خطب مختارة - [122] الفتوى بغير علم والفتاوى الشاذة

منذ 2016-08-10

اتقوا الله أيها المؤمنون، واحذروا من هذه الفتاوى الشاذة، ووقروا علماءكم الراسخين في العلم المشهود لهم بالفضل والعلم والدين وخذوا العلم عنهم، فهذا هو طريق السلامة من هذه الفتن العظيمة.

الخطبة الأولى

أما بعد، إخوة الإسلام، إنّ لشريعة الإسلام حرمةٌ عظيمة لا يجوز انتهاكها ولا يحل تنقصها، ولها أحكام لا يجوز تغييرها ولا تبديلها، وإن من التعدي على حرمة الشريعة وأحكامها نشرَ فتاوى شاذة وأقوالٍ ساقطة تهدم ولا تبني بل تثلم الدين، وتثير البلبة والفتنة، وتفتن ضعاف العقول والعلم والدين، لأنها تُظهر الحقَ في صورة الباطل، وتظهر الباطلَ في صورة الحق.

يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: "أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك ؟ أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له"

عباد الله، إن من المخاطر العظيمة التسرعَ إلى الفُتْيا بغير علم، والقول على الله تعالى بلا حجة، والإفتاء بالتشهي والتلفيق، والأخذ بالرخص المخالفة للأدلة الصحيحة، وتتبع الأقوال الشاذة المستندة إلى أدلة مرجوحة أو منسوخة أو ضعيفة، والتي لا تخفى على من له أدنى بصيرةٍ المفاسدُ الكثيرة والآثار السيئة العظيمة من وراء هذه الفتاوى الشاذة.

والخطر يزداد حينما يخوضون في نوازلَ عامة وقضايا حاسمةٍ وهامّةٍ بلا علم صحيح ولا رويّة، يخبطون خَبْط عشواء، ويأتون بما يضاد الشريعةَ الغراء، ويستنكره العامة ربما قبل العلماء، ويقولون باسم الإسلام ما الإسلام منه براء.

قال سحنون بن سعيد رحمه الله: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما". وقال ابن وهب: " سمعت مالكا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخَرْق"، وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أَهْلٌ لذلك"؛ يعني سبعين من أهل العلم، وقال عبد الرحمن بن مهدي: "كنا عند مالك فجاءه رجل، فقال يا أبا عبد الله: جئتك من مسيرة ستة أشهر .. حـمَّلني أهل بلدي مسألةً أسألك عنها، فسأل الرجل عن المسألة، فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى ( لا أدري )، فبُهت الرجل !! وقال الرجل: أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم ؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أدري".

وقال المروزي: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ليتق الله عبدٌ ولينظر ما يقول وما يتكلم به ؛ فإنه مسئول"، وقال بعض السلف: "ليتق أحدكم أن يقول: أحلّ الله كذا وحرم كذا، فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا، ولم أحرم كذا   {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ . مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 – 117]، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة.

الخطبة الثانية

إخوة الإيمان، إن الأفكار الزائغة والعقائد المنحرفة والأقوال الشاذة لا تظهر إلا بترك مجالسة العلماء والأخذ عنهم، وأخذ العلم والفتوى عن أهل جهل أو هوى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:   «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَتْرُكْ عالماً اتخذ الناس رؤوسا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» [صحيح مسلم: 2673]، وتزداد مخاطر هؤلاء الذين يُضلِّون الناس بفتاويهم إذا استنقصوا العلماء الراسخين ونفروا الناس من فتاويهم وكتبِهم، قال عنهم الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة؛ لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها".

إخوة الإيمان، روى البخاري رحمه الله عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه» [صحيح مسلم: 1599].

 وعن وابصة الأسدي «قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه؛ وحوله عصابة (أي مجموعة) من المسلمين يستفتونه؛ فجعلت أتخطاهم، قالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني لا تزاحمه)، قلت: دعوني فأدنو منه؛ فإنه أحب الناس إليّ، قال : دعوا وابصة؛ ادن يا وابصة مرتين أو ثلاثا، قال : فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال: يا وابصة أُخبرك أو تسألُني؟ قلت: لا بل أَخبرني، فقال: جئتَ تسألُني عن البر والإثم، فقلت: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري، ويقول: يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك ثلاث مرات، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس؛ وتردد في الصدر؛ وإن أفتاك الناس وأفتوك» [جامع العلوم والحكم: 2/94].

وقال الفضيل بن عياض: "اتبع طُرُق الهدى؛ ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة؛ ولا تغتر بكثرة الهالكين"، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المخرج من تلك الفتاوى الضالة والمضلة وغيرها مما يجر إلى الفتن؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»[صحيح الجامع: 2549].

فاتقوا الله أيها المؤمنون، واحذروا من هذه الفتاوى الشاذة، ووقروا علماءكم الراسخين في العلم المشهود لهم بالفضل والعلم والدين وخذوا العلم عنهم، فهذا هو طريق السلامة من هذه الفتن العظيمة.            

 

  • 2
  • 1
  • 2,084
المقال السابق
[121] الغيبة
المقال التالي
[123] الكسوف والمعاصي والفواحش

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً