القرار المكين

منذ 2020-12-10

قوله عز وجل {ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين }  والجعل غير الخلق ويكون بعد الخلق كما بين أهل التفسير واللغة

النص الشريف: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13)}   [سورة المؤمنون]   
الدلالة اللغوية: الجعل هو الصيرورة  ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الصافي ، النُّطْفَةُ: القطرةُ ، النُّطْفَةُ: المَنِيُّ وهى خليّة جنسيّة ذكريّة موجودة في المنيّ ([1]). والقرار هو من الاستقرار والثبات والسكون والهدوء، وهو المكان الذي يستقر فيه الماء، يقول صاحب اللسان: " وأَقَرَّه في مكانه فاستقرَّ، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} [البقرة: 36] أَي قَرار وثبوت، والقَرارة والقَرارُ ما قَرَّ فيه الماء، وقال أَبو حنيفة القَرارة كل مطمئن اندفع إِليه الماء فاستقَرّ فيه،ويقال القَرار مُسْتَقَرُّ الماء في الروضة، والمَقَرَّةُ الحوض الكبير يجمع فيه الماء. وأما (مكين) فإنها تعني التمكن من الشيء، يقول صاحب اللسان: "والمَكِنةُ التمكن، وقد مَكُنَ مَكانَةً فهو مَكِينٌ والجمع مُكَناء ([2])".
أقوال المفسرين :
اتفق المفسرون على أن القرار المكين هو الرحم ،. ولكنهم فسروا القرار بأنه المكان الصالح والمهيأ للاستقرار، وأما المكين فهو المتمكن والشيء الحريز والحصين، والثابت في المكان بحيث لا يقلع من مكانه. ويقول ابن عاشور: "سميت سُلالة الذكر نطفة لأنها تنطُف ، أي تقطر ، فضمير { جعلناه } عائد إلى الإنسان باعتبار أنه من السلالة ، فالمعنى : جعلنا السلالة في قرار مكين ، أي وضعناها فيه حفظاً لها ، ولذلك غُير في الآية التعبير عن فعل الخلق إلى فعل الجعل المتعدي ب (في) بمعنى الوضع ، والقرار في الأصل : مصدر قَرّ إذا ثبت في مكانه ، وقد سمي به هنا المكان نفسُه. والمكين : الثابت في المكان بحيث لا يقلع من مكانه فمقتضى الظاهر أن يوصف بالمكين الشيء الحال في المكان الثابت فيه، وقد وقع هنا وصفاً لنفس المكان الذي استقرت فيه النطفة" ([3]) "
التوجيه العلمى:
جاء جعل النطفة بأنها فى قرار مكين في سورتين من القرآن قال تعالى: ﴿ {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} ﴾ [المؤمنون: 13]، وقال تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ(20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21)}  [المرسلات]. والقرار هو ما يستقر فيه الماء كما بين علماء اللغة والآية الكريمة تتكلم عن النطفة  وهى من الماء وجاءت النطفة فى سياق النص نكرة تفيد استقرارها وتمكنها وليس لغيرها. ويؤكد علماء الأجنة أن النطفة ثلاثة أنواع كما بينها ربنا فى كتابه العزيز ( {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ (37)}   [سورة القيامة]   وهى نطفة الحيوان المنوى ، أما نطفة الأنثى فهى من قوله تعالى  {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} [(46) سورة النجم] وهى اصطفاء بويضة من المبيض تقدر لتتلقح بالحيوان المنوى المقدر لها والآية السابقة لها {(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (45) } دالة على ذلك فكان بيان (تمنى) وهى مؤنثة لآخر مذكور فى هذه وهى (الأنثى) ، والنطفة الثالثة وهى النطفة الأمشاج أى المختلطة من النطفتين للذكر والأنثى ( {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)}   [سورة الإنسان] . والخصيتين وملحقاتهما من البروستاتا وكيس الصفن وغدة كوبر والغدد التناسلية بها أصبحت قرارا مكينا لاستقبال الخلايا التناسلية الأولية بعد هجرتها من موضع نشأتها من بين الصلب والترائب فى المرحلة الجنينية إلى كيس الصفن([4]) لكى تستقر وتتمكن من تكوين النطاف عند البلوغ وحتى الشيخوخة ، وما تفرزه من سوائل لحفظ النطاف حتى إخراجها([5]). وتكون العضلات التى تحيط بالخصيتين وما بها من صفة الثرموستات الحرارى فترفعان الخصيتين إلى جدار البطن فى حالة البرودة وتدليانهما فى حالة الحرارة الزائدة حتى لا تموت الحيوانات المنوية فى الخصيتين لأن أنسب حرارة لحياة المنويات ما بين ٣٣-٣٥ درجة مئوية مما يجعل الخصيتين قرارا مكينا لها([6]). وكذلك إفراز الهرمونات الجنسية فى الخصيتين والتى تساعد على تكوين مكونات السائل المنوى وحفظه  فى البربخ حتى وقت خروجه عبر الوعاء الناقل ([7]) كل هذا من باب القرار المكين. ولذلك جعل الله الخصيتين خارج البطن ولو توقفت هجرة الخلايا التناسلية الأولية فى البطن لكان ذلك سببا فى الإصابة بسرطانات الخلايا التناسلية (Germ cell tumor) وهذه حالات نادرة جدا([8]). وينطبق الحال على نطفة المرأة  فإنها فى المبيض وهو قرار مكين لهجرة الخلايا التناسلية لتكوين البويضات طيلة حياة الأنثى من مرحلة الجنين ثم ما بعد الولادة ويحتوى المبيض فى هذه الفترة على 30000 بويضة . والمبيض عند البلوغ يحتوى 300-400 بويضة ، وتخرج كل شهر منه بويضة ويكون الباقى فى قراره المكين فى البطن حتى مرحلة العجز عند كبر سنها فلا تنتج بويضات . والهرمونات التى يفرزها المبيض لتكوين البويضة ونضجها وخروجها والخلايا التى تدفع البويضة خارج المبيض بعد نضوجها لكى تستقر فى قناة فالوب لهو أيضا قرار مكين .
الإعجاز العلمى:
قوله عز وجل {ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين }  والجعل غير الخلق ويكون بعد الخلق كما بين أهل التفسير واللغة والله عز وجل خلق الخلايا التناسلية الأولية التى تتكون منها النطاف وخلق كيس الصفن ثم جعلها فى موضعها فى الخصيتين فى الذكر والمبيضين فى الأنثى. وعندما  تكلم ربنا عن الرحم قال (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) الآية 5 من سورة الحج فكان الرحم مقر إلى أجل مسمى بمشيئة الله سبحانه وتعالى قد يمتد إلى تسعة أشهر ويزيد ، وقد يقل عن ذلك بكثير كما بينه  المختصون ويكون الرحم هنا مقر مؤقت للجنين بعد تخلقه من المضغة وليس بمكينا لأنه قد يحدث الإجهاض فى أى لحظة. وعند مقارنة مدة مكث الجنين فى الرحم (من 6 -9 أشهر) ومدة تكوين ومكث النطاف الذكرية والأنثوية طيلة حياة الذكر والأنثى من مرحلة تكوين الجنين إلى مرحلة البلوغ حتى سن الشيخوخة لدى الرجال أو العجز عند النساء نجد تحقيق معنى قرار مكين للنطاف فى الخصيتين أو المبيضين أقرب من الرحم الذى لم يصفه ربنا بقرار مكين. وما هو معلوم للقاصى والدانى أن النطاف هى التى تحمل صفات الإنسان الأول آدم عليه السلام واستودعها الله فى ذريته من بعده كما قرر ربنا فى سورة السجدة (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) والماء المهين هو ماء المرأة وماء الرجل وسياق هذه الآيات من سور المؤمنون والمرسلات والسجدة تدل على ذلك (ألم نخلقكم من ماء مهين(20) فجعلناه فى قرار مكين(21). والكلام عن النطفة ذاتها وليس عن الجنين أو الحمل فتأويل النص على غير ظاهره لا يكون إلا بقرينة والأخذ بظاهر النص أولى من تأويله والماء المهين كما أجمع عليه أهل التفسير على أنه النطاف ، والضمير فى (فجعلناه) عائد إلى الماء المهين دون خلاف بين العلماء وبما قررته آية سورة السجدة (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين(8) وبذلك تستقيم الحقيقة العلمية مع وجه الإعجاز فى الآية الكريمة (ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين)



[1] ) معجم المعانى الجامع

[2] ) لسان العرب 5/ 82.

[3] ) التحرير والتنوير لابن عاشور 1/ 2821

[4] ) Fujimoto T, Miyayama Y, Fuyuta M. The origin, migration and fine morphology of human primordial germ cells. Anat Rec. 1977;188:315–29.

[5] ) Schoenwolf, Gary C. (2009). "Development of the Urogenital system". Larsen's human embryology (4th ed.). Philadelphia: Churchill Livingstone/Elsevier.

[6] ) Paul C, Murray AA, Spears N, Saunders PT (2008). "A single, mild, transient scrotal heat stress causes DNA damage, subfertility and impairs formation of blastocysts in mice". Reproduction. 136 (1): 73–84.

[7] ) Stuart Ira (1989). Concepts of Human Anatomy and Physiology. William C. Brown Publishers. ISBN 0697056759

[8] ) M. M.D.، Thomas (November 1993). "Germ Cell Neoplasms of the Testis" (PDF). Surgical Pathology): 11): 17.

حنفي محمود مدبولى

- عضو الهيئة العالمية للإعجاز العلمي فى القرآن والسنة

  • 0
  • 0
  • 678

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً