سنن الله في التغيير المستفادة من سورة الكهف (4)

منذ 2017-10-29

قد بيَّن الله سبحانه حالة المبدِّلين المصلحين من المبدّلين المفسدين في آيتين في الوصية في محكم التنزيل فقال جلَّ شأنه {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:182 ].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله

اعلم - رحمني الله وإياك - أن التغيير على أربعة أقسام كالتالي: -

أ - إصلاح الفاسد إلى صالح.

ب - تغيير لاصلاح الصالح نحو الأصلح أو الأفضل.

ج - إفساد الصالح إلى فاسد.

د – تغيير لافساد الفاسد نحو الأفسد.

واعلم كذلك أن الله سبحانه قد جعل الإنسان خليفة في الأرض بأن يكون مصلحا لا مفسدا كما قال تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [ البقرة: 30].

قال الأستاذ الحكيم والشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي " كل من كان له وقوف على الأمم والأفراد في هذا العصر، علم انه بحق انه يسمى عصر العلم، و لكنه يرى أنه مع ذلك يجب أن يسمى - بالنظر إلى تدهور الأخلاق - اسما آخر..

النفوس الأرضية تربة من شأنها إن تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تسق بماء الإيمان الطاهر، و تشرق عليها شمس العلم الديني الصحيح، و تهب عليها رياح التذكير الحكيم, ... فأي أرض أمحلت من ذلك الماء و حجب عنها شعاع تلك الشمس و سدت عنها طرق تلك الرياح كان نباتها كما قال الملائكة عليهم السلام { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} .[ البقرة:30 ].

وقد بيَّن الله سبحانه حالة المبدِّلين المصلحين من المبدّلين المفسدين في آيتين في الوصية في محكم التنزيل فقال جلَّ شأنه {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:182 ].

وهكذا اعلم أن الناس ينقسمون إلى الأقسام التالية:

أ- صالح.

ب- ومصلح ناقص الاصلاح.

ج- ومصلح تام.

د- وفاسد.

ه- ومفسد ناقص الافساد.

و- ومفسد تام.

أما الصالح فإني أعني المؤمن الذي لا يقوم بالتغيير ولا بالدعوة إلى الله ولكنه مؤمن ناقص الإيمان.

وأعني المصلح الناقص الاصلاح الذي يحاول التغيير والدعوة إلى الله ولكنه ليس بالجريء ولا يبين الحق لكونه يخاف أو يستحي وقد يصلح عياله وأهاليه في حدود معينة ضيقة.

وقد بيَّن الله مثل هذا المصلح الناقص الاصلاح في آيات كثيرة في كتابه العزيز من سورة البقرة وسورة النساء كالذين يصلحون مثلا أموال اليتامى ويراعون حقوقهم الواجبة من مهر وغيره إن أرادوا الزواج منهم ويقسطون لهم بالقسط الواجب وهو مطلوب لكنه يجب أن يكون اصلاح المؤمن حق الإيمان اصلاحه عاما ليطال كل المجتماعات المسلمة على حسب قدرته من علم أو. مال أو جمع تبرعات لإيصالهم أو غير ذلك.

وأعني المصلح التام الذي يقوم بالتغيير وبالدعوة إلى الله بلا حدود معينة ولا يكون مع لك في صدره حرج في قول الحق ويبين للناس الدين الصافي الكامل الذي لا لبس فيه أبداً أينما كان ومهما كان من أمر كما قال تعالى {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [ سورةمريم: 31 ].

أي إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يدعوا إلى الله أينما كان حيثما كان فيغير الفاسد إلى صالح والصالح إلى أصلح وأفضل إذا هذه هي بركة الدعوة إلى الله كما ترى ونعمت البركة لتعميم الصلاح في المجتمعات.

وقد أُخرج لأحد الدعاة إلى الله بالرؤيا شهادة مزخرفة بألوان خضرة مكتوب عليها المصلح التام قما أحسنها من شهادة من قبل الله التي هي خير من شهادات الناس التي تغر وقليلا ما تنفع.

أما الفاسد فأعني الذي فسد تصوره للحق مع فساد عمله بالحق كذلك.

أما المفسد الناقص الافساد فأعني الفساق الذين يفسدون في لأرض بالقتل أو بالزنا أو بالسرقة أو بشرب الخمر وغير ذلك.

أما المفسد التام فأعني الكفار والمنافقين والمرتدين والمشركين الذين يحاربون دين الله ويصدون عن سبيل الله ويبغونه عوجا.

فلا ريب أن مثل هؤلاء فتنتهم أعظم الفتن وفسادهم أعظم الفساد وشرورهم أعظم الشرور لا سيما في هذا الزمان الذي تفنن الكفار في افساد عقول المسلمين قبل أبدانهم بما سخَّرالله لهم من فتوحات التكنولوجيا فسحَّروا – للأسف - بجموغ غفيرة من أبناء المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إذا لابد أن يكون أقوام مؤمنون يقاومون هذه الفتنة الكبيرة في الأرض وهذا الفساد العريض وهم المصلحون التامون الذين يوالون بعضهم بعض الآخر كما والى الكفار بعضهم بعض الكفار والذين يقاتلون الكفار كافة كما قاتلوهم كافة واقرأ إن شئت لزيادة الايضاح من أول قوله تعالى من سورة الأنفال {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إلى آخر السورة.

وهكذا اقرأ إن شئت لزيادة الايضاح قوله تعالى {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 217- 218 ].

إ ذا فإنك ترى – أيها العبد المؤمن - أن كلا الآيتين اختتمت بحل واحدٍ للتغيير أمام المؤمنين للوضع المتأزم من قبل الكفار وهو كالتالي:-

أولا: الاتصاف بالإيمان الكامل.

وثانياً الاتصاف بالهجرة في سبيبل الله.

ثالثا: الاتصاف بالجهاد في سبيل الله.

ثمرات في قصة أصحاب الكهف مع دروس وعبر:

أولا: القيام للدين الحق وجهادهم في الله حق الجهاد وتقواهم حق التقوى واتباعهم للحق حق الإتباع وهو ما نوصي به لكل المؤمنين كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102 ].

إذ هذه هي حقيقة تقوى الله حق التقوى وهي التي تستلزم جهادهم في الله حق الجهاد وإتباع دين الحق حق الإتباع ليكون إيمان المرء صادقا غير كاذب وصاف غير مشوب بما يخالف دين الحق من شرك وبدعة وغير ذلك.

ثانيا: الصبر العظيم والثبات لدين الله إلى الممات وهو ما أوصى الله في آالنصف الأخير من آية آل عمران {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

ثالثا: عظيم توكلهم على ربهم مع عظيم ثقتهم بربهم وعظيم اعتمادهم على الله العظيم جل جلاله راجين بذلك رحمة الله وقد ظفروا بها.

رابعا: الإيمان لا يعترف بالقوة المادية أكثر مما يعترف بقوة الله القاهرة على رقاب الناس كما قال تعالى {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 18 ].

ولذلك فإنهم يمضون في طريق الحق لا يخافون لومة لائم مع الأخذ بالأسباب المستطاعة.

خامسا: اعتزالهم من الكفر وأهله وهو خطوة نحو الترقي إلى المقامات الإيمانية العظيمة والتقرب إلى جوائز الله ورحمته في الدنيا والآخرة قال الله تعال في حق إبراهيم {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [ سورة مريم: 49 ].

سادساً: نجاحهم في الابتلاء فإن المؤمن قد ابتلاه الله بالابتعاد من الكفر وأهله والجهاد في دين الله حق الجهاد.

والابتلاء على الأقسام التالية:

أقسام الابتلاء:

1- الابتلاء لأجل تكفير السيئات ورَفْع الدرجات، لذنوبٍ قد اقترفها المرءُ؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ حتى الشوكة يشاكها، إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة».

2- الابتلاء لأجل التأديب والتمحيص، وتصحيح المسار لجماعة معينة، وليتميز المنافق من المؤمن؛ كما قال -تعالى-:  {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141].

3- الابتلاء بمصيبة عامة لأجل ذنوبٍ منتشرة عامة؛ لأجل التوبة والرجوع إلى الله؛ كما قال -تعالى-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الروم: 41].

4- الابتلاء لأجل إظهار إيمان العبد وصبره؛ كما قال -تعالى-: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: 1 - 2]، وقال -تعالى-: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [البقرة: 177]، وقال -تعالى-: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [البقرة: 214].

وقال -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].

5- الابتلاء بحمل الأمانة: وهي التكاليف التي وضعها الله في عاتق كلِّ إنسان وجِنّ، وهي التي لأجلها خَلَقَ الثَّقَلَين؛ قال -تعالى-: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]، وقال -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].

وقال -تعالى-: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [الإنسان: 2].

6- ابتلاء المسلمين بسماع الأذى من المشركين، بل أن تأتي منهم فِتَنٌ، وهي من أعظم الفتن؛ قال -تعالى-: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران: 186]، وقال -تعالى-: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39].

7- ابتلاء الناس بعضهم ببعضٍ؛ قال -تعالى-: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20].

ومن ذلك ابتلاء الغني بالفقير، والفقير بالغني، وابتلاء الزوجة بزوجها، أو العكس، وابتلاء الأب بالأبناء، أو العكس، أو ابتلاء الحكومة برعاياها، أو العكس، وهَلُمَّ جرًّا.

العلاج والحل لتجاوز الابتلاء بالسلامة والنجاح:

1- وجوب التيقُّن بقدر الله الذي لا مَفَرَّ منه.

2- الصبر الجميل الذي لا شكاية معه.

3- أن يتعلق بالله وحدَه في السرِّ والعَلن، وفي السراء والضراء، وفي الرغبة والرهبة، ويفوِّض أمره إلى الله.

4- أن يتذكَّر ببيت الحمد الذي أعدَّه الله لكلِّ صابرٍ حامدٍ لربِّه في كل الأحوال.

5- أن يرزقه الله الثبات وقوة العزيمة في الدين، وفي كل الأحوال؛ لأن في ذلك تربيةً وقوة للجأش؛ بسبب التوكُّل والثقة العظيمة بالله.

6- أن يرزقه الله - إذا قال عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون - الصلوات والرحمة والهداية.

وسأتبع في المقال القادم إن شاء الله تعالى ما سيتيسر من قصة مثل الرجلين والتي جعل الله لأحدهما جنتين.وما فيها من العبر.

والله أعلم.

الكاتب: أبو عبدالله عبد الفتاح بن آدم المقدشي

  • 1
  • 0
  • 8,677

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً