تركيا : بسم الله و الله أكبر

منذ 2016-07-18

لم يكن هتافا تهاوت تحت أقدام أصحابه أحلام أهل الشر والراقصين على الدماء، وتلاشت تحت هديره أماني الشياطين فحسب؛ بل كان برقية عاجلة من الأرض إلى السماء كتبت حروفها بنبض قلوب أشرق التوحيد في جنباتها، ودرعا تترست به نفوس تسامت عن مجاورة الصغار، والسقوط في مستنقع العار.
 إن أحفاد الرجال رجال، وليل الطواغيت حالك الظلام، وأشد ما يقتل الكبار الذين نذروا أنفسهم للخير والضياء هو أن يتوسد أمور الخلق من لا يتقن غير صناعة الخيانة وفنون الغدر، ونشر مقررات إبليس بين نفوس أبت إلا أن تيمّم وجهها شطر السماء، وإذا كان للشر عباقرة أذكياء يهرعون إلى ساداتهم من شياطين الإنس الذين يفتحون لهم خزائن الأرض يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون؛ فإن للخير مبدعين حكماء، يفزعون إلى السماء، إذا ألمت بهم النوازل وأحاطت بهم الملمات؛ يعلّمون الدنيا أن مدد الكبار من السماء، وأن جباها لم تخضع لغير الواحد الأحد، ورؤوسا لم تركع لغير الفرد الصمد؛ لباطن الأرض أشرف لها من أن يُنكّس رايتها الصغار.
بعد التاسعة مساءا يوم الجمعة توجهت إلى مطعم قريب في اسطنبول بصحبة أحد الأصدقاء، تناولنا العشاء وعدنا بعد العاشرة، وما أن فتح هاتفه مطالعا المواقع التركية حتى لفت انتباهه غلق جسر اسطنبول وتواجد بعض قوات الجيش عليه!
سريعا فتحت جهازي والمواقع المختصة فوجدت انقلابا عسكريا بتركيا .
المتابعة والتأمل القائم على الاعتصام بساحة الحقائق والمعلومات، بعيدا عن التخرصات والظنيات، هو ما نسعى أن يكون منهجية لنا فيما بقى لنا من أجل؛ ومن ثم فتجنب السكرة، واستجلاء الفكرة، ولزوم الصمت الإيجابي، والثبات الانفعالي، والحفاظ على التوازن النفسي، قد يكون في الفواجع من لوازم اللحظة، وواجبات الوقت الهادية إلى بديع التصرف في الأزمات.
كما إنه من الأهمية بمكان أن يدرك المرء دوره في اللحظة، والموضع الذي يقف فيه ولا أراني مبالغا إن قلت: إن أعظم ما يتسلح به المرء عند النوازل والملمات هو الفهم؛ فبالفهم تتسع خياراته إذا ضاق أمره، ويصح يقينه، ويحسن توكله، ويكمل رضاه، فتراه مبادرا يبهر من حوله بإبداعه في مواجهة النوازل ومحو الملمات، واستبدال المنح بالمحن؛ فتستحيل الأزمات عنده إنجازات.
إليك بعضا مما شاهدناه جميعا ونتفق على كونه من وقائع أزمة الانقلاب بتركيا والتي ترسم ملامحها:
·        رأينا رئيس جمهورية ورئيس وزراء مستهدفين بالقتل أو الاعتقال يديران الصراع من الميدان
·        رأينا معارضة سياسية تركية تسطّر أسمى معان الولاء والانتماء لوطنها بتكاتفها واصطفافها العجيب، وإعلائها لمصلحة الوطن.
·        رأينا الشرطة التركية تسطّر ببسالتها ونبل رسالتها أروع صفحات تاريخها.
·        رأينا جيشا فيه رجال يحملون من البطولة والوفاء ما يليق بجيش تركيا العظمى فدحروا الانقلاب.
·        رأينا شعبا يُنادَى من المساجد فيبهر العالم.
·        رأينا موقف قادة العالم الكبار وما يحملونه ويدبرونه لتركيا في ردود فعلهم وموقفهم من الانقلاب.
·        رأينا نظام حكم عربي يعرقل صدور بيان "قلق" من الانقلاب يدعو "الأطراف" إلى تجنب العنف!
·        رأينا قطر تحلق عاليا وتغرد مروءة وجمالا
لقد رأينا عجبا لا يتقنه إلا أحفاد الذين سادوا الدنيا ووجّهوا العالم حينا من الدهر
وفي ضوء ما سلف أقول: يذهب بنا إلى القشور والمظهر، بعيدا عن الجذور والجوهر، من يخبرنا أن الآيفون هزم الدبابة، وأن مكالمة بالفيس تايم أجراها الرئيس أردوغان دحرت الانقلاب العسكري في تركيا،  ليصل بنا إلى نتيجة مفادها أن الانقلاب تم دحره بعبقرية وإدارة اثنين وعشرين دقيقة، عبر الميديا الحديثة وتقنياتها الفاعلة! ويقوم بالترويج لهذا محترفو الفهلوة، ورؤوس المهنة، ومهووسو الكاميرات، الذين لا تغن عنهم آيفوناتهم شيئا حين تنزل بهم النوازل وتلوح لهم الملمات.
إن ما دحر الانقلاب بعد جميل فضل الله ولطفه بعباده: هو رحلة طويلة، ومسيرة شاقة، لا يقوى على لأوائها ولا يستطيع ثمنها إلا رجال أقدامهم على الثرى وعزائمهم فوق الثريا، استضاءوا-في صمت وهدوء- بالكتاب المسطور، ففهموا قوانين الكون أو الكتاب المنظور، وما يفرضه من ضبط الأشرعة وفق اتجاه الريح التي لن تغير اتجاهها إلا بإذن ربها.
 كانت بداية المرحلة -وليس الرحلة- منذ أن تولى الطيب أردوغان في سنة 1994م منصب عمدة إسطنبول بعد فوزه في الانتخابات فلم ينشغل فقط بإعادة بنائها وتحويلها إلى منارة عالمية أضحت قبلة السائحين؛ وإنما شرع على الفور ورفاقه في أعظم بناء وأجل مهمة وأسمى رسالة فبدأ ببناء الإنسان المتحرّق شوقا إلى الإياب لفطرة الله والذي حين يفتقد المرشد الحكيم تتلقفه أئمة التكفير والتفجير ليرسلوه إلى مصانع داعش زمانه للتأهيل والتعبئة.
استوعب الطيب ما سبقه من تجارب استاذه أربكان، وفَقِه السنن؛ فحمل التوحيد في قلبه اعتقادا، وتحرك به سلوكا وأخلاقا، ولم يرفعه للتجارة راية وشعارا؛ فخطّ بقوة فكره، وسلامة اتجاهه لنفسه مسارا منضبطا بأهم قوانين الكون: لا تكليف إلا بمقدور عليه، والقدرة مناط التكليف، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإن المنبت لا أرضا قطعا ولا ظهرا أبقى، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، واصبر على ما أصابك، وإن العاقبة للمتقين.
فهم الطيب المنهج، وسار بضيائه يبني إنسانا حرا عائدا إلى فطرته التي لطالما حيل بينه وبينها، ويغرس فيه من الحكمة ما يضئ له السبيل؛ فلا يغشى المهالك بجهل، ولا يُيمّم وجهه إلا شطر السماء، وقد صبر الطيب على ثمن ذلك بما قضاه من شهور في السجن في عام 1998م
ما أنفق الطيب أردوغان ورفاقه من أعمارهم وسحوا فيه من غزير عرقهم ليرسوا دعائم دولة التعايش وفن الحياة والتي تقوم على:
·        العدل والحرية
·         المؤسسية والعمل المؤسسي
·        الجندية بأعظم صور انتمائها وولائها
·        وضوح الرؤية والهدف والمشروع
هو ما أكلوا من ثمره حين أثمر ثباتا وفهما وإقداما ونبلا في الخامس عشر من يوليو وقد آتوا حقه يوم حصاده..
حسن الخليفة عثمان
 

حسن الخليفة عثمان

كاتب إسلامي

  • 1
  • 0
  • 1,681

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً