شهر شعبان مناسبات وأحكام (خطبة)

منذ 2017-05-04

إن المؤمنين من أبعد الناس عن الأخلاق الذميمة والصفات القبيحة والآداب السيئة، عموما ودائما، وفي مواسم الخير على وجه الخصوص، فلا شرك عندهم لا يشركون بالله دائما أبدا، لا شركا أكبر ولا أصغر، وخصوصا في ظل هذه المواسم مواسم الخيرات، ولا مشاحنة ولا ابتداع؛ لأنهم يبحثون عن عفو الله وغفرانه، وصفحه ورضوانه، فليلة النصف من شعبان يا عباد الله لها شأن عظيم؛ ليلة الخامس عشر من شعبان

الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

{يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].

 أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

أعاذنا الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار.

 

عباد الله! هذا هو شهر شعبان مناسبات وأحكام، فهو الشهر الثامن من الأشهر العربية الهلالية الهجرية، شهر شعبان كغيره من الشهور تجري فيه المناسبات، وحدثت فيه أحداث لا تتكرر، وجرت فيه أمور ومناسبات على مرِّ السنين والأعوام.

 

فمما وقع في شعبان من الأمور التي لا تنسى، ويجب أن تذكر، وهي من الأمور الهامة في شريعة الإسلام، التي حدثت في هذا الشهر تحويلُ قبلة الصلاة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، في السنة الثانية من الهجرة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيتُ المقدسِ –حرره الله من براثن المغتصبين، اللهم آمين!! الذي كان قبلةَ المسلمين، بقي على ذلك وهاجر من مكة إلى المدينة وهو يتجه إلى بيت المقدس، بقي أكثر من سنة ونصف، ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، لبضعةَ عشرَ شهرا، وهو يصلي إلى القبلة الأولى، لكن في قلبه الحنين إلى بيت الله الحرام، إلى التوجه إلى بيت الله الحرام.

 

كان صلى الله عليه وسلم يجولُ ببصره إلى السماء، ويُحِبُّ أن تكونَ قبلةُ الصلاة إلى البيتِ الحرام، فقد كان عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة إذا صلَّى جعل الكعبةَ بينه وبين القبلة؛ بيتِ المقدس، يجمع بينهما، وبعدما هاجر لم يستطع الجمعَ بينهما، فصار يصلِّي مستقبلا بيت المقدس، مستدبرا البيتَ الحرام، وكان ينتظرُ الأمرَ من السماء بالتوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة، فنـزل قول الله جل جلاله ينسخ القبلة الأولى، ثم تكون للمسلمين قبلة خالصة خاصة لا يشاركهم فيها أحد إلى يوم القيامة، قال سبحانه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144].

 

وكان أَوَّلَ من صلَّى إليها؛ إلى القبلة إلى مكةَ المكرمة، إلى المسجد الحرام الصحابي أبو سعيد بنُ المعلَّى وصاحبٌ له، وهذه قصتهم كما جاء في السنن الكبرى للنسائي (10/ 17) ح (10937): عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: (كُنَّا نَغْدُو لِلْسُوقِ) أي يذهبون في الصباح إلى السوق عَ «لَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَمُرُّ عَلَى الْمَسْجِدِ فَنُصَلِّي فِيهِ، فَمَرَرْنَا يَوْمًا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ»، فَقُلْتُ:( «لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ»، فَجَلَسْتُ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144]، حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ.. والآية بكمالها: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144].

 

قُلْتُ لِصَاحِبِي: (تَعَالَ نَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَكُونَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى)، (فَتَوَارَينَا) أي اختبأنا في مكان (فَصَلَّيْنَا، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ)، وكأنه ليس يوم جمعة في شعبان، وهذا الحادث لم يتكرر، أن تتحول القبلة، لكن يبقى أثره إلى يومنا هذا، وسيبقى إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، لن تغير قبلة المسلمين.

 

قال ابن كثير: [وفي شعبان فُرضَ صومُ رمضان، وفرِضت لأجلِه زكاةُ الفِطرِ قُبَيلَه بيوم]. الفصول في السيرة (ص: 127).

 

وفي هذا الشهرِ توفِّي حبيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما توفي وضع حجرا على رأس قبره، وقال: أتعلم به قبر أخي، [1] إنه [عثمانُ بن مظعون، بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمَح، يكنى أبا السائب رضي الله عنه، أسلم قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دارَ الأرقم -في مكة المكرمة-، وهاجرَ إلى الحبشة الهجرتين، وحرَّم الخمر -على نفسه- في الجاهلية. وقال: (لا أشرب شيئاً؛ يُذهب عقلي، ويُضحِكُ بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أُنكِحَ كريمتي من لا أريد)، -يعني يضيع العقل، فلا يشربه عاقل- وشهد بدراً وكان متعبداً، توفي في شعبان على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة، وقبَّل النبي صلى الله عليه وسلم خَدَّه -وهو متوفى- وسمَّاه السلف الصالح، وهو أوَّلُ من قُبِر -ودفن- بالبقيع...]. صفة الصفوة (1/ 169، رقم 30).

 

وفي سنة خمس من الهجرة [في شعبان وُلد الحسين بن علي -وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهما]. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (سيرة 1/ 462).

 

وفيها أيضا في سنة خمس من الهجرة، وفي شعبان كانت [غزوةُ المريسيع؛ وتسمى غزوة بني المصطلق، كانت في شعبان سنة خمس على الصحيح، بل المجزوم به]. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (سيرة 1/ 468).

 

وفي سنة ثمان وثلاثين -من الهجرة-، [في شعبان: ثارت الخوارج وخرجوا على عليٍّ رضي الله عنه، وأنكروا عليه كونه حكَّم الحكمين]، سير أعلام النبلاء ط الرسالة (راشدون/ 279).

 

وسعيد بن حبير -وتعلمون قصته مع الحجاج رضي الله عنه ورحمه- [كَانَ قَتْلُهُ: فِي شَعْبَانَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ]، سير أعلام النبلاء ط الرسالة (4/ 341).

 

هذه حوادث حدثت في شعبان، ولن تكرر، لكنه ممكن أن تحدث أحداث أخرى فيها أحكام أخرى، حوادث منها ما لا ينساه الناس، وحوادث قد تنسى وتطوى، هذا هو شهر شعبان، زمنٌ طُوِيَت فيه الحوادث، وتستجدُّ فيه الأحداث، لكن تتكررُ فيه الأحكام والنفحات الربانية، فيتعرض لها المؤمنون، ففيها إلى ربهم يتقربون، ويتعرضون فيها لما يجلب لهم رضا الله سبحانه وتعالى، فشعبان شهرٌ يسبق رمضان، فيتطوع فيه المؤمنون كما يسبقون فريضة الظهر بركعات، وبعد الظهر بركعات، فيصومون تطوعا قبل رمضان في شعبان، ويصومون تطوعا بعد رمضان في شوال، فمن استطاع من المؤمنين الصيام فيه صام، اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت: «كان يصوم شعبان كلَّه، وكان يصوم شعبان إلا قليلا» (متفق عليه)، لأنه لم يستحمل صياما شهرا قط سوى رمضان.

 

وقال له أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنه، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ»، قَالَ عليه الصلاة والسلام: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». (س) (2357). (حم) ح(21753) الصحيحة (1898).

 

هذا هو هديه صلى الله عليه وسلم في استقبالِ شهرِ البركات والخيرات، بالصيامِ والأعمالِ الصالحات، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم» من عادته «يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ» أياما «حَتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» (م) (1156).

 

إنهم المؤمنون نسأل الله أن نكون منهم ومعهم؛ إن قصَّروا في الصيام في أوائل شعبان، فلا يصومون بعد انتصافه، من لم يصم قبل النصف من شعبان قبل الخامس عشر منه، الذي يتبع النبي صلى الله عليه وسلم لا يصوم بعد النصف، يعني بعض الناس يصوم قبل شعبان بيوم أو يومين، لكن بعضهم يترك الصيام ويترك التطوع، ثم يأتي بعد النصف من شعبان ويكثر من الصيام هذا خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لنهي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلا تَصُومُوا» ، (د) (2337).

 

بعد النصف من شعبان، من هو الذي لا يصوم؟ هو الذي لم يصم قبل النصف.

 

أما من كان قد تعوّد أن يصومَ اثنين وخميس، أو من ختامِه، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فلا مانع ولو صام يوما قبل النصف، فهذا يصوم أو ابتدأ صوما من قبل انتصاف شعبان، فكل ذلك لا يمنعهم من الصوم بعد انتصاف هذا الشهر، وغير ذلك فلا يصوم بعد النصف من شعبان.

 

استمعوا أيضا إلى نهيه صلى الله عليه وسلم كلما اقتربنا من رمضان يمنع الصيام، وهو صيام آخر يوم من شعبان، والشك فيه هل ثلاثون من شعبان، أو واحد من رمضان، وبعض الناس يصومه بأي نية، إن كان من رمضان رمضان، وإن كان من شعبان فهو لشعبان، ذاك يكون تطوعا وهذا يكون فريضة، هذه نية باطلة.

 

أمَّا يوم الثلاثين من شعبان؛ إن شكّ هل هو من رمضانَ أو من شعبانَ، فلا يصام، فصيامه معصيةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، واستمعوا إلى حديث صِلَةَ، قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ) رضي الله تعالى عنه (فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ) -في النار أي مشوية على الحجارة- فَقَالَ: (كُلُوا)، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، قَالَ: (إِنِّي صَائِمٌ)، فَقَالَ عَمَّارٌ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». (س) (2188)، (د) (2334)، (ت) (686) وقال: حديث حسن، (جه) (1645).

 

اليوم الذي يشك فيه هل هو ثلاثين من شعبان، لكن غير معروف هل هو من شعبان أو من رمضان فصامه هذا عصى أبا القاسم فلا يجوز صيامه.

 

إن المؤمنين من أبعد الناس عن الأخلاق الذميمة والصفات القبيحة والآداب السيئة، عموما ودائما، وفي مواسم الخير على وجه الخصوص، فلا شرك عندهم لا يشركون بالله دائما أبدا، لا شركا أكبر ولا أصغر، وخصوصا في ظل هذه المواسم مواسم الخيرات، ولا مشاحنة ولا ابتداع؛ لأنهم يبحثون عن عفو الله وغفرانه، وصفحه ورضوانه، فليلة النصف من شعبان -يا عباد الله- لها شأن عظيم؛ -ليلة الخامس عشر من شعبان حيثُ أخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ؛ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ»، (جه) (1390).

 

[ويتعين على المسلم] -المؤمن- [أن يجتنب الذنوب] -الكبيرة والصغيرة- [التي تمنع من المغفرة و قبول الدعاء] -عامة، و- [في تلك الليلة] -ونحوها خاصة-، [وقد روي: أنها؛ الشرك وقتل النفس و الزنا] -والمشاحنة-.. لطائف المعارف (ص: 151).

 

المؤمنون من أبعد الناس عن الذنوب المانعة من المغفرة ومنها؛ الشحناء! وهي حقد المسلم على أخيه، بغضا له لهوى في نفسه؛ لأن ذلك يمنع أيضا من المغفرة من الله عز وجل، في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، إذا لم يغفر لك في أوقات المغفرة والرحمة، فمتى يغفر لك؟ كما في صحيح مسلم (2565) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» ، كررها ثلاث مرات صلى الله عليه وسلم.

 

وقد فسَّر الأوزاعيُّ رحمه الله هذه الشحناءَ المانعةَ؛ بالذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه أعلى أنواع الشحناء، ولا ريب أن هذه الشحناءَ أعظمُ جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا.

 

وعن الأوزاعي أنه قال: (المشاحن كلُّ صاحب بدعة فارق عليها الأمة).

 

وكذا قال ابن ثوبان: (المشاحنُ هو التاركُ لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الطاعنُ على أمته، السافكُ دماءهم)، وهذه الشحناء؛ أعني شحناءَ البدعة؛ توجب الطعن على جماعة المسلمين، واستحلالِ دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كبدع الخوارج والروافض ونحوهم.

 

فهنيئا للمؤمنين الذين صُدُورُهم سليمةٌ من أنواع الشحناء كلِّها، وأفضلِها السلامةُ من شحناء اتصف أهل الأهواء والبدع بها، التي تقتضي الطعنَ على سلف الأمَّة، وبغضَهم والحقدَ عليهم، واعتقادَ تكفيرِهم أو تبديعِهم وتضليلِهم، ثم يلي ذلك سلامةُ القلب من الشحناء لعمومِ المسلمين، وإرادةُ الخير لهم، ونصيحتُهم، وأن نحب هذا المسلم -أنا وأنت نحبه- كما نحب أنفسنا، وأن يحبَّ له ما يحبُّ لنفسه، هكذا هم أهل الإيمان -حشرنا الله معهم- وقد وصفهم الله تعالى... بأنهم: {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . [الحشر: 10].

 

قال بعض السلف: أفضلُ الأعمال سلامةُ الصدور، وسخاوةُ النفوس، والنصحُ للأمة. وبهذه الخصال بلغ من بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصوم والصلاة، فنق قلبك يا عبد الله.

 

إخواني وأحبابي في دين الله! اجتنبوا الذنوبَ التي تَحرِم العبدَ مغفرةَ مولاه الغفار، في مواسم الرحمة والتوبة والاستغفار.

 

أما الشرك فقد قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: 72].

 

وأما القتل -قتل أخيه المسلم-؛ فـ«لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ». سنن الترمذي (1398).

 

وأما الزنا يا عباد الله؛ فحذارِ حذارِ من التعرض لسخط الجبار، الخلق كلُّهم عبيد الله وإماؤه، والله يغار، النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينادي فيقول: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ؛ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». البخاري (5221)، فمن أجل ذلك حرم الفواحش، وأمر بغض الأبصار.

 

وأما الشحناء؛ فالمؤمنون ليسوا من أهلها فيا من أضمر لأخيه السوء، وقصد له الإضرار، لا تنس قول الله جل في علاه، العلي الجبار: « وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ» [إبراهيم: 42]، يكفيك حرمانُ المغفرة في أوقات مغفرة الأوزار.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الآخرة:

الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين وبعد؛

ألا واعلموا عباد الله! يا من تعبدون الله، وتكثرون من الطاعات اعلموا التي لا يراها أحد، ولا يعلمها أحد فإذا أردت ثمارها فاسأل الله القبول، وأن تكون خالصة لوجه الله الكريم، ألا واعلموا أنَّ إخفاءَ العباداتِ أحرى وأجدرُ في قبولها.

 

لقد [اشتَهَر بعضُ الصالحين بكثرةِ الصيام، فكان يجتهدُ في إظهارِ فطرِه للناس]، -هذا في غير رمضان يجتهد حتى لا يظهر للناس صيامه، فانظروا ماذا كان يفعل؟- [حتى كان يقومُ يومَ الجمعةِ] -وهو صائم- [والناسُ مجتمعون في مسجد الجامع، فيأخذُ إبريقا فيضع بُلْبُلَتَه في فيه ويمصُّه]، -الإبريق يضعه في فمه، ويظهر للناس أنه يشرب منه- [ولا يزدرد منه شيئا، ويبقى ساعة كذلك]، -أي مدة- [ينظر الناسُ إليه فيظنون أنه يشرب الماء، وما دخل إلى حلقه منه شيء].

 

• وبعضهم كان يظهر للناس أنه صائم، فيذهب من عند أهله بطعامه وفطوره، فيظن أهله أنه يفطر في الدكان، ويضعه عنده إلى غروب الشمس، ويظنه الناس أنه أفطر عند أهله، أين نحن من هؤلاء يا عباد الله؟-

 

[كم سترَ الصادقون أحوالهم؟ وريحُ الصدق يَنِمُّ عليهم؟ ريحُ الصيام أطيبُ من ريح المسك، تستنشقه قلوب المؤمنين وإن خفي، وكلما طالت عليه المدة؛ ازدادت] -وازدانت- [قوة ريحه]. بتصرف من (لطائف المعارف) لابن رجب (ص: 132).

 

[فيا أيها الْغَافِلُ! تَنَبَّهْ لِرَحِيلِكَ وَمَسْرَاكَ، وَاحْذَرْ أَنْ تُسْتَلَبَ عَلَى مُوَافَقَةِ هَوَاكَ، انْتَقِلْ إِلَى الصَّلاحِ قَبْلَ أَنْ تُنْقَلَ، وَحَاسِبْ نَفْسَكَ عَلَى مَا تَقُولُ وَتَفْعَلُ، وَلا تَغْفُلْ عَنِ التَّدَارُكِ؛ اللَّهَ اللَّهَ لا تَفْعَلْ]. التبصرة لابن الجوزي (2/ 48).

[اللَّهُمَّ صَلِّ -وسلم وبارك- عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْعَلْ ذِكْرَ الآخِرَةِ لِقُلُوبِنَا مُلازِمًا، وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ تَوْفِيقًا جَازِمًا، وَذَكِّرْنَا رَحِيلَنَا -يا الله- قَبْلَ أَنْ نَرَى الْمَوْتَ هَاجِمًا، وَاقْبَلْ صَالِحَنَا وَاغْفِرْ لِمَنْ كَانَ آثِمًا].

اللَّهُمَّ أَعِنّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

اللَّهُمَّ إِنّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ يَغْلِبَنا دَيْنٌ، أَوْ عَدُوٌّ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ.

 

اللهُمَّ إِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللهُمَّ آتِ نفوسَنا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا، اللهُمَّ إِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا.

 {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}  [العنكبوت: 45].

 نقلها من مظانها وخطبها/ أبو المنذر فؤاد بن يوسف أبو سعيد عفا الله عنا وعنه وعن المسلمين أجمعين بمنه وكرمه الله آمين.

 

[1] عَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: "أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي"، (د) (3206).

الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد

  • 2
  • 0
  • 122,596

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً