القرآن الكريم واللهجات العربية

منذ 2016-08-09

لم يعد القرآن الكريم موضوعًا للدراسات الشرعية واللغوية التقليدية، والتي تناوله فيها العلماء من كل جانب فحسب، بل صارت الآن موضوع دراسات لسانية وصوتية حديثة، بما تمنحه قراءاته المختلفة من فرص لمعرفة لهجات العرب التي نطق بها القرآن الكريم، وساير بها ألسنتهم المختلفة.

القرآن الكريم، مفخرة العرب في لغتهم وآدابهم، والحافظ الأمين للهجاتهم، أوحاه الله لرسوله الكريم بلسان عربي مبين، ليبشر به المتقين، وينذر به قوما لدا، فخاطب فيه القلوب بالموعظة الواضحة، والعقول بالدليل القاطع، ولفت الأنظار إلى ما في الكون من عجائب وعبر، فانطلقت به الأفكار من عقالها، وتحركت بعد جمودها وخمولها، محلقة في فضاءات الكون الرحبة، تخترق الأقطار وتجوب الأمصار، على أجنحة آيات محكمات من لدن عزيز عليم.

وما هي إلا هنيهة من زمان، حتى استبان الحق.. ووضح النهج.. وقامت الحجة.. وانزاحت الشبهة وقد نزل تأييدًا لدعوته.. وشاهدًا لصدق رسالته.. فتحدى العرب أجمعين في فصيح لغتهم، ولم يخص في ذلك فئة دون أخرى، أو قبيلة دون غيرها.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يكاد يمضي في تلاوته حتى يروع سامعيه، ويأخذ بمجامع قلوبهم، فانحنى أعدائه لجزالته صاغرين، لأنه بز فصاحتهم، وظهر فوق بلاغتهم.. حتى قال قائلهم وهم له ناكرون:
"والله لقد سمعت من محمد كلام ليس بكلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق".

وفعلاً عجز العرب عن مجاراته وصمتوا عن معارضته، وما لبث هذا النور الإلهي إن ذاع وانتشر، مما هيأ لانقلاب واسع في سفر اللغة العربية ولهجاتها المختلفة.
وقد أفادت الدراسات القديمة منها والحديثة، إن القرآن الكريم كله وفي حد ذاته، ما هو إلا أثر من هذه اللهجات العربية، وقد دل القرآن نفسه على ذلك صراحة، بقوله:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4].

وعند التحقيق ما اللغة العربية، إلا مجموع لغات أو لهجات أو لحون، كان يلوكها العرب في بواديهم وحواضرهم، وما القرآن الكريم إلا مزيج محكم من مجموع هذه اللهجات، وقد اختار الله سبحانه أبلغها وأفصحها وأبينها وأسلسها، وأنزل آخر كتبه فيها، وجعله معجزة آخر أنبيائه عليه الصلاة والسلام.

وهذه اللغة، هي لغة قريش، وهي أفصح لهجات العرب وأوضحها، لبعدها أكثر من غيرها عن بلاد العجم، فصانها هذه البعد من الفساد الألسن والتأثر بأساليب نطقهم المعوج، حتى إن سائر العرب على نسبة بعدهم من قريش، كانوا يستشهدون بلغتهم ويجعلونها حكم في كل خلاف لغوي يجري بينهم.

إلا أن هذا لم يمنع من ورود ألفاظ كثيرة لقبائل عربية أخرى، احتج بها القرآن الكريم بمسائل معينة.
ومن المعروف أن القرآن الكريم، لم ينزل دفعة واحدة، ولا في مكان واحد، بل نزل منجمًا على مدار ثلاثة وعشرون سنة، بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وكانت الآيات ينزل بها جبريل عليه السلام، ويبلغها للرسول صلى الله عليه وسلم أولا بأول، فيتلقاها المؤمنون من فم النبي مباشرة، ويكتبها رجال عرفوا بأنهم من كتاب الوحي، تماما كما يمليها عليهم النبي الكريم.

ومعلوم، أن الإسلام كان في مكة محدود الانتشار، وأتباعه قله، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، اتسعت رقعته وازداد عدد أفراده، وهم من قبائل شتى، لهم عادات صوتية تخضع لها ألسنتهم، وتتحكم فيها ألفاظهم، فكان من سماحة الدين الحنيف، أن ترك الألسن على سجيتها وحريتها، من إمالة "كسر" وتفخيم، وترقيق، وما شابه ذلك من طرائق في إدارة للفظ، بنغمة تستجيب لها طبيعتهم اللغوية، التي ورثوها عن أهلهم الأولون، ولا يمكن التخلي عنها بسهولة.

وهذه الإباحية أرشد إليها الحديث الشريف المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: «إقرأوا القرآن، بلحون العرب وأصواتهم». ويروى أن النبي قرأ، فأمال (يحيى)، فلما سئل في ذلك، قال: «هي لغة الأخوال بني سعد».
وفي رأيي أن هذا الحديث لا يراد به التخصيص، بل يراد به الترخيص لقبائل العرب، كي تقرأ بلهجاتها المختلفة، من مد وشد وإمالة، وتحريك الحروف وتسكينها حتى لا يجدوا مشقة وثقلًا في بعض ألفاظها، وذكر "السجستاني" في كتابه: "الكبير في القرآن"، قوله:
"قرأ علي أعرابي ونحن في الحرم المكي الشريف " اللذين آمنوا وعملوا الصالحات طيبا لهم وحسن مآب "
فقلت: طوبى
فقال: طيبى.
فلم يستطع أن يثني طبعه لان لهجته القبلية، تقلب حرف الواو إلى ياء، ولم ينفع في الأعرابي لفت الساجستاني له، ولم يستفد من تدريبه على نطق طوبى بشكلها الصحيح.
ولمثل ذلك وغيره تعددت قراءات القرآن، تخفيفا للمشقة في تلاوته فجاء هذا التسهيل منسجما مع طبيعة هذه اللهجات على الرغم من كثرتها، والأمثلة تطول في هذا المجال.
والقرآن، الذي نقرأه الآن، هو القرآن الذي تلاه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، على أصحابه، وأملاه على كتاب وحيه، ولم يضع أو ينقص منه شيء.
أما القراءات التي تقرأ ويختلف بعضها عن بعض ما هي إلا روايات نقلت عن الرسول الكريم، وكل صاحب قراءة انتهت إليه رواية اطمأن إليها وتثبت من صحتها فأخذ بها، واشتهرت منها روايات سبع، تلتها ثلاثة أقل قوة، ثم أربعة أقل من سابقتها، فهي أربعة عشر رواية، وما فوقها يعتبر شاذا ولا يؤخذ به.

* - ما هي اللهجات؟:
اللهجة هي مجموعة الصفات اللسانية، التي تنتمي إلى بيئة اجتماعية معينة، يشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة ومحيطها، وهو جزء من وسط أوسع واشمل، وتضم عدة لهجات، ولكل واحدة منها خصائصها المنفردة، إما قديمًا، كان يطلق العرب على اللهجة لغة، ولم تستعمل اللهجة بمعناها الاصطلاحي، إلا حديثا فكان يقال لغة القبيلة، بدلا من لهجة القبيلة كلغة قريش، لغة تميم، وهكذا.
وما العلاقة بين اللغة واللهجة، إلا كالعلاقة بين الأصل والفرع حيث تشمل اللغة عادة على مجموع لهجات، لكل منها ما يميزها عن شقيقاتها في اللهجات الأخرى. إلا أنها جميعا لها صفات لغوية عامة مشتركة.

* - القرآن الكريم ومراعاة اللهجات:
وتخفيفًا على القبائل ومراعاة لهجاتها المختلفة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يتلو مفردات القرآن الكريم، بلهجات متعددة تيسيرًا على أهل تلك القبائل في تلاوته، وكان يحدث أن احد الصحابة يقرأ آيات بلهجة سمعها من الرسول صلى الله عليه وسلم شفاها، في حين قد سمع غيره نفسه الآيات، أو السورة كاملة بلهجة أخرى تغاير اللهجة الأولى، على نحو ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذا سمع هشام بن حكيم بن حزام، يتلو سورة الفرقان في الصلاة، على غير ما حفظ، وكاد إن يأخذ بتلابيبه، لكنه تريث حتى فرغ من صلاته وذهب به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال لحكيم: "اقرأ، فقرأ، فقال هكذا أنزلت، ثم أقرأ عمر - رضي الله عنه -، فقرأ، فقال هكذا أنزلت"، ثم قال: "إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه" وهو لا يقصد بالسبعة أحرف عددًا معينًا، إنما يريد كثرة الحروف واللهجات، التي نزل بها القرآن الكريم، وتسهيلًا على العرب، إن ينطقوا من كلماته بلهجاتهم، ما لم يمكنهم إن ينطقوه بلغة قريش، ولهجاتها الخاصة، واخذ هو نفسه يصنع ذلك تيسيراً وتسهيلاً. كما مر معنا في حديث شريف، في غير هذا الموضع.

وهكذا نجد، أن القرآن الكريم قد ضم ألفاظًا من معظم لهجات القبائل العربية، تجد فيه كل قبيلة من مفرداتها وتراكيبها اللغوية التي انفردت بها دون سواها من القبائل الأخرى.

* - الحكمة من تعدد اللهجات:
أما الحكمة في إنزال القرآن على هذه اللهجات المختلفة، فهي أن للعرب اللذين نزل القرآن بلسانهم يلوكون لغات عده، ولهجات متباينة ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من لغتهم الأم التي درج عليها، ومرن لسانه على التخاطب بها منذ نعومة أظفاره، وصارت جزء من سجاياه، واختلطت بلحمه ودمه، بحيث لا يمكن الابتعاد عنها بأي حال من الأحوال ولو عن طريق التعليم والتدريب، وبخاصة للرجل المسن والمرأة العجوز.

فلوا كلفهم الله تعالى، العدول عن لهجتهم التي فطروا عليها، والانتقال عنها، واتباع لهجة أخرى، لشق عليهم غاية المشقة، ولكان من قبيل التكليف بما لا تتطيقه طبيعتهم النفسية وطاقتهم الإنسانية. فاقتضت رحمة الله بعباده إن يخفف عليهم، وأن ييسر لهم حفظ كتباهم العزيز، وتلاوة دستورهم الإلهي، وأن يحقق لهم أمنية نبيهم، حيث أتاه جبريل عليه السلام، فقال له: "أن الله يأمرك تقرئ أمتك القرآن على حرف".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أسأل الله معونته، فإن أمتي لا تطيق ذلك".

وما زال رسول الله يردد المسألة ويلح في الرجاء، حتى أذن الله له أن يقرئ أمته على سبعة أحرف، بدلًا من حرف واحد. فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم، يقرأ كل قبيلة بما يتوافق بلغتها ويناسب لهجتها.

* - قاعدة اللهجات أو القراءات:
كل قراءه طابقت أوجه اللغة العربية، ووافقت رسم أحد المصاحف المعتمدة مثل العثماني، أي بمعنى أن تكون ثابتة ولو في بعضها، كقراءة: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133]
بحذف الواو التي قبل السين، فهذه القراءة ثابتة في مصحف الشامي، وكقراءة: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الواردة في الموضع الأخير من سورة التوبة، بزيادة لفظ " من " قبل تحتها، فهي ثابتة في المصحف المكي، وهكذا...
أو أن تكون القراءة موافقة المصاحف العثمانية، وقد تكون تحقيقية كقراءة ( ملك يوم الدين )
في سورة الفاتحة، بحذف الألف فيها. وأن تكون ثابتة بطرق التواتر، وهذا أهم أركانها.

والتواتر هو ما نقله جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وعن جماعة قبلهم كذلك، من أول سند إلى منتهاه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

* - اللهجات أو الحروف السبعة:
وقد وقع بعض الخلاف بين العلماء في ماهية الحروف السبعة وكان في ذلك ضروب شتى من التأويل سنختار منها ما خلص عليه الإمام أبو الفضل الرازي في "كتابه اللوائح"، وهو أن المراد بهذه الأحرف التي وقع فيها هذا التباين والتضاد، لا تخرج عن كونها سبعة لغات، ميزة اللهجات العربية بعضها عن بعض، ونورد هنا أوجه الاختلاف كما جاءت في أكثر الدراسات التي تناولت هذا الموضوع بالبحث والإفاضة، وقد استوحت مادتها من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وهي بمجملها لا تخرج عن الأطر التالية:

1- اختلاف الأسماء:
من أفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، مثال قوله تعالى: {والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون}.
قرء لأمانتهم بالإفراد والجمع، وقوله: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} بيان التذكير وتاء التأنيث.

2- اختلاف تعريف الأفعال:
من ماض ومضارع وأمر، ومثال ذلك قوله تعالى: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} قرئ ربنا بفتح الباء على أنه منادى وباعد بكسر العين وإسكان الدال، على إنه فعل أمر، أو دعاء، وقرئ برفع ياء ربنا على أنه مبتدئ، وباعد بفتح العين والدال على أنه فعل ماض، ولجملة خبر مبتدأ.

3- اختلاف وجوه الأعراب:
مثل قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} قرئ بنصب الراء ورفعها.

4- الاختلاف بالنقص والزيادة:
مثل قوله تعالى: {وما عملته أيديهم} قرئ عملته بحذف الهاء وإثباتها، وفي قوله تعالى: {وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} قرئ بزيادة من.

5- الاختلاف في التقديم والتأخير:
مثل قوله تعالى: {وقاتلوا وقتلوا } قرئ بتقديم قاتلوا على قتلوا، وقرئ العكس.

6- الاختلاف بالإبدال:
مثل قوله تعالى: {وانظروا إلى العظام كيف ننشزها} قرئ بالزاي المعجمة والراء المهملة، ومثل قوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} وقرئ: {عند الرحمن}، ومثل قوله تعالى: {فتبينوا} قرئ {فتثبتوا}.

7- اختلاف اللهجات:
كالفتح والإمالة "الكسر" أو الإدغام والإظهار والإخفاء، والتفخيم والترقيق والتسهيل والتحقيق، والإبدال إلى غير ذلك من اللهجات، التي اختلفت فيها لهجات قبائل العرب.
ويؤخذ من هذه الشروح أن جميع القراءات متساوية في الأهمية، كونها حق وصواب، فمن قرأ بأي قراءة منها، فهو على الطريق الصحيح، ويؤخذ هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» [صحيح مسلم: 821].

* - ما معنى حرف؟:
يطلق لفظ حرف في اللغة على عدة أوجه، منها ذروة الشيء أو أعلاه، أو على شفرة السيف أو حده، ويطلق على حرف الهجاء، وعلى اللهجة، وهو المناسب لموضوعنا الذي نحن بصدده، وقد وردت آراء كثيرة حول هذا الموضوع، تفسر وتفند معنى الحروف السبع أو القراءات أو اللغات السبع، وهي لهجات قبائل العرب.. على معنى أن القرآن نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة كنانة، وأسد وهذيل و تميم وقيس عيلان، وبعضه بلغة أهل اليمن، وتبنا هذا الرأي أبو عبيدة بن سلام وابن عطية وآخرون، ودليلهم على عدم معرفة بعض الصحابة لبعض ألفاظ القرآن إلا من بعض الأعراب، لذا يقال أن كلمة فاطر الواردة في القرآن، كما في قوله تعالى: {فاطر السماوات والأرض}. لم يكن معناها معلومًا محددًا، حتى سمع حديث أعرابي يقول في بئر له نوزع فيها: " بئري أنا فطرتها " أي التي حفرتها وصنعتها، فكان هذا الكلام موحيًا بمعنى كلمة " فاطر " أي خالق السماوات والأرض وصانعها هو الله سبحانه وتعالى.

وهناك لهجات كثيرة نسبة لبعض القبائل، فقد قالوا أن بني مازن كان يبدلون من ميما نحو قولهم مسمك بدلاً من أسمك، ويقولون بكة بدلاً من مكة وهكذا.

* - من نتائج اختلاف القراءات:
الغاية من نزول القرآن على هذه الهيئات من الحروف، بحسب بعض الآراء:
التهوين والتيسير على الأمة، والتوسعة عليها في قراءاتها للقرآن الكريم، كما تدل على ذلك الأحاديث النبوية الواردة في هذا المقام، ومنها:

1- إثراء التفسير والأحكام الشرعية وتعدد الأحرف، لأن تعددها يترتب عليه تعدد المعاني وتزاحمها على سبيل الإثراء، والتأكيد على مدا التعارض أو التناقض.
2- إظهار كمال الإعجاز بغاية الإيجاز، لأن كل حرف مع الآخر بمنزلة الآية مع الآية، في دلالتها وفيما شملت عليه.
3- وتفيد بعض اختلاف القراءات في فهم معان فرعية كثيرة، وتوجيه بعض المعاني وجهة جديدة، ومنها استناد الفقهاء المجتهدون في استنباط أحكام فقهية مختلفة، وهذه الخلافات أكسبت الفقه الإسلامي مرونة وسعة، وكل ذلك جائز ومستساغ ما دامت الرواية صحيحة.

*- الخلاصة:
إن تنوع القراءات أو اللهجات أو الحروف، يقوم مقام تعدد الآيات وذلك نوع من ضروب البلاغة والإعجاز، يضاف إلى ما في تشكل القراءات من براهين دامغة وأدلة صادقه، تفيد أن القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه، وأن الاختلاف في تنوع القراءات مع كثرتها، لا تؤدي إلى تناقض وتضارب ولا إلى تهافت أو تخاذل، بل إن القرآن كله وعلى تعدد لهجاته، يصدق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، على نمط واحد من الأسلوب والتعبير، وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم، ولا شك إن ذلك يفيد تعدد الإعجاز بتعدد الأوجه واللهجات والقراءات.

ولما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، طلب أبو بكر من زيد أن يكتب القرآن كله على الترتيب الذي تلقاه هو ومن معه من الحفظة، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بذات الألفاظ ونفس الحروف واللهجات، ونفس الصورة في العرضة الأخيرة التي تدارس فيها القرآن مع جبريل عليه السلام بعد إتمامه، وكتب زيد ومن أسهموا معه هذا العمل الجليل على قطع من الأدم " الجلد " وغيرها، وحفظ صحفه عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر رضي الله عنه حتى انتقل إلى بارئه، ثم عند أبنته حفصة أم المؤمنين.

وهكذا، لم يعد القرآن الكريم موضوعًا للدراسات الشرعية واللغوية التقليدية، والتي تناوله فيها العلماء من كل جانب فحسب، بل صارت الآن موضوع دراسات لسانية وصوتية حديثة، بما تمنحه قراءاته المختلفة من فرص لمعرفة لهجات العرب التي نطق بها القرآن الكريم، وساير بها ألسنتهم المختلفة.

وقد بادت تلك اللهجات كلها أو جلها واندثرت وذهبت بذهاب الناطقين بها، لولا ما سجله العلماء قديما من مختلف القراءات والاستدلال عليها بلهجات القبائل، أو لغاتهم ولحونهم، لما أمكننا اليوم معرفة الفروق الدقيقة، بين لهجات تلك القبائل، والتي عاصرت نزول الوحي، أو معرفة وجوه الاختلاف بين علماء اللغة، فيما يذهبون إليه من أقوال يعللون بها ما يثيرونه من مسائل نحوية أو صرفية، وشروح وشواهد أدبية وشعرية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: غازي خيران الملحم

  • 23
  • 4
  • 109,264

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً