مسارات في صناعة القرار الإيراني : المقال الثالث

منذ 2019-02-06

ومن المهم لعالمنا العربي والإسلامي معرفة إيران من داخلها، وإتقان لغتها، ودراسة خياراتها، ومكامن ضعفها، وعوامل قوتها

أما مجمع التشخيص فنشأ بقرار من الخميني عام (1988م) للفصل في النزاع بين مجلسي الشورى والصيانة على شرعية الأنظمة ومشروعيتها، خاصة بعد استفحال الخلاف بينهما، ويتكون من إثني عشر عضواً، يمثلون رؤساء السلطات الثلاث، وفقهاء مجلس صيانة الدستور، وممثل الإمام، ورئيس الوزراء، والوزير صاحب مشروع القانون موضع الخلاف.

ثم جرى توسيع صلاحيات المجمع، وأصبح المسؤول عن تنظيم المرحلة الانتقالية الفاصلة بين شغور منصب المرشد، وانتخاب المرشد الجديد من قبل مجلس الخبراء. وكما توسعت صلاحيات المجمع زادت عضويته لتشمل ممثلي السلطات الثلاث، والنائب الأول لرئيس الجمهورية، ونائب رئيس مجلس الشورى، وممثلين للوزارات السيادية، والوزير المختص بالقضية المطروحة، وفقهاء مجلس الصيانة، وممثلاً للمرشد.

وواجه المجمع هجوماً بدعوى عدم دستوريته، وأن رئيسه يتحول إلى رئيس الرؤساء بحكم عضوية رؤساء السلطات الثلاث تحته، ولصلته المباشرة بالمرشد، ولم يحفل رفسنجاني-أول رئيس للمجمع-بهذه الانتقادات؛ بل أكدها حين ذكر أن المجمع ولد ليتخذ من القرارات مالاتقدر عليه الحكومة أو المجالس الأخرى، علما أن مدة عمل المجلس خمس سنوات.

ويعد مجلس الأمن القومي الأعلى تطويراً لمجلس الدفاع الأعلى الوطني، ويتكون من أعضاء مدنيين وعسكريين من شاغلي المناصب العليا، وله مهامه المحددة في المادة رقم (176). وأما مجلس إعادة النظر في الدستور، فلا يحق له تعديل أي حكم شرعي أو متعلق بالمرشد، ويجب عليه التشاور في التعديلات مع المرشد ومجمع التشخيص، وأخيراً يطرح التعديلات في استفتاء عام يلزم منه الموافقة بالأكثرية المطلقة، وحددت المادة رقم (177) تكوين المجلس من أعضاء مجلس الصيانة، وأعضاء مجمع التشخيص الدائمين، ورؤساء السلطات الثلاث، وعشرة أشخاص يعينهم المرشد من النواب والقضاء والوزراء والجامعة.

وتتكون القوات المسلحة الإيرانية من ثلاثة عناصر هي: الجيش، والحرس الثوري(الباسدران)، وقوات التعبئة والنفير(البسيج)، وتصف المادة رقم (144) الجيش بأنه إسلامي عقائدي لا يضم سوى أفراد مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية، ولأجل ذلك أنشئت فروع للتوجيه العقائدي داخل الجيش، ومع أهمية الجيش إلا أن القرارات انحازت لصالح الحرس زمن الحرب؛ لدرجة أن منح الحرس حق التجنيد الإجباري بدلاً من الجيش.

ويمتاز الحرس بالثورية والولاء المطلق للخميني، ويؤثر على صنع القرار لأربعة أسباب، هي:

  • دوره في الحرب مع العراق.
  • ضخامة مؤسسته وموازنتها ومشاريعها وعدد أفرادها.
  • علاقته الوثيقة مع المرشد حتى أن الحرس يوصف بأنه مؤسسة المرشد.
  • انتشار رجاله في عدد من مراكز القوى وصناعة القرار، ومن أمثلة ذلك أن مسؤول الشؤون العربية في وزارة الخارجية ينتمي للحرس الثوري!

وكان لعدد من أعضائه جهد كبير في تكوين حزب الله لبنان، ولن نخطئ التقدير إذا قلنا بأن أذرعة إيران في الخليج والعراق واليمن كلها من صناعة الحرس الثوري، وهو مؤسسة طويلة اليد عابرة للحدود، حتى أن قائد الحرس ابتداء من عام 1997م يحيى رحيم صفوي يحمل شهادة الدكتوراه في الجغرافيا السياسية! وأما قوات النفير فهي أقل تنظيماً وتدريباً، وكان دورهم في حرب العراق مشهوداً ومحل تقدير الشارع الإيراني، والبسيج أقرب للحرس منهم للجيش.

ووصفت د. نيفين المجتمع المدني الإيراني بأنه متنوع وقوي وذكي ونابض ومتشابك، وتقصد بالذكاء تجنب الصدام مع السلطة، وهو نابض متجدد تنتقل قواه من مربع لآخر حسب المصلحة، ومتشابك حيث تتداخل فيه القوى والمصالح والارتباطات الحزبية والعائلية. ويتكون من ست فئات رئيسة هي: القوى الدينية، والقوى الاقتصادية، والتنظيمات شبه الحزبية، والصحافة، والحركة الطلابية، والمرأة.

ومصادر قوة رجال الدين في إيران تبدأ من هيبة العلماء عند الشيعة، مروراً بتلقي المراجع الخمس الواجب على كل شيعي، وانتهاء بالقدرة على التعبئة وتحريك الجموع. وتتحرك القوى الدينية من خلال مؤسستين هما الحوزة، والأمانة الدائمة لأئمة الجمع والجماعات؛ ولها مكانة عالية في إيران.

وتنقسم القوى الاقتصادية إلى قوتين هما: البازار، والمؤسسات الخيرية، وهما قوتان محسوبتان على التيار المحافظ، وعلى المرشد تحديداً. والبازار تعبير يراد منه التجار، وعلاقتهم وثيقة بالحوزة، وأقوى حضور لهم في طهران. وأما المؤسسات الخيرية فقد ورثت أملاك الشاة وقصوره، ولا تخضع للرقابة الحكومية، وهي مستقلة في سياساتها، وفي تمويلها، ومن موقفها المالي القوي أنها تقرض الحكومة! وتمارس العمل الاستثماري كالتجار تماماً، وأبرز كياناتها خمس مؤسسات هي:

  • مؤسسة المستضعفين: وهي وريثة أملاك الشاة، وتوصف بأنها أخطبوط اقتصادي كبير، وحجم أعمالها يمثل 40% من الناتج الوطني، وموازنتها تصل إلى 06 مليارات دولار، ويعمل فيها 60 ألف شخص، وتحتل المرتبة الثانية في الدخل بعد شركة البترول، وكما أن لها دور اقتصادي واجتماعي داخلي، فلها أدوار خارجية خطيرة؛ تصل إلى حد تصفية المعارضين، ونشر التشيع، وتصدير الثورة، ورعاية حزب الله وإخوانه مالياً، وغدت هذه المؤسسة ركيزة من ركائز القوة الإيرانية، ومن يقترب من مكاتب مقر قيادتها يشعر بالقوة كما قال صحفي غربي.
  • مؤسسة الشهيد: وهي معنية بأسر قتلى الثورة الإيرانية، لكنها تمددت خارج إيران، ولها مراكز طبية في12 دولة.
  • مؤسسة الإمام الرضا: وهي مسؤولة عن ضريح موسى بن جعفر الصادق رحمه الله، ودخلها ضخم من ملايين الحجيج إلى قم، وتمتلك معظم عقاراتها، ويعمل فيها 19 ألف موظف.
  • مؤسسة 15 خرداد: أنشئت تخليداً لذكرى إعلان الثورة على الشاة من قبل الخميني في الخامس من يونيو (1962م)، ولذا سمح الخميني لمقلديه بدفع الخمس لها.
  • مؤسسة إمداد الإمام: وتعتني بالمتضررين من الكوارث خاصة في لبنان.

وأما التنظيمات شبه الحزبية فهي الأحزاب، والروابط، والتجمعات، وسبق أن استعرضت كتاباً خاصاُ عنها وعن الشخصيات الإيرانية في مقالة عنوانها: إيران: أحزابها وشخصياتها، ويمكن الرجوع إليه تخفيفاً عن هذه المقالة الطويلة.

وأما صحافة إيران فمنها المتشدد والمعتدل، وقد ازداد عددها خاصة أيام خاتمي، وكان لها سجال مع الحكومة؛ فمرة تغلب، وأخرى تُغلب، ويبدو أن جل صحافة إيران متصالح مع المذهب خلافاً لصحافة العالم العربي التي تثير الضجة بين فترة وأخرى بهجومها على المفاهيم الشرعية.

ثم تحدثت المؤلفة عن الحركة الطلابية والمرأة، فنسبة الشباب مرتفعة في إيران، ولهم نشاطهم المتصاعد خاصة في الجامعات، وحسموا مع النساء المعركة الانتخابية لصالح خاتمي. وأما المرأة فقد ألغى الخميني قانون الأسرة الذي أصدره الشاة، وجعل يوم المرأة الإيرانية متوافقاً مع ميلاد السيدة فاطمة رضي الله عنها، وللمرأة الإيرانية اهتمام فيما يخص شؤونها، وقد وصلت لمناصب عليا في عدة مؤسسات إيرانية في السلطات الثلاث.

صنع القرار والعلاقات العربية الإيرانية هو عنوان الفصل الرابع، وبدأت الباحثة بتحديد خصائص صنع القرار في إيران، كما يلي:

أولاً: خصائص الإطار العام:

  • للمرشد دور جوهري في عملية صنع القرار استناداً لولاية الفقيه، ومكانة المرشد كحكم يسمو فوق الخلافات بين القوى.
  • يتنافس رئيس الجمهورية مع رؤساء مجالس الشورى والصيانة والمجمع على مركز الرجل الثاني.
  • للأشخاص أثر عظيم في صنع القرار حتى لو لم يشغلوا منصباً كأحمد نجل الخميني.
  • تمارس بعض المؤسسات أعمالاً ضخمة مع أنها ليست من مؤسسات الدستور، وبعض المؤسسات الدستورية ضعيفة الحضور.
  • للثورة مؤسسات مختلفة عن مؤسسات الدولة، وتتميز بالطابع العقائدي وتلتزم به، وتتداخل مع مؤسسات الدولة، وتستطيع إرباك أي قرار.
  • مع عقائدية النظام ألا أن المبادئ يمكن تطويعها لتتفق مع المصلحة، ولذا لابد من قراءة بعض المواقف الإيرانية قراءة واقعية ومنفعية وليست أيديولوجية.
  • المجتمع المدني الإيراني ليس كتلة واحدة موالية للنظام، وله استقلاليته.

ثم عرجت الباحثة على خصائص النخبة، وسجلتها كالتالي:

  • أنها نخبة عائلية مترابطة بالقرابة والنسب والمصاهرة، وظاهرة الأخ بارزة كما في إخوة رفسنجاني وخاتمي.
  • تعد هذه النخبة سبباً من أسباب الفساد السياسي، وغياب مبدأ المساواة أمام القانون.
  • يعاد تدوير النخبة باستمرار؛ مما جعلها نخبة مغلقة.
  • النخبة متوسطة العمر.
  • يتزايد تمثيل المكون التكنوقراطي في النخبة الإيرانية، وعدد جم منها يجمع بين الدراسة الدينية والمدنية.
  • ترجع غالب النخبة لمدن طهران العاصمة وأصفهان المركز التجاري وموطن الأقليات!
  • التعصب ظاهر في النخبة حتى أن ولايتي أكثر من توظيف أبناء حي رستم أباد في وزارة الخارجية.
  • يوجد خلافات بين أعضاء النخبة الحاكمة، كما يوجد خطوط اتصال، ونقاط التقاء، وتقاطع مصالح.

ثم درست المؤلفة صنع القرار تجاه الموضوعات العربية، وركزت على ثلاث موضوعات هي الاقتصاد، وحرب الخليج الأولى والثانية، والرهائن، وخلصت بعد استعراض محاور هذه الموضوعات إلى أن الشأن العربي يستفز عادة قوى النظام والمجتمع في إيران، ويعبئ معظم التيارات مع أو ضد، ويفتح للسجال أبواباً في الحوزة والجامعة والبرلمان والجوامع والصحف، ولذا فدراسة صنع القرار في إيران حيال الأقطار العربية يعبر عن عملية صنع القرار الإيراني في جميع شؤونها.

ولإيران تداخل خشن وناعم مع البلدان العربية؛ فهي تحتل جزر الإمارات، وتدير حزب الله في لبنان-والحوثي في اليمن والحشد في العراق-، ولإيران موقف من التسوية مع إسرائيل، وعلاقات مع القوى الفلسطينية، وفوق ذلك لها احتكاكها الشديد مع دول الخليج حتى في مسمى الخليج، والمستقبل مرشح للمزيد مالم تعمل حكومات العرب ودول الخليج خاصة على كبح التمدد الإيراني الناعم والخشن.

وفي التجربة الإيرانية فوائد في كيفية التعامل مع الدولة العميقة، وتبادل الأدوار بين الدولة والثورة، وبين الأشخاص والمؤسسات في المواقف، كما أن الحياة النيابية وتعدد مراكز صناعة القوى، ووجود سلطة تكون هي الفيصل أمور جديرة بالتأمل.

ومن المهم لعالمنا العربي والإسلامي معرفة إيران من داخلها، وإتقان لغتها، ودراسة خياراتها، ومكامن ضعفها، وعوامل قوتها، حتى تحسن هذه الدول التعامل مع إيران الفارسية، ومع إيران الصفوية، ومع إيران ذات القوة العسكرية والبحرية، وإن دولة بهذا الإرث الحضاري، والتمسك العقائدي، لن يواجها إلا حضارة ذات عقيدة صحيحة قوية متماسكة.

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض

مدونة :أحمد بن عبد المحسن العسَّاف

  • 0
  • 0
  • 76

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً