نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

المسيح الدجال - [7] المبحث الثاني: اختلاف حول الدجال

منذ 2016-03-17

تقدم معنا الحديث عن فتنة المسيح الدجال، ولعظم فتنته افتتنت به أقوام في القديم والحديث قبل خروجه، فأنكروا وجوده، ومنهم من أنكر خوارقه، وهذا خلاف للنصوص الصحيحة المتواترة الصريحة في إثبات خروج الدجال.

المطلب الأول: هل الدجال حقيقة أم خرافة؟ الدجال بين المثبتين والمنكرين

تقدم معنا الحديث عن فتنة المسيح الدجال، ولعظم فتنته افتتنت به أقوام في القديم والحديث قبل خروجه، فأنكروا وجوده، ومنهم من أنكر خوارقه، وهذا خلاف للنصوص الصحيحة المتواترة الصريحة في إثبات خروج الدجال.

قال النووي عن القاضي عياض: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، وإتباع كنوز الأرض له، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى عليه السلام، ويثبت الله الذين آمنوا، هذا مذهب أهل السنة، وجميع المحدثين، والفقهاء، والنظار، خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره".

وقال قوام السنة الأصبهاني: "وأحاديث الدجال ثابتة متواترة يجب الإيمان بها"، وقال الآجري في كتابه الشريعة: "كتاب التصديق بالدجال، وأنه خارج في هذه الأمة"[1].

فأحاديث الدجال ثابتة متواترة، ويجب الإيمان به، ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب به، وأخبر أن هناك من سيكذب به، وفي الأثر، عن عمر رضي الله عنه قال: «إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبالدجال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا»[2].

المكذبون بالدجال فريقان:
1. فريق كذب بوجوده وحقيقته، وقال: إنما الدجال من الدجل والكذب، وهو رمز للخبث والشر، فهؤلاء ردوا النصوص، وكذبوا بها بحجج عقلية لا تستقيم، وهم: الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة قديماً، حيث زعموا أن الدجال كل رجل خبيث[3].

وحديثاً: نجد هناك من رد النصوص الصحيحة الثابتة في ذكر الدجال، وكذب بها، وقال: إن أحاديثه موضوعة ملفقة، لا يقبلها العقل[4]، وقال الشيخ محمد عبده: "إن الدجال رمز للخرافات، والدجل، والقبائح"[5]، وتابعه محمد فهيم أبو عبية في تعليقه، وتحقيقه لكتاب النهاية لابن كثير حيث قال: "إن الدجال رمز لاستشراء الباطل، وليس رجلاً من بني آدم"، ويكفي رداً على هؤلاء ما تقدم في المبحث الأول من نصوص ثابتة متواترة في الدجال مما يجب الإيمان بها.

2. الفريق الآخر أثبت وجوده، وآمن بأنه خارج آخر الزمان، ولكن خالف في خوارقه، وما يجري على يد الدجال، وقال: إنها ليست حقيقة بل خيال، ومن هؤلاء البخاري المعتزلي، ومن وافقه وذكر ذلك السفاريني، عن ابن حبان  ونقل ابن كثير، عن ابن حزم، والطحاوي قولهما بأن ما يقع مع الدجال ليس له حقيقة واعتمد هذا الفريق على أدلة منها ما هو عقلي، ومنها ما هو شرعي.

فأما الدليل العقلي - وهو الذي اعتمده البخاري المعتزلي، وموافقوه - قولهم: إن كان ما مع الدجال حقيقة فيشتبه خارق الدجال مع معجزات النبي، ويدل على صحة دعواه، ولم يوثق بمعجزات الأنبياء؛ إذ تشتبه حينها مع خارق المدعي الكذاب.

وهذا غلط؛ لأن الدجال لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة، أو خوفاً وتقية من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة تدهش العقول، وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله، ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة.

ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته، ونبهوا على نقصه، ودلائل إبطاله.

وأما أهل التوفيق فلا يغترون به، ولا يخدعون بما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الذي يقتله، ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة.

أما الدليل الشرعي الذي تأوله من قال: إن ما مع الدجال خيالات وتخاريف وليست حقيقة:
أ. عن المغيرة بن شعبة قال: "ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته، وإنه قال لي: «ما يضرك منه؟»، قلت: "لأنهم يقولون: إن معه جبل خبز ونهر ماء"، قال: «بل هو أهون على الله من ذلك»[6]، قالوا: أهون على الله من أن يكون ما معه حقيقة، بل يرى ذلك وليس بحقيقة.

والقائلون بأن ما معه حقيقة وليس بخيال يؤولون قوله صلى الله عليه وسلم: «بل هو أهون على الله من ذلك»، أي هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلاً للمؤمنين، ومشككاً لقلوب المؤمنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض، فهو مثل قول الذي يقتله الدجال: ما كنت أشد بصيرة مني فيك، لا أن قوله: هو أهون على الله من ذلك  أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهون من أن يجعل شيئاً من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره، يقرؤها من قرأ، ومن لا يقرأ زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه.

والحامل على هذا التأويل أنه ورد في حديث آخر مرفوع، رجاله ثقات: «ومعه جبل من خبز ونهر من ماء»، وفي حديث آخر: «معه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من تبعه ومعه نهران»، فهذه النصوص تثبت أن مع الدجال خبزاً حقيقة وليس خيالاً، وتمطر السماء بأمره حقيقة لا خيالاً.

ب. أما الدليل الآخر الذي تأوله من قال: إن ما مع الدجال خيالات وليس حقيقة هو ما ورد في جنته وناره من قوله صلى الله عليه وسلم: «إن معه ماء وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار»، وفي رواية شعيب بن صفوان:   «فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس ناراً فماء بارد»، وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «وأنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار» (أخرجه أحمد).

فظاهر هذه النصوص يشير إلى أن جنة الدجال وناره ليست بحقيقة، بل خيال، لذلك قال بعض العلماء: قد يكون الدجال ساحراً فيخيل الشيء بصورة عكسه.

ومن قال: إن ما مع الدجال حقائق، وليست تخيلات قال: إن الله يجعل باطن الجنة التي يسخرها الدجال ويشعلها: ناراً، وباطن النار جنة، وهذا ما رجحه ابن حجر في الفتح.

وقيل: إن ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة، وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه فانعم عليه بجنة يؤول آخره إلى دخول نار الآخرة وبالعكس.

وعند النظر في النصوص التي ذكرت فتن الدجال وما يجري على يديه من خوارق، يرى أن بعضها حقيقة وصدق، وبعضها تخييل وتزييف كيف لا وهو الدجال الكذاب.

لذا أقول: إنه ليس كل ما مع الدجال وما يأتي به حقيقة، بل يكون منه ما هو دجل وكذب وتخييل؛ لما ثبت في الحديث من استعانته بالشياطين،  فيقول للأعرابي: «أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه فإنه ربك»، فهذا دجل وكذب، أما ما يأتي به من أنواع الأطعمة والأشربة فيكون معه جبل خبز ولحم وشراب، فهذا حق وليس بعجيب، فهذه أكوام القمح عند صوامع الغلال نراها كالجبال، فتكون فتنة في ذلك الوقت بذلك؛ لقلة العيش من جدب الأراضي وانحباس المطر، والله أعلم.

مما تقدم نعلم أن الدجال خارج في آخر الزمان، وأنه من أشراط الساعة الكبرى، وعلمنا أنه ما من نبي إلا أنذر أمته الأعور الدجال - أعاذنا الله من فتنته - فهل كان موجوداً حياً في سابق الزمان وما زال إلى أن يخرجه الله تعالى؟ أم أنه لم يكن شيئاً إلى أن خلقه الله عندما يشاء سبحانه خروجه؟ هذا ما سيبينه المطلب الآتي إن شاء الله تعالى.
-------------
[1] ([372]، وانظر في ثبوت خبره: معارج القبول [2/95]، شرح العقيدة السفارينية لمحمد المانع [224]، كتاب السنن الواردة في الفتن للداني [6/1143]).

[2] (مسند أحمد [1/223]، [برقم 156]، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح").
  
[3] (انظر: الحجة في بيان المحجة [2/416]، شرح مسلم للنووي [18/58]).

[4] (قال بذلك محمد فريد وجدي في دائرة المعارف القرن العشرين [8/58]).

[5] (انظر: تفسير المنار [3/317]، المسيحية لأحمد شلبي [61]).

[6] (صحيح البخاري كتاب الفتن، باب ذكر الدجال [13/89] فتح).  

  • 0
  • 0
  • 916
المقال التالي
[8] المطلب الثاني: حياة الدجال ووجوده الآن (هل الدجال حي الآن؟)
المقال السابق
[6] المطلب الرابع: مدة مكثه في الأرض، وأتباعه، ونهايته
i