أخي (أبا مريم) يرحمك الله!

منذ 2016-03-26

كلمة في وفاة الأخ "محمد المصري" (أبو مريم)؛ مشرف قسم المكتبة بموقع طريق الإسلام

أخي (أبا مريم) يرحمك الله ..
حين التقينا منذ سنوات، رأيت كم أنت جاد في خدمة دينك .. وحين عايشتك عن قرب وعرفتك عن كثب؛ علمت تواضعك وحبك لمن حولك، وحرصك على إرشادهم ونصحهم ..

وعندما رأيت تعاملك مع إخوانك؛ استشعرت كم أنت واسع الصدر للجميع؛ تصبر علي تجاوزاتهم، وتتدبر كل ما يمر بك وبهم، وتكرر عند كل تجاوز أو خطأ: "إن الترفع عن الإخوة بسبب ما قد يحدث منهم؛ دليل على رداءة
الطبع!!"
أخي .. يرحمك الله
كم كنت وفياً لدعوتك، فلم تفارق جنديتك لهذه الدعوة طيلة عمرك!!
نعم.. لقد كنت "يرحمك الله" قرآني العقل والمعرفة، سنيّ السلوك والممارسة ..
ومن كانت هكذا حياته حق له أن تبقي سيرته منارة هدى يهتدي بها الحيارى، وشمس حياة للقلوب الموات ..
وهذه بعض دروس تعلمناها من حياتك.. وبعض حقائق زادت وضوحاً فى قلوبنا ونفوسنا يوم وفاتك:

• صحة المنطلق هى نقطة البدء:
كنت أخى (يرحمك الله) حريصا على استحضار النية فى كل عمل، وتحقيق الإخلاص، والتوجه بالأعمال كلها إلى الله سبحانه، وطلب الأجر منه وحده، وجعل ذلك هو نقطة البدء ..
وكنت تكرر إن القاعدة فى ذلك أن "من صحت بدايته؛ استقامت طريقته وصحت نهايته .. ومن فسدت بدايته، إعوجت طريقته وساء ت نهايته" ..
وأننا مهما خدعنا البشر وتزينا لهم؛ فلن نخدع رب البشر، ولن نحتال على من يرانا فى كل أحوالنا!!

وتعلمنا نحن من حالك قبل مقالك: أن بواعث أعمالنا أجدر بالعناية من أقوالنا وأفعالنا، و أن الواعى البصير هو
الذى يتوجه بجهده وعمله الى الله وحده راجياً منه وحده حسن الثواب، لا يلتفت إلى البشر ولا يبتغى عندهم أجراً .. لسان حاله يردد: " إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى"

• بذرة الخير تثمر النفس التوّاقة:
كنت أخى (يرحمك الله) صاحب قلب يحمل بذور الخير، وصاحب نفس تواقة إلى الارتقاء الإيماني والعلمي والدعوي .. تكره العبث وإضاعة الأعمار في التفاهات، وترغب فى المعرفة و تردد دائماً "أن القضية ليست
فى امتلاك "المعرفة" التى تحسب فى رصيد "الثقافة" وإنما الأهم أن تتحول هذه المعرفة إلى قوة تدفع المسلم لإقامة حياته على المنهاج الرباني ..

و تعلمنا نحن من ذلك: أن طالب العلم لا بد له كل يوم من تحصيل المزيد والجديد والمفيد من العلم والتربية.. وهو فى غده تتوق نفسه إلى الأعالى، وتستشرف أشواقه ما هو أسمى.. وهو فى كل أحواله على يقين "أن المسا فة التى يجب عليه أن يقطعها هى المسا فة الفاصلة بين علمه وواقعه .. بين مبادئه وسلوكه.

• رصيد الداعية .. الجاذبية لا القسر:
كنت أخى (يرحمك الله) صاحب قلب قد امتلأ رحمة وسماحة .. رحمة تتجاوز الحقوق والواجبات والعقود، إلى النبل والشهامة والمروءة .. وسماحة تتحمل أذى الآخرين، وتتجاوز عن خطأهم؛ بل وتثنى على إيجابياتهم وفضائلهم!!!
وكانت نتيجة ذلك فى الواقع؛ رغبة الجميع فى تواصلك، والانتفاع بما عندك من قيم خيّرة جذبهم إليها جذباً تطابق قولك مع سلوكك، وفقه تعاملك الذى يراعى "الستر" فى التعامل مع الآخر، ويحافظ على "الود" معه، ويطلب فى ذات الوقت"مؤالفته"..

وتعلمنا نحن من ذلك:
أن الصبر والعفو والرحمة أهم زاد يتزود به الداعية، فهو متسامح يغفر المعايب، ويستر الزلات.. ويعالج كل ذلك باتزان وعطف ورحمة.. ذلك أنه على يقين أن القيم لا تُفرض على الناس فرضا، إنما تجذبهم إليها القدوة الحسنة والمثل الطيب!!.. وأن أعقل الناس أعذرهم للناس، والمعرفة الكاملة بالآخر صفح كامل عنه!!
والقاعدة فى ذلك "أن من يملك القدوة؛ يملك الهيبة وإن افتقد القوة. وإنما يحتاج القوة لفرض هيبته؛ من لم يصدق عمله كلامه"!

• الإسلام .. إطار العمل الإسلامى:
كنت أخى (يرحمك الله).. ترى أن الإسلام ليس حكراً على أفراد مهما كان هؤلاء الأفراد، ولا على جماعات مهما كانت هذه الجماعات؛ وإنما الإسلام مسؤولية كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على تفاوت الدرجات بتفاوت الاستعدادات والقدرات... وكان ذلك الفهم يدفعك إلى قبول المساعدة من أى أحد حتى من هو دونك فهماً وقدرة.. بل لا تجد أدنى غضاضة فى أن يعرف الناس أن هذا العون الضئيل كان له أثر فى عملك ودعوتك ..
ومن هنا، فقد كانت فرحتك الغامرة أن تجد من يؤمن بما تؤمن به من عقيدة صالحة، ويشاركك الجهد والسعى إلى نشرها.

وتعلمنا نحن من ذلك:
التواضع النابع من الإحساس بالآخر؛ وعدم إظهار التعالم فى خطابه.. بل واحترام عقله وتقدير ذاته.. والتذكر الدائم لما وصل إليه وعجَزنا نحن عنه..!!
وأن هذا الإطار لعلاقتنا بكل المسلمين هو الإطار المحمود شرعاً {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104]... كما أن هذا الإطار هو المنصور قدراً «لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» (رواه مسلم).

أخى .. يرحمك الله
• هذا (بعض) ما تعلمناه من حياتك.. وأما وفاتك فقد فعلت فينا فعلها الساحر، وتركت آثارها بارزة فى نفوسنا ..
لقد غيرت وفاتك فى عقولنا الكثير من الأفكار الخاطئة، وأوضحت فى نفوسنا الكثير من التصورات الغامضة، ومنها:
• مفهوم النجاح ومفهوم السعادة:
كنت أخى (يرحمك الله) .. ترى أن من يبحث عن الراحة فى هذه الدنيا بالإخلاد إلى الأرض، فهو لم يتخلص بعد من أمراض نفسه وقلبه!! ذلك أنه لا راحة للمؤمن إلا بلقاء ربه ..

ورأينا نحن يوم وفاتك، وزاد اطمئناننا إلى رعاية الله للصالحين، و تأكدت ثقتنا بوعده للمؤمنين بالتثبيت بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة..

وكنت أخى (يرحمك الله) .. ترى أنه لا مسوغ لانحرافنا فى الدنيا، ما د منا نعتقد أن الآخرة هى دار العيش الحقيقي!! ..
فإذا فاتنا بعض الربح فى بعض الأحيان، فقد ربحنا ذاتنا وآخرتنا فى كل حين..

وتعلمنا نحن من ذلك:
أن النجاح يتجاوز الدنيا إلى الآخرة، بل إن حقيقة سباق الدنيا أن يتجاوز إلى سباق الجنة! فإذا التزمنا ديننا فقد ربحنا مرتين.. ربحنا رضوان الله فى الآخرة، وربحنا صلاح أوضاعنا فى الدنيا.

• مفهوم الغنى ومفهوم الفقر:
فى ظل (إفلاسنا) روحياً، صار رفع مستوى معيشتنا المادية أكبر أهدافنا، أو إن شئت قلت أكبر أصنامنا؟
تلك هى الحقيقة!! مرة.. نعم، ولكنها هى الحقيقة ..

أخى (يرحمك الله) لقد أفقنا على هذه الحقيقة بوفاتك، وتيقنا أن فضل الغني على الفقير، وفضل الفقير على الغني، إنما يتوقف على مسلك كل منهما تجاه الحالة التى هو فيها من فقر أو غنى!!

أخى (يرحمك الله) .. لقد تساءلنا بعد وفاتك: لماذا نقضى جزءاً كبيراً من أعمارنا منشغلين بمكاسب مادية، وخائفين من أشياء وهمية لا وجود لها إلا فى عقولنا؟

• الراجون رحمة الله، وفردية التبعة:
الراجون رحمة الله لا يقعون أسرى محيطهم الإجتماعي، ولا يتخذون من تقصير من حولهم ذريعة للتقصير، ذلك أنهم يعتقدون أن المسؤولية أمام الله فردية ..

أخى (يرحمك الله) ..
هذه الكلمات السابقة أشعر أنها تجمل حالك معنا وحالنا معك ..
فأما فى حياتك، فقد اتصلت بالقرآن؛ فكنت من أولئك الرواد الحاملين لهذا الدين، الراجين رحمة الله بإنارة طريقه للآخرين ..
وأما بعد وفاتك.. فقد تركت إنجازاً ملموساً فى نفوس كل من عرفوك.. إنجازاً نسأل الله أن يكون سبب سعادتك فى الآخرة .

وتعلمنا نحن من ذلك:
أن من أراد السمو فى جنان الرحمن، عمل من أجل هذا الدين يقدر ما يستطيع حياً..
فاذا توفاه الله فهو على يقين أن الله سيتولى فكرته الصالحة بالعناية، فهو عز وجل لا يدع فكرة صالحة تموت!

• كن واحداً من قلة:
أخى (يرحمك الله) .. كنتَ واحداً من قلة .. والصفوة دائماً قلة!
ذلك أن شروط الجودة كلما كانت عالية؛ لم يجد المرء حوله إلا أناسا من الدرجة الثانية؟!
فهل يناصح كل منا أخاه أن يكون واحداً من تلك القلة؟ وهل يسائل نفسه دائماً: أين هى من الرواد السابقين؟ أين هى من الدعاة العاملين؟ أين هى من أصحاب جنة النعيم؟ .. إن مت يا نفس من يومك هذا فإلى أي دار تصيرين؟

أخى (يرحمك الله) ..
بقيت حقيقة لا بد من الاعتراف بها: إن تأثيرك فينا وفى حياتنا أكبر كثيراً مما اعترفنا به، فالحمد لله الذى جعل حياتك تذكرة للنفوس الغافلة، وجعل وفاتك حياة للقلوب الموات ..

• نصيحة لكل مسلم:
إذا كنت أخى (يرحمك الله) قد رحلت عنا، فهل يجعل أثرك الباقى فى الدنيا أهم شعاراتنا: إن لم تزد شيئاً على الدنيا، كنت زائداً على الدنيا؟

هل يذكّر كل منا الآخر:
كن رجلاً من أتو بعده يقولون: مر وهذا الأثر
وهل يدرك كل منا أن فرصة حياته مازالت باقية، ويحسن استغلالها والاستفادة منها، ويجعل شعاره في ذلك ..

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ *** فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ

فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ *** كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ

فليحاول كل منا .. وليعلم أن ثواب المحاولة هو الجنة ... وهذا هو القرآن حاضر .. وريح الجنة تفوح من بعيد ... لا بل من قريب ..
____________
بقلم/ د.محمد البدري

  • 3
  • 0
  • 1,634

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً