الوقف ... حقائق شرعية

منذ 2016-01-21

هذه الحلقة سنخصصها للحديث عن الوقف وحقائقه الشرعية.

يمتاز الوقف الإسلامي بأنه زاخر بحقائق مدادها نظام رباني، وتطبيق نبوي، وسنة متبعة في العهود الإسلامية؛ كثر خيرها وتوافرت دررها منذ القرن الأول، وإلى يومنا الحاضر.

وقد شُرع الوقف لتحقيق غايات ومقاصد من شأنها حفظ ضرورات الحياة بما يُصلح الدين والدنيا، وبما يوفر الحياة الكريمة ومتطلباتها وضروراتها، وأخرج بمؤسساته ومشاريعه وتطبيقاته على مر العهود الإسلامية نماذج وروائع يقف أمامها القارئ وقفة تقدير وإعجاب.

حقائق الوقف الإسلامي حقائق مضيئة وإشراقات منيرة؛ ننتقيها لنحيي بها سنة الوقف التي سنها رسولنا صلى الله عليه وسلم، وندفع بها الهمم والنفوس للبذل والعطاء، لاستئناف مسيرة الوقف الإسلامي من جديد؛ جمعناها وغايتنا نشر ثقافة الوقف، وإحياء سنتة، وترغيب المسلمين للمساهمة في كل مجالاته ومساراته.

حقائق؛ شهد بها أهل العلم والاختصاص، ووثقها الرحالة والمؤرخون من المسلمين وغيرهم، لتحفظ لنا الذاكرة والتاريخ، لتبقى مفعمة بالخير والعطاء، وتثير الفخر في النفوس لاستمرار المشاريع الوقفية.

في هذه الحلقات نظمنا بعضاّ منها في عقد درّته " الوقف الإسلامي ودوره الحضاري"، لحفظ كنوز الوقف وروائعه وإشراقاته وإبداعاته، ليبقى الوقف الإسلامي بتشريعاته وأحكامه وخصائصه ومخرجاته لبنة أساس في نهضة المجتمعات والأمم.

وهذه الحلقة سنخصصها للحديث عن الوقف وحقائقه الشرعية:

1. الوقف الإسلامي؛ تشريع رباني، جمع بين الرحمة والنعمة، فمقاصده عظيمة، ومنافعه وفيرة، ومجالاته متعددة، وحاجاته متجددة، يحقق للعباد المنافع الدنيوية، والأخروية، فهو سبيل من سبل السعادة في الدنيا، والآخرة، ترفع فيه الدرجات، وتكفر فيه السيئات، ويدوم معه الأجر بعد الممات.

2.  الوقف؛ نظام إسلامي شرع بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وشمل كل مناحي الحياة التعبدية، والتعليمية، والثقافية، والإنسانية، والإرشادية، والمعيشية والإغاثية، والمصلحة تقتضيه، لما فيه من منفعة للواقف باستمرار وصول الثواب إليه، ومن المنفعة للموقوف عليه بانتفاعه بالموقوف، مع حفظه وعدم تمكينه من استهلاكه.

3. الوقف الإسلامي؛ امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى بالإنفاق والتصدق والبذل في وجوه البر، وامتثالٌ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس أصلها وتسبيل منفعتها؛ وهو وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيره، وتكفير الذنوب ومحوها .

4. الوقف الإسلامي؛ شرع لحكم عظيمة، ففيه منافع للعباد والبلاد، تنمو بوجوده، وحسن رعايته، وإدارته المجتمعات، وتحفظ بمؤسساته كرامة الأمة وعزها، ويرتقي به العلم والتعليم، وفيه إعانة الأرملة والمسكين، والصغير والكبير، والصحيح والمريض، كلٌ بما يحتاجه.

5. الوقف الإسلامي؛ سنة متبعة في العهود الإسلامية، دعا إليه العلماء، واجتهد في فقهه الفقهاء، وتنافس في تجديده أهل الهمم والعطاء، فكان له الدور الأكبر في الحضارة الإسلامية، وفي نماء الخلافة واستمرارها، ووقوفها من بعد كبوة.

6. الوقف الإسلامي؛ أنواعه ثلاثة: خيري: ما يصرف ريعه إلى جهة خيرية، كالفقراء والمساجد والمدارس والمستشفيات ونحوها، أو أهلي أو ذُرِّي: ما جعلت فيه المنفعة على نفس الواقف، أو أقاربه، أو شخص معين. أو مشترك: ما يجمع بين الوقف الأهلي والخيري؛ يوقفه الواقف على جهة خيرية، ولأقاربه ثم لأبواب الخير من بعدهم.

7. الوقف الإسلامي يمتاز بالتنوع، فهو يلبي الحاجات المادية، من مأكل ومشرب، وملبس، ومسكن، وعلاج، والحاجات المعنوية، من تعليم، وتثقيف وتطوير، والحاجات النفسية: من إدخال السرور، ومعالجة مشكلة الفقر، والوفاء بحاجات المجتمع، ومن أبرز سماته الاستمرارية والديمومة.

8. الوقف الإسلامي؛ أفضله ما كان أكثر نفعاً، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان، ومدى الحاجة إليه، فأفضله ما عمّ نفعه ودام ظلّه، جاء في "إتحاف الأحلاف في  أحكام الأوقاف": "إن أفضل الأوقاف وقف شيء، يحس الناس أنهم بحاجة ماسة له"[1].

9. الوقف الإسلامي؛ مقاصده، وغاياته لم تدركها أمة من الأمم، كما أدركها المسلمون، فهو تشريع من عند الله تعالى، وقد امتثل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وصايا النبي، وطبقوها تطبيقًا علميًا، فوقف الصحابة رضوان الله عليهم الأوقاف ابتغاء مرضاة الله تعالى.

10.  الوقف الإسلامي مشروعٌ يتمتع بالأصالة نقلًا، ومرغوبٌ فيه عقلًا، ومحبوبٌ نفسًا، ومطلوب فعلًا، ومقصودٌ تقربًا، ومحفوظٌ أصلًا، ومستمرٌ عطاءً، ومتسعٌ بابًا، ومضمونٌ بقاءً، ومتنوعٌ مجالاً،  تأخذ الألباب دقةً وروعةً ، تفردت بنتاجها الحضاري عن سائر الأمم .

وأختم حديثي بما قاله العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله بأن: "الوقف من أفضل القرب وأنفعها إذا كان على جهة بر، وسلم من الظلم .. وأفضله : أنفعه للمسلمين"[2].
_______________________
[1] - إتحاف الأحلاف في  أحكام الأوقاف، عمر حلمي، ص5،  اسطنبول 1307هـ .
[2] - منهاج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، باب الوقف، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، ص 62-63.

عيسى صوفان القدومي

- بكالوريس - تربية 1987م . - ماجستير - دراسات إسلامية 1998م . - دكتوراه - التاريخ والفكر الإسلامي 2012م.

  • 0
  • 0
  • 2,956

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً