القواعد الفقهية ( المقال الثالث)

منذ 2018-05-22

الإيثار بالقُرَب مكروه وفي غيرها محبوب: والضابط أنها في الواجب محرم وفي السنة مكروه، وفي المستحب خلاف الأولى، ويشكل فيها ما لو سحب إنسان من الصف إذا لم يجد فرجة.

شرح لبعض القواعد المهمة:

سنقف في عجالة سريعة على أهـم القواعد الفقهية، التي عرفت قديماً واتصفت بالدقة والشمول وهي:

1- الأمور بمقاصدها: أصل هذه القاعدة حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) [1].

 

قال بعضهم: ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب.

 

وقد ورد في القرآن بعض الآيات التي تشهد لهذه القاعدة، منها قوله -تعالى-: {ومَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهَاجِراً إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ المَوتُ فَقَد وقَعَ أَجرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] وقوله -تعالى-: {ومَن يَفعَل ذَلِكَ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ فَسَوفَ نُؤتِيهِ أَجراً عَظِيماً}[النساء: 114].

 

ومما ورد في السنة يشهد لهذه القاعدة الحديث الذي رواه البخاري والشاهد منه «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [2].

 

ومن الأمثلة على فروع هذه القاعدة:

1- اللقطة إن التقطها ملتقط بنية حفظها لمالكها، كانت أمانة لا تضمن إلا بالتعدي وإن التقطها بنية أخذها لنفسه، كان في حكم الغاصب، فيضمن إذا تلفت في يده بأي صورة كان تلفها، والقول للملتقط بيمينه في النية لو اختلفا فيها [3].

 

2- لو وقع الصيد في شبكة إنسان أو حفرة من أرضه، ينظر فإن كان نشر الشبكة أو حفر الحفرة لأجل الاصطياد بهما، فإن الصيد ملكه، وليس لأحد أن يأخذه، وإن كان نشر الشبكة لتجفيفها مثلاً أو حفر الحفرة لغرض معين، لا لأجل الاصطياد فإنه لا يعتبر من ملكه، وساغ لغيره أن يتملكه بالأخذ إذا استبق إليه، لأن إحراز المباحات لا يفيد الملك إلا إذا اقترن بالنية والقصد [4].

 

2- الضرر يزال:

أصلها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضرار) [3].

 

وقد وردت آيات في معنى هذه القاعدة منها قوله -تعالى-: {ولا تُمسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعتَدُوا}[البقرة 231] وقوله -تعالى-: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمسَاكٌ بِمَعرُوفٍ, أَو تَسرِيحٌ بِإحسَانٍ}[البقرة 229].

 

أما في السنة فقد قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» [4].

 

وقد استنبط العلماء من هذه القاعدة عدة قواعد منها:  - الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف - يختار أهون الشرين - إذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما بارتكاب أخفهما.

 

ومن الأمثلة على ذلك: 

1- يجوز السكوت على المنكر إذا كان يترتب على إنكاره ضرر أعظم، كما تجوز طاعة الأمير الجائر إذا كان يترتب على الخروج عليه شر أعظم [5].

 

2- يجوز شق بطن الميتة لإخراج الولد، إذا كانت تُرجى حياته [6].

 

3- حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد [7].

 

3- العادة مُحَكَّمة:

ما ورد في معنى هذه القاعدة من الآيات القرآنية، قوله -تعالى-: (ولَهُنَّ مِثلُ الَذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ)[البقرة 228] و {وعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعرُوفِ}[النساء 19]، وقوله -تعالى-: {فَكَفَّارَتُهُ إطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِن أَوسَطِ مَا تُطعِمُونَ أَهلِيكُم أَو كِسوَتُهُم}[البقرة 98].

 

أماه الأحاديث فقوله -صلى الله عليه وسلم- (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) [8].

 

قال الإسنوي وغيره: (إن ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف) [9].

 

4- المشقة تجلب التيسير:

دلت على هذه القاعدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية منها قوله -تعالى-: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ)[البقرة 185]، وقوله -تعالى-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفساً إلاَّ وسعَهَا)[البقرة 286]، وقوله -تعالى-: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُم.}) [النساء 28].

ومن الأحاديث قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) [10].

 

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل» [11].

 

والأدلة التي تؤيد هذه القاعدة أكثر من أن تحصر ولذا يقول الإمام الشافعي:  (إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع) [12].

 

ومن هذه القاعدة استنبط العلماء قواعد تندرج تحتها منها:

- الضرورات تبيح المحظورات.

 

- ما جاز للضرورة يقدر بقدرها.

 

- إذا ضاق الأمر اتسع، ومن فروع هذه القاعدة:  أن المديون إذا كان معسراً ولا كفيل له بالمال يترك إلى وقت الميسرة.

 

5- إذا اجتمع الحلال والحرام غَلَب الحرام الحلال:

وأصل هذه القاعدة قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات - أو مشبهات - لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمي، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) [13].

 

كما أن حديث عدي بن حاتم يعتبر أصلاً لهذه القاعدة وهو: (قلت يا رسول الله أرسل كلبي وأسمي، فأجد معه على الصيد كلباً آخر لم أسم عليه ولا أدري أيهما آخذ، قال: لا تأكل، إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر) [14].

 

6- التصرف على الرعية منوط بالمصلحة

وفي معنى هذه القاعدة، يقول -تعالى-: (إنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدٌّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهلِهَا وإذَا حَكَمتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدلِ)[النساء: 58].

 

أما الأحاديث فقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) [15] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة) [16].

 

ومن فروع هذه القاعدة:  إذا لم يوجد ولي للقتيل فالسلطان وليه، ولكن ليس له العفو عن القصاص مجاناً لأنه خلاف المصلحة بل إن رأى المصلحة في القصاص اقتص أو في الدية أخذها [17].

 

7- الميسور لا يسقط بالمعسور:

أصل هذه القاعدة ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) [18].

 

ومن فروعها:

1- إذا كان مقطوع بعض الأعضاء يجب عليه غسل ما بقي جزماً.

2- إذا قدر على بعض السترة فعليه ستر القدر الممكن.

3- القادر على بعض الفاتحة يأتي به بلا خلاف.

4- من بجسده جرح يمنعه استيعاب الماء، فعليه غسل الصحيح مع التيمم عن الجريح.

 

ومن القواعد المهمة: 

1- المتعدي أفضل من القاصر، لكنه يستثنى في الإيمان.

 

2- الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها، مثل الصلاة في جوف الكعبة لكن الجماعة خارجها خير من الصلاة منفرداً داخلها.

 

3- ما حرم استعماله حرم اتخاذه: ومنها تحريم آلات اللهو واتخاذ الذهب والفضة للزينة.

 

4- الخروج من الخلاف مستحب: مثل غسل المني، الترتيب في قضاء الصلاة.

 

5- الإيثار بالقُرَب مكروه وفي غيرها محبوب: والضابط أنها في الواجب محرم وفي السنة مكروه، وفي المستحب خلاف الأولى، ويشكل فيها ما لو سحب إنسان من الصف إذا لم يجد فرجة.

بقلم/ عبد العزيز الحويطان.

 

____________________________________________________________

(1) رواه الستة، انظر القواعد الفقهية للندوي ص 246.

(2) أخرجه البخاري 1/43، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً.

(3) أخرجه الحاكم وتقدم تخريجه.

(4) ابن ماجه في الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، 2/1058 رقم 3170.

(5) شرح القواعد الفقهية للزرقاني ص 147.

(6) الأشباه والنظائر لأبي نجيم ص 97.

(7) صحيح مسلم بشرح النووي 3/190.

(8) صحيح البخاري بشرح العيني 13/16-17.

(9) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ص 224.

(10) أخرجه البخاري 1/16.

(11) أخرجه البخاري 1/15-16.

(12) الموافقات 1/231.

(13) أخرجه مسلم في المساقاة 2/1219 رقم 1099.

(14) رواه البخاري، كتاب البيوع 4/1939.

(15) رواه البخاري 1/ 304 رقم 853.

(16) رواه البخاري، فتح الباري 13/126-127.

(17) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 121.

(18) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة 4/258.

  • 3
  • 0
  • 3,168

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً