرى التي دخلت للإسلام وأظهرت في المذاهب الفكرية المنحرفة، كان للآخر علاقة بها، متعاوناً مع الذين في قلوبهم مرض. وهذا يظهر أثر مخالطة المبتدعة، والضالين.

فهناك نفوس تشرب البدعة وتأبى إلا ذلك، هذه نفوسُ المنافقين، ويتصل بها (الآخر) بقصد ـ وهو الغالب ـ أو بدون قصد، ويقوم بتفعيلها لتحدث الفتنة في صفوف المؤمنين.

ولهذا السبب تأثر الفكر الإسلامي بالأفكار الأخرى مع أننا كنَّا الغالبين، والغالبُ في الغالبِ لا يتأثر بالمغلوب، وإنما أتينا من قبل المنافقين ـ مرضى القلوب ـ؛ اتصل (الآخر) بمرضى القلوب أو اتصلت بهم القلوب المريضة فشربت من حياضهم ثم عادت إلينا، تروي المهزومين والمتطفلين بما ارتوت به.

وعلى عجالة أضرب لك بعض الأمثال ولا تعجل فهذا من صلب ما تكلم فيه العقاد.. إنه الفكر خبيث في جملته يتسلل من كل طريق:

ابن المقفع، كان (أحد البلغاء والفصحاء، ورأس الكتاب) وكان الخلفاء يبحثون عن المتميزين، ويغضون الطرف قليلاً وكثيراً عن خلفياتهم العقدية، فأسلم هذا الفصيح البليغ الماهر كبيراً، وقام بترجمة كليلة ودمنة، وكان هذا الرجل أصل كل زندقة في هذا العصر، يقول الخليفة محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور: "ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع" (16).

وكان خلفاء الدولة العباسية ـ المنصور والذين جاءوا من بعده ـ يتخذون أطباء من النصارى، وكان الطب يومها مقترناً بالفلسفة وبعلم الكواكب (الفلك)، وكان هؤلاء الأطباء يترجمون بأمر الخلفاء الكتب إلى العربية للإفادة منها ـ بزعمهم ـ ، ولم يكن هؤلاء الأطباء فقط أطباء بل وفلاسفة ولهم مجالس عامرة، ولهم حظوة عند الخلفاء (17)، ومن هنا تسللت الانحرافات الفكرية إلى المسلمين، عن طريق الآخر الذي كان يترجم كتب قومه، وعن طريق من أعجب بقوله من المنهزمين، ومن المنصرفين عن دينهم، المنافقين. والآخر يبحث عن هذه النوعية دائماً.. يبحث عن من لهم ولاءات متعددة داخل المجتمعات الإسلامية، سواءً أكان هذه الولاءات عرقية (كردي)، (بخاري)، (تركي).. أو ولا ءات (تربوية) (فكرية).. مبتعث تأثر بالغرب مثلاً.

وإن تدبرت في الذين قاموا بالتحولات الفكرية في مصر وجدت جلهم ممن لهم ولاءات أخرى يناهضون بها الأنظمة أو المجتمع أو الدين.

كان بعضهم من أصولٍ أجنبية مثل (قاسم أمين) على فصاحته وحسن بيانه، (المازني)، (جمال الدين الإيراني)، (عباس العقاد وكان كردي الأصل يفاخر بأصله الكردي).

وكان بعضهم لهم ولاءات دينية دخلوا بدعوى (الانفتاح) و(الحرية) و (الأدب)، كـ (مي زيادة)، و (سلامة موسى) و (مرقص فهمي) وهو صاحب كتاب قاسم أمين على الحقيقة هو والدوق الفرنسي. ومثل (جوزيف قذى) و (شيخو).

ذلك، وليست دعوة للتعصب لجنس معين.. أبداً، وإنما: إشارة إلى ذوي الولاءات المتعددة، حتى لا نكثرهم بالبعثات، وفتح الأبواب لهم، فديننا لا يعرف الجنسية، والوزن بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سورة الحجرات: 13]، وعلماء السلف جلهم من غير العرب، وحماة الدين بعد جيل الصحابة والتابعين من غير العرب، فليست عربية وإنما إسلامية تشير إلى ذوي الولاءات المتعددة كي نحذر منهم كان عرباً أو كانوا عجماً.

والمقصود هو بيان أن هؤلاء الخارجين على الدين.. رؤوس المذاهب لم يكونوا محل ترحيب، ولم يكونوا ممن يريدون الخير بل يريدون هدم الملة.

والعجيب أن عباس محمود العقاد يعرف هذا الأمر ويشير إليه، يقول: "وربما كمنت السياسة وراء دعوات المتفلسفين كما كانت وراء المصادرة من جانب الدولة وحكامها؛ لأن الزندقة التي كانت تتستر بستار الفلسفة إنما كانت في ناحية من نواحيها ثورة مجوسية ترمي إلى هدم الدولة الإسلامية وإقامة الدولة الفارسية في مكانها" (18).

الذي حصل: أنه بعد ضعف الدولة الإسلامية، وتسرب فكر علماء الكلام إلى الخلفاء (كالمأمون على سبيل المثال)، وجد هؤلاء متنفس، وصار لهم نوع من (الشرعية) المستمدة من السلطان، وليس من الشريعة الإسلامية.

الذي حصل أن عامة المثقفين مَلُّوا الخلاف والجدال فمالوا إلى الوسط بين الحق والباطل، فجاءنا باطل جديد انتشر بدعوى الوسطية.

الذي حصل أن نفوساً مريضة تحب التطفل، وتحب الغريب وغير المألوف، ذهبت إلى القوم بلا أي دافع سوى تعلم الغريب الشاذ، فحملت منهم وجاءت عندنا وباضت وفقس بيضها وشب فراخها.

هذا الذي حصل، واضح جلي في كل صفحات التاريخ.

وجاء عباس العقاد من بعدهم يقول: "لو لم يكن وجودهم هو صريح القرآن لما وجدوا"!!
كعادته يستخف بعقل من يقرأ!!

وقد أطال بن تيمية وابن القيم وغيرهم من علماء الإسلام في التصدي لأهل الفلسفة وأهل الفرق..، ولا أطيق حمل كتابات شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم، والغزالي ـ رحمهم الله ـ ، وغيرهم، ووضعها هنا ملخصة في هذا البحث، ولا يطيقه القارئ، ولكن من شاء فليرجع إلى (درء تعارض العقل والنقل) وغيره، إذ جل ما كتب الشيخان في هذا الموضوع.

وما لي بمناقشة وضع الفلسفة في الفكر الإسلامي من حاجة ها هنا، ولا كان للعقاد بها حاجة حين تناولها في كتابه (التفكير فريضة شرعية) غير التدليل على أن وجودها في التاريخ الإسلامي أمارة على حرية التفكير في الإسلام، وهو كلام باطل كما مضى.

أبو جلال محمد بن جلال القصاص
الأحد/‏30‏/05‏/1430
‏24‏/05‏/2009



--------- الهوامش ------------

(1) موسوعة عباس العقاد الإسلام/ دار الكتاب/ المجلد الخامس/ دار الكتاب ـ بيروت / طبعة 1971 / 857 ـ 859.

(2) التفكير فريضة إسلامية/ 858.

(3) ص 858، 859.

(1) يذكر صاحب مقاييس اللغة أن المراء يدور على أمرين : (مسح شيءٍ واستدرار) و (على صلابة في شيء). انظر مقاييس اللغة مادة مرى / 5/252.

(2) أبو داود /4802 ، وانظر السلسلة الصحيحة 1/272، وربض الجنة أطرافها.

(3) أفضل من يقرأ له في المحكم والمتشابه هو الشيخ الدكتور عابد السفياني، وله أطروحات على الشبكة العنكبوتية، وأكتب من حفظي، وما منعي من التوثيق كسل، وأعلاه من الموافقات للشاطبي، وإعلام الموقعين، والقواعد الفقهية لابن عثيمين.

(7) في كتاب (الكذاب اللئيم زكريا بطرس وهو من جزئين) أكثر من مائة صفحة فيها بيان كيف تتكون شبهات النصارى، وأمثلة من كذبهم، وهي تصلح للاستشهاد هنا، وهذا كله من المحكم الإضافي.

(8) احتار العقاد في تأصيل معنى الصوفية في كتابه هذا (التفكير فريضة إسلامية)، وأتى على صوفة الذي كان يجيز الناس بعرفة ومنى في الجاهلية، وكلامه متخبط ولو يسع المقام أفردت له نقاشاً خاصاً ، وخير منه في هذه النقطة جواد علي في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.

(9) التفكير فريضة إسلامية/ 876.

(10) ص 873.

(11) 874.

(12) السياسة من (ياسة.. كتاب التتار) أضيف إليها حرف السين ثم (أل) التعريف، وظهرت بعدد التتار.

(13) ذكر ذلك الحافظ الذهبي في ترجمة معبد الجهني في سير أعلام النبلاء 4/187.

(14) ذكر الدكتور سفر الحوالي في كتاب (الإرجاء) أن إرجاء الفقهاء ظهر قبل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، وإنما عنيت هنا البدعة التي يفسق صاحبها أو يكفر في الإيمان وفي الأسماء والصفات والتي تسللت للدين عن طريق الجهم والجعد.

(15) الفتاوى 5/6.

(16) يروي هذا الحافظ الذهبي في ترجمة ابن المقفع في سير أعلام النبلاء 9/412، وأخبار ابن المقفع مشهورة.

(17) انظر ترجمة يوحنا بن ماسوية الأعلام للزركلي 8/211، 210

(18) التفكير فريضة إسلامية/ 875








المصدر: طريق الإسلام
  • 1
  • 0
  • 9,128

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً