عشر فضائل في عشر ذي الحجة

منذ 2020-07-20

جعل الله لعباده مواسمَ للخير؛ ليتفرغوا لها ويزدادوا أعمارًا إلى أعمارهم، فيكون الأجر فيها مضاعفًا عن سنوات عديدة، وقد جعل الله من هذه المواسم عشر من ذي الحجة.

جعل الله لعباده مواسمَ للخير؛ ليتفرغوا لها ويزدادوا أعمارًا إلى أعمارهم، فيكون الأجر فيها مضاعفًا عن سنوات عديدة، وقد جعل الله من هذه المواسم عشر من ذي الحجة، وإذا أردنا استجماع فضل هذه العشر، فنوردها في عشر مسائل:

الأولى: قال تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [الفجر: 1، 2]، وجمهور أهل التفسير على أن العشر هي عشر من ذي الحجة؛ قال ابن كثير: (المراد بها عشر ذي الحجة؛ كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف، وهو الصحيح)[1]، وهذا فيه بيان لعظمة العشر؛ إذ لا يقسم الله إلا تعظيمًا وتشريفًا للمقسم به.

 

الثانية: أيام العشر أفضل أيام الدنيا؛ فعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ أيَّامِ الدُّنيا العشرُ؛ يعني عشرَ ذي الحجَّةِ، قيل: ولا مثلُهنَّ في سبيلِ اللهِ، قال: ولا مثلُهنَّ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رجلٌ عفَّر وجهَه بالتُّرابِ» [2]، فأيام السنة في كفة وهذه العشر في كِفة، والله يختص برحمته من يشاء، وهذا التفضيل يورد لمعنى وهو الحث على العمل.

 

الثالثة: العمل فيها له انفراد؛ من حيث الفضل، ومن حيث القبول، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيَّامِ العَشْرِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجلٌ خرَج بنفسِه ومالِه، ثمَّ لم يرجِعْ مِن ذلك بشيءٍ» [3]، وعليه فإطلاق المحبة لها فيه معنى القبول للعمل من الله، وإلا لَما ورد التفضيل بالمحبة، ثم إن العمل المفضول في سائر الأيام يكون بهذا المعنى فاضلًا في هذه الأيام.

 

الرابعة: عدل العمل الصالح فيها مقام ذِروة سَنام الإسلام وهو الجهاد، وهذا مقام عظيم جعل الصحابة يقفون متسائلين عن الحد والمنتهى لفضل العمل في العشر، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل ليس مماثلًا للجهاد، بل هو أعظم، واستثنى صورة تضحية الرجل بنفسه وماله، وهذا الاستثناء من دلالة العموم، وعليه لا أفضل من العمل فيها على وجه العموم، فأي قربة فيها خير من القربة في غيرها.

 

الخامسة: من أعظم العبادات فيها إقامة الركن الخامس من أركان الإسلام، ففي الحديث: «الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنةُ، والعمرةُ إلى العمرةِ تكفيرٌ لما بينَهُما» [4]، يكفي فضل هذه العشر أنه يُؤدَّى فيها ركنٌ من أركان الإسلام من قام به على وجهه كان سببًا لدخول فاعله الجنة، وما ذاك إلا للجهد الذي يعانيه الحج، حتى قاربت مشقته الجهاد، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قلتُ يا رسولَ اللهِ، هل على النِّساءِ من جهادٍ؟ قال «عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه الحجُّ والعُمرةُ»[5].

 

السادسة: صيام أيام العشر، ففيه حديث خاص وهو حديث حفصة: (عن بَعضِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَت: كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يصومُ تسعَ ذي الحجَّةِ، ويومَ عاشوراءَ، وثلاثةَ أيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ، أوَّلَ اثنينِ منَ الشَّهرِ والخميسَ)[6]، وهناك الدليل العام في فضل العمل الصالح، والصيام من أعظم الأعمال الصالحات، فيصوم المرء كل التسع وفيه فضل، وإن اقتصر على بعض الأيام فلا بأس، ولكن صيام يوم عرفة ثابت وله فضل خاص.

 

السابعة: صيام يوم عرفة من أعظم أيام الدنيا، وهو واسطة العقد في أيام العشر، وفيه عبادة الصيام؛ قال صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ» [7]، وهذا الحديث انفرد بقضية، وهي أنه لا يوجد في العبادات تكفير ذنوب الزمن المستقبل؛ لأن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما هنا، فقيل: إن الله يعصم العبد مما يوجب الكفارة، وقيل: إن حدث يوفقه لأعمال صالحة تكفِّرها، ففي صيامه عصمة وتكفير.

 

الثامنة الذكر الخاص: قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}  [الحج: 28]، وقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}  [الحج: 28]، قال شعبة وهشيم عن أبي بشر عن سعيد عن ابن عباس: الأيام المعلومات: أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به)[8]، وفي الحديث: «ما مِن أيَّامٍ أعظَمُ عِندَ اللهِ ولا أحَبُّ إليه مِن العَمَلِ فيهنَّ مِن هذه الأيَّامِ العَشرِ، فأكثِروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ» [9]، فالذكر في هذه الأيام مقصود لذاته كعبادة ففي الحديث «إنما جُعِلَ رَمْيُ الجمارِ والسَّعْيُ بين الصفا والمروةِ لِإِقامةِ ذِكْرِ اللهِ» [10]، فكما يقيم الحاج ذكر الله يشاكله المقيم، فقيم الذكر بالتكبير المطلق.

 

التاسعة: يوم النحر ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: «أعْظمُ الأيامِ عندَ اللهِ يومُ النحرِ ثم يومُ القَرِّ» [11]، خاتمة المسك الأيام العشر تكون قربة الذبح لله، وقد جعل الله الهدي للحاج وجوبًا، وجعل للمقيم الأضحية سُنة متبعة أوجبها بعض العلماء على الموسر، فطِيبوا بها نفسًا مشاركة للحجاج في القُرَب.

 

العاشرة: هذه الأيام جامعة لأصول العبادات، وعليه قيل بتفضيلها عن أيام الدنيا؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيها، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيره)؛ ا.هـ, فالمسابقة في الخير من صفات أهل الإيمان واليقين، فربما كانت آخر أيام الدنيا للعبد.

 


[1] تفسير ابن كثير .

[2] قال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده حسن ورجاله ثقات, وقال المنذري في الترغيب والترهيب: (إسناده حسن)، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

[3] رواه البخاري قريبًا من هذا, وصححه أحمد شاكر في مسند أحمد, وتبعه الأرنؤوط في تخريج المسند.

[4] أخرجه البخاري (1773 )، ومسلم (1349) باختلاف يسير.

[5] أخرجه ابن ماجه (2901)، وأحمد (24463)، وصححه النووي في المجموع, وقال ابن الملقن في تحفة المحتاج: إسناده على شرط الصحيح, وحسنه ابن حجر في موافقة الخبر الخبرَ.

[6] أخرجه أبو داود (2437) واللفظ له، والنسائي (2417)، وأحمد (22334), وحسنه السيوطي في الجامع الصغير, والألباني في صحيح أبي دواد، والحديث فيه كلام.

[7] مسلم (1162) .

[8] تفسير ابن كثير.

[9] أخرجه أحمد (5446)، والدارقطني في ((العلل)) (12/ 376)، واللفظ لهما، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2971)؛ قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة: سنده صحيح, وصححه أحمد شاكر والأرنؤوط في تخريج المسند.

[10] أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح, وبه قال ابن قدامة في الكافي, وصححه السيوطي في الجامع الصغير.

[11] أخرجه أبو داود (1765)، وابن خزيمة (2917)، وحسَّنه البيهقي في السنن الكبرى, وقال الألباني في الإرواء: إسناده رجاله كلهم ثقات، وصحَّحه في صحيح أبي داود وتبعه الأرنؤوط.

  • 1
  • 0
  • 1,029

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً