الفرق بين الرجل والمرأة في الأذان والإمامة

منذ 2021-01-05

أنَّ السُّنَّة تَقدُّم إمام الرِّجال أمامهم، ووقوف إمامة النِّساء في وسط الصَّف الأوَّل.، الرَّجل الأفضل في حقِّه أن يكون في أوَّل الصُّفوف، وكلَّما تقدَّم في الصَّف زاد ثوابه، والمرأة عكس ذلك، كلَّما بعدت عن أعين الرِّجال كان أحوطَ في العفاف، وأكرم لمروءتها.

الفرق بين الرجل والمرأة في الأذان والإمامة

الحمد لله الحليمِ الغفَّار، العزيزِ الجبار، والصلاةُ والسلام على النبيِّ المُختار، وآلِه وصحبِه ما تعاقَبَ الليل والنهار. أمَّا بعد؛ في هذا البحث أربع مسائل:

المسألة الأولى: الأذان.

المسألة الثانية: الإمامة.

المسألة الثالثة: موقف إمام الرجال وإمامة النساء.

المسألة الرابعة: موقف المأمومين والمأمومات.

♦    ♦    ♦

 

المسألة الأولى: الأذان

الفرع الأول: أذان الرَّجل:

الأذان من شعائر الإسلام الظَّاهرة، وهو رَمْزٌ لعزِّ الإسلام والمسلمين، وعنوان لتمكين الله تعالى لدينه في الأرض؛ فهو من أشرف الأعمال وأجلِّها قدراً عند الله تعالى، وفيه أجر عظيم؛ لأنَّ المؤذِّن يُعلم النَّاس بدخول أوقات الفريضة، ولذا اشترط أهل العلم ألاَّ يتولاه إلاَّ عالم بالوقت، أمين عليه. والمقصود: هو بيان حكم الأذان من الرَّجل والمرأة في مساجد الجماعات التي يقصدها الجنسان. والرَّاجح من أقوال أهل العلم: أن الأذان من فروض الكفاية على الرِّجال [1].

 

الأدلَّة:

1- ما جاء في حديث مَالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [2]. وجه الدَّلالة: دلَّ الحديث على وجوب الأذان على الرِّجال؛ لما فيه من صيغة الأمر [3]، ولا صارف له عن ذلك.

 

2- ما جاء في حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يقولُ: «مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لاَ يُؤَذَّنُ وَلاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إلاَّ اسْتَحْوذَ عَلَيهِمُ الشَّيْطانُ...» الحديث [4]. وجه الدَّلالة: فيه وعيد لا يكون إلاَّ على ترك واجب، أو فعل محرَّم، فتَرْك الأذان نوع من استحواذ الشَّيطان يجب تجنُّبه [5].

 

3- ما جاء من قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لعبدِ اللهِ بن زيدٍ رضي الله عنه أنْ يُخبر بلالاً رضي الله عنه بصفة الأذان، والشَّاهد منه: «إنَّها لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتاً مِنْكَ» [6]. وجه الدَّلالة: في أَمْرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لعبد الله بن زيد بأن يُخبر بلالاً رضي الله عنه بصفة الأذان، ما يدلُّ على مشروعيَّة الأذان للرِّجال [7].

 

الفرع الثاني: أذان المرأة:

ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ المرأة لا تتولَّى الأذان لجماعات الرِّجال، فإنْ خالفت وأذَّنت، فلا يصحُّ أذانها، وفعلها محرَّم، وممَّن صرَّح بذلك: المالكيَّة والشَّافعية وابن حزم، وهو الظَّاهر من قول الحنابلة؛ لأنَّ المذهب عندهم: أنَّ الأذان لا يُشرع للنِّساء وهنَّ وحدهن، بل يُكره، فكيف إذا أذَّنت للرِّجال [8]. قال ابن رشد رحمه الله: «والجمهور على أنَّه ليس على النِّساء أذان، ولا إقامة»[9]. وقال النووي رحمه الله: «لا يَصِحُّ أذان المرأة للرَّجال، هذا هو المذهب، وبه قَطَعَ الجمهور، ونصَّ عليه في الأُم»[10].

 

الأدلَّة:

1- قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»[11]. وجه الدَّلالة: دلَّ الحديث على أنَّ النِّساء لم يُخاطبن بالأذان أصلاً، وإنَّما الخطاب للرِّجال؛ لأنَّ صلاة الجماعة واجبة عليهم.

 

2- أذان النِّساء لم يكن معهوداً في الصَّحابة ومَنْ بعدهم، فكان من المُحدَثات [12]، وقد قال النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «... شَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ..». الحديث [13]. قال الزَّيلعي رحمه الله: «وأمَّا أذان المرأة: فلأنَّه لم يُنقل عن السَّلف حين كانت الجماعةُ مشروعةً في حقِّهِنَّ، فيكون من المُحدَثات»[14].

 

المسألة الثانية: الإمامة:

لا خلاف بين أهل العلم في جواز إمامة الرَّجل للجماعات، وأنَّه أهلٌ للإمامة إذا اكتملت فيه الشُّروط الشَّرعية المعروفة في بابها [15].

 

أمَّا إمامة المرأة للجماعات التي فيها رجال، فإنَّ الرَّاجح من أقوال أهل العلم: أنَّه لا تجوز إمامة المرأة للجماعات التي فيها رجال، ولا تجوز صلاة الرَّجل خلفها، يستوي في ذلك صلاة الفرض والتَّراويح والنَّوافل، وهو مذهب الجمهور، وقال به الحنفيَّة والمالكيَّة والشَّافعية والحنابلة [16].

 

الأدلَّة:

1- ما جاء عن مالكِ بن الحُويرث رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَنْ زَارَ قَوْماً؛ فَلا يَؤُمَّهُمْ، ولْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ» [17].

 

وجه الدَّلالة: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم خصَّ الرَّجل بالذِّكر في إمامة القوم دون المرأة.

 

2- ما جاء في حديث أبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رضي الله عنه؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا في القِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ... وَلاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ...» الحديث [18]. وجه الدَّلالة: أنَّ النِّساء لا يجوز لهنَّ إمامة الرِّجال؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم خصَّ الرِّجال عند بيانه لمراتب الأئمَّة، ولم يجعل للنِّساء فيها نصيباً.

 

3- ما جاء من حديثِ أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لَنْ يُفْلحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» [19]. وجه الدَّلالة: أنَّ المرأة لا يجوز لها أن تتولَّى الإمامة في الصَّلاة، أخذاً بعموم هذا الحديث.

 

4- ما جاء عن عبدِ اللهِ بنِ أَبِي مُلَيْكَةَ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَأَتُونَ عَائِشَةَ، أُمَّ المؤمنين رضي الله عنها، بِأَعْلَى الوَادِي، هُوَ، وَعُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَنَاسٌ كَثِيرٌ، فَيَؤُمُّهُمْ أَبُو عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها، وَأَبُو عَمْرٍو غُلامُهَا حِيْنَئِذٍ لَمْ يُعْتَقْ»[20]. وَفِي روايةٍ: «كَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ»[21]. وجه الدَّلالة: أنَّ عائشة رضي الله عنها قدَّمت عبدَها مع أنَّها أقرأ منه، وأعلم بالسُّنَّة، وقد كان يقرأ من المصحف، ممَّا يدلُّ على عدم حفظه، ففيه دلالة واضحة على عدم جواز إمامة المرأة للرِّجال، والمرأة - كما مرَّ سابقاً - لا تتولَّى الأذان للجماعات، والإمامة من باب أولى.

 

بل إنَّ نساء النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مع علمهنَّ وورعهنَّ، وتأدُّبهنَّ في بيت النُّبوة، لم يُنقل عن واحدة منهنَّ أنَّها أمَّت أحداً من الرِّجال، حتى وإنْ كان من محارمها. كما أنَّ إمامة المرأة للرِّجال فيها منافاة لقوامة الرَّجل عليها حيث أثبت الله تعالى للرَّجل القوامة على المرأة، فقال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]؛ لذا لا تجوز إمامة المرأة للجماعة التي فيها رجال، وإن كانت أقرأ منهم جميعاً وأحفظ.

 

ولم تُؤْثَرْ عن أحدٍ من الفقهاء والأئمَّة المجتهدين - في تاريخ المسلمين قاطبة - كلمةٌ صريحة في جواز إمامة المرأة للرِّجال أو أن تكون خطيباً في جمعة أو عيدٍ أو غير ذلك من الصَّلوات التي تُشرع لها الجماعة والخُطبة، بل كُلُّ مَنْ تكلَّم في هذه المسألة بخصوصها صرَّح بعدم الجواز مطلقاً، وبأنَّ الصَّلاة لا تنعقد أصلاً.

 

النُّقول الواردة في عدم جواز إمامة المرأة للرِّجال:

1- قال الإمامُ الشَّافعي رحمه الله: «وإذا صلَّت المرأةُ برجالٍ ونساءٍ وصبيانٍ ذكورٍ، فصلاة النِّساء مُجْزِئَةٌ، وصلاةُ الرِّجالِ والصبيان الذُّكورِ غيرُ مُجزئةٍ؛ لأنَّ الله عزّ وجل جعل الرِّجال قوَّامين على النِّساء، وقَصَرَهُنَّ عن أنْ يكنَّ أولياءَ وغيرَ ذلك. ولا يجوزُ أنْ تكونَ امرأةٌ إِمَامَ رَجُلٍ في صلاة بِحَالٍ أبداً...»[22].

 

2- وقال ابن رشدٍ رحمه الله: «اختلفوا في إمامة المرأة: فالجمهور على أنَّه لا يجوزُ أن تؤمَّ الرَّجالَ... وإنَّما اتَّفق الجمهورُ على منعها أن تؤمَّ الرِّجال؛ لأنَّه لو كان جائزاً لَنُقِلَ ذلك عن الصَّدر الأوَّل، ولأنَّه أيضاً لمَّا كانت سنَّتُهنَّ في الصَّلاة التَّأخير عن الرِّجال، عُلِمَ أنَّه ليس يجوزُ لهنَّ التَّقدُّمُ عليهم»[23].

 

3- وقال ابن قدامة رحمه الله: «وأمَّا المرأة فلا يَصِحُّ أنْ يأتمَّ بها الرَّجلُ بِحَالٍ في فرضٍ ولا نافلةٍ، في قول عامَّةِ الفقهاء»[24].

 

4- وقال ابن حزم رحمه الله: «ولا يجوزُ أنْ تَوُمَّ المرأةُ الرَّجلَ ولا الرِّجالَ، وهذا ما لاَ خِلاَفَ فيه»[25].

 

الاتِّكاء على الخلاف الفقهي الشَّاذ:

مَنْ جوَّز إمامة المرأة للرِّجال فقد اتَّكأ على ما شذَّ عن أبي ثور والمزنيِّ والطَّبري [26] رحمهم الله، فيما حُكِـيَ عنهم أنَّهم أجازوا أنْ تؤمَّ امرأةٌ قارئةٌ أهلَ دارِها [27] وفيهم الرِّجال والنِّساء فصلُّوا بصلاتها صفوفاً، الرِّجال على حدة، والنِّساء خلفهم.

 

ودليلهم في ذلك: ما جاء عن أمِّ وَرَقَةَ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ نَوْفَلٍ رضي الله عنها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّناً يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا»[28].

 

مناقشة الاستدلال: يُمكن مناقشة الاستدلال بهذا الدَّليل بما يلي:

1- لم يثبت أنَّ مؤذِّنها صلَّى خلفها مقتدياً بها، فقد يكون يؤذِّن لها، ثم يذهب إلى أحد المساجد لِيُصَلِّيَ الفريضة [29].

 

2- لو قُدِّرَ ثبوتُ ذلك لأُمِّ ورقةَ رضي الله عنها لكان ذلك خاصّاً لها دون سائر النِّساء؛ بدليل أنَّه لا يُشرع لغيرها من النِّساء أذانٌ ولا إقامة، فتختصُّ بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة [30].

 

3- اضْطَّربت الحكايةُ عن أبي ثورٍ والمزنيِّ والطَّبري وغيرِهم ممَّنْ أجاز إمامةَ المرأة، فمنهم مَنْ أجاز ذلك بأن تكون أقرأ من الرَّجل، وخصَّص بعضُهم الجوازَ بذي الرَّحم، وبعضُهم بكونها عجوزاً، وبعضُهم في النَّفل دون الفريضة، وبعضُهم قال في التَّراويح، خاصَّة إذا لم يوجد مَنْ يَصْلُح للإمامة، وبعضهم اشترط أنْ تكون خلفَهم؛ لأنَّه أستر [31].

 

4- لم يحفظ لنا تاريخ الإسلام كلُّه على امتداد أربعة عشر قرناً إلاَّ حادثةَ أمِّ ورقة رضي الله عنها، وقد اختُلِفَ في إسنادها، ودلالتِها، وأحاط بها الخصوص أكثر من العموم، وغير ذلك من الملابسات.

 

المسألة الثالثة: موقف إمام الرِّجال وإمامة النِّساء:

الفرع الأول: موقف إمام الرِّجال:

السُّنَّة أن يقف إمام الرِّجال - إذا كان معه اثنان فصاعداً - أمامهم، ويكون بارزاً؛ ليتمكَّن الدَّاخل من الاقتداء به، والأفضل أن يكون أمام وسط الصَّف [32]، وهو قول جمهور العلماء [33].

 

الأدلَّة:

1- ما جاء في حديث جابرٍ رضي الله عنه قال: «... ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه. ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم بِيَدَيْنَا جَمِيعـاً، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ...» الحديث [34].

 

2- ما جاء عن أنَس بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا، خَلْفَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأُمِّي - أُمُّ سُلَيْمٍ - خَلْفَنَا»[35]. وجه الدَّلالة: إذا كانـت السُّنَّة أنْ يقفَ الاثنان خلف الإمام، فالثَّلاثة - فما فوق - من باب أولى.

 

الفرع الثاني: موقف إمامة النِّساء:

ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ السُّنَّة أن تقف إمامة النِّساء وسط الصَّف الأوَّل، ولا تبرز أمامهنَّ، روي ذلك عن: عائشةَ وأمِّ سلمة وابن عباسٍ رضي الله عنهم، وعطاءٍ والثَّوري والأوزاعي رحمهم الله، وقال به الحنفيَّة والشَّافعية والحنابلة [36].

 

الأدلَّة:

1- عن ريطة الحنفيَّة [37] رحمها الله: «أنَّ عائشة رضي الله عنها أَمَّتْهُنَّ وَقَامَتْ بَيْنَهُنَّ في صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ»[38].

 

2- عن عمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عن امرأةٍ من قومِهِ يقال لها: حُجَيْرَةُ عن أمِّ سلمة رضي الله عنها: «أنَّها أمَّتْهُنَّ فقامَتْ وَسَطاً»[39]. قال الشِّيرازي رحمه الله: «السُّنَّة أنْ تقف إمامة النِّساء وسطهنَّ؛ لما روي أنَّ عائشةَ وأمَّ سلمة رضي الله عنهما أمَّتا نساءً فقامتا وسطهنَّ»[40]. وقال ابن قدامة رحمه الله: «إذا صلَّت بهنَّ قامت في وسطهنَّ، لا نعلم فيه خلافاً بين مَنْ رأى لها أن تؤمَّهن»[41].

 

والخلاصة: أنَّ السُّنَّة تَقدُّم إمام الرِّجال أمامهم، ووقوف إمامة النِّساء في وسط الصَّف الأوَّل.

 

المسألة الرابعة: موقف المأمومين والمأمومات:

الفرع الأول: موقف المأموم الواحد:

اتَّفق العلماء على أنَّ السُّنَّة وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام [42].

 

الأدلَّة:

1- ما جاء عن ابن عَبَّاس رضي الله عنهما قالَ: «بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَصَلَّى رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ...» الحديث [43].

 

2- ما تقدَّم من قول جابرٍ رضي الله عنه: «... ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ...» الحديث [44].

 

3- ما جاء عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا»[45]. وجه الدَّلالة: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أقام ابنَ عباسٍ وجابراً وأنساً رضي الله عنهم بجانبه الأيمن، فَعُلم أنَّ المأموم الواحد يقف بجانب الإمام عن يمينه.

 

الفرع الثاني: موقف المأمومَين فأكثر:

السُّنَّة إذا كان مع الإمام اثنان فأكثر، أن يكونوا خلفه، وهو قول الجمهور، ومنهم: الأئمَّة الأربعة [46].

 

الأدلَّة:

1- ما تقدَّم من قول جابرٍ رضي الله عنه: «... ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأدَارَنِي حَتَّى أقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُم جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم بِيَدَيْنَا جَمِيعاً، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ...» الحديث [47]. قال النووي رحمه الله: «فيه فوائد، منها: جواز العمل اليسير في الصَّلاة، وأنَّه لا يُكره إذا كان لحاجة، فإنْ لم يكن لحاجة كُرِه، ومنها: أنَّ المأموم الواحد يقف على يمين الإمام، وإنْ وَقَفَ على يساره حَوَّله الإمام، ومنها: أنَّ المأمومَين يكونان صفّاً وراء الإمام، كما لو كانوا ثلاثةً أو أكثر، هذا مذهب العلماء كافَّة»[48].

 

2- ما تقدَّم من حديث أنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا، خَلْفَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأُمِّي - أُمُّ سُلَيْمٍ - خَلْفَنَا»[49]. وجه الدَّلالة: إذا كانت السُّنَّة أن يقف الاثنان خلف الإمام، فالثَّلاثة - فما فوق - من باب أولى.

 

الفرع الثالث: موقف المأمومات في الصَّلاة:

لا خلافَ بين أهل العلم في وقوف النِّساء خلف الرِّجال مطلقاً [50]، وفي جميع الحالات، ومنها:

1- إنْ صلَّى رجل وامرأة وقفتْ خلفه.

2- إنْ كان معه رجل آخر، وقف عن يمينه، والمرأة خلفهما.

3- إنْ حضر رجال ونساء، وقف الرِّجال خلف الإمام، ثم تقف النِّساء بعد الرِّجال.

4- إنْ كان مع الرِّجال صبيان، صفُّوا خلف الرِّجال، ثم النِّساء من بعدهم.

 

الأدلَّة:

1- ما تقدَّم من حديث أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ. قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا»[51].

 

2- ما تقدَّم من حديث أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا، خَلْفَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وَأُمِّي - أُمُّ سُلَيْمٍ - خَلْفَنَا»[52].

 

3- ما جاء من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ قَالَ: رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: «خَيْرُ صُفُوفِ الرَّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النَّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»[53]. قال النَّووي رحمه الله: « المراد بالحديث: صفوف النِّساء اللَّواتي يُصلِّين مع الرِّجال، وأمَّا إذا صلَّين متميِّزات، لا مع الرِّجال، فهنَّ كالرِّجال، خير صفوفهنَّ أوَّلها، وشرُّها آخرها.

 

والمراد بشرِّ الصُّفوف في الرِّجال والنِّساء: أقلُّها ثواباً وفضلاً، وأبعدُها من مطلوب الشَّرع، وخيرها بعكسه، وإنَّما فُضِّل آخر صفوف النِّساء الحاضرات مع الرِّجال؛ لبعدهن من مخالطة الرِّجال ورؤيتهم، وتعلُّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذُمَّ أوَّل صفوفهنَّ؛ لعكس ذلك، والله أعلم»[54].

 

الخلاصة: أنَّ موقف المرأة خلف صفوف الرِّجال إذا شهدت الصَّلاة معهم؛ لمشروعية السَّتر في حقِّها، وهذا فرق بينها وبين الرَّجل، إذ الأفضل في حقِّه أن يكون في أوَّل الصُّفوف، وكلَّما تقدَّم في الصَّف زاد ثوابه، والمرأة عكس ذلك، كلَّما بعدت عن أعين الرِّجال كان أحوطَ في العفاف، وأكرم لمروءتها.

 


[1] انظر: المبسوط (1/ 133)؛ فتح القدير (1/ 240)؛ المجموع (3/ 81)؛ الفروع (3/ 311)؛ الإنصاف (1/ 407).

[2] رواه البخاري، كتاب الأذان، (1/ 202)، (ح628)؛ ومسلم، (1/ 465)، (ح674).

[3] انظر: فتح الباري (2/ 111)؛ نيل الأوطار (1/ 32).

[4] رواه أحمد في «المسند»، (5/ 196)، (ح21768). وحسَّنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/ 163)، (ح547).

[5] انظر: نيل الأوطار (1/ 31).

[6] رواه أبو داود (1/ 135)، (ح499). وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/ 147)، (ح499).

[7] انظر: فتح الباري (2/ 80).

[8] انظر: الهداية شرح البداية (1/ 252)؛ البحر الرائق (1/ 263)؛ بدائع الصنائع (1/ 150)؛ مواهب الجليل (1/ 434)؛ منح الجليل (1/ 201)؛ الأم (1/ 84)؛ الوسيط (2/ 566)؛ الفروع (1/ 312)؛ الإنصاف (1/ 406)؛ المحلى (3/ 140).

[9] بداية المجتهد (1/ 80).

[10] المجموع (3/ 108).

[11] تقدم تخريجه, هامش رقم (2).

[12] انظر: بدائع الصنائع (1/ 150).

[13] رواه مسلم، (2/ 592)، (ح867).

[14] تبيين الحقائق، لعثمان بن علي الزيلعي (1/ 94).

[15] انظر: شرح فتح القدير (1/ 346)؛ المنتقى للباجي (1/ 35)؛ مغني المحتاج (1/ 240)؛ المغني (1/ 181).

[16] انظر: المبسوط (1/ 180)؛ البحر الرائق (1/ 359)؛ الخرشي على خليل (2/ 22)؛ بداية المجتهد (1/ 145)؛ المجموع (4/ 255)؛ نهاية المحتاج (2/ 173)؛ المغني (2/ 198)؛ الإنصاف (2/ 263).

[17] رواه أبو داود (1/ 162)، (ح596). وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/ 178)، (ح596).

[18] رواه مسلم، (1/ 465)، (ح673) .

[19] رواه البخاري، (4/ 2221)، (ح7099).

[20] رواه الشافعي في «مسنده» (1/ 54)؛ والبيهقي في «الكبرى» (3/ 88)، (رقم 4900).

[21] رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، (1/ 218)؛ ووصله ابن أبي داود، في «كتاب المصاحف» (ص455-457).

[22] الأم (1/ 164).

[23] بداية المجتهد (1/ 105).

[24] المغني (2/ 15).

[25] المحلى (3/ 125).

[26] انظر: المنتقى (1/ 235)؛ المجموع (1/ 255).

[27] المقصود بأهل الدَّار: خاصَّة المرأة في بيتها ممَّن يُساكنونها ويلازمونها من الرِّجال المحارم، والنِّساء القريبات، والعبيد والخدم والصِّبيان ونحوِهم.

[28] رواه أبو داود، (1/ 161)، (ح591). وحسَّنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/ 177)، (ح592).

[29] انظر: أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة، لعبد المحسن بن محمد المنيف (ص133).

[30] انظر: المغني (2/ 199).

[31] انظر: المنتقى (1/ 235)؛ المجموع (4/ 255)؛ الإفصاح (1/ 145)؛ الإنصاف (1/ 264)؛ المبدع (2/ 72).

[32]حتى يتمكَّن جميع المأمومين من سماع صوته بالقراءة والتَّكبير.

[33] انظر: الهداية شرح البداية (1/ 353)؛ بدائع الصنائع (1/ 157)؛ الأم (1/ 164)؛ روضة الطالبين (1/ 359)؛ مغني المحتاج (1/ 246)؛ الفروع (2/ 35)؛ كشاف القناع (1/ 475).

[34] رواه مسلم، (4/ 2305)، (ح3010).

[35] رواه البخاري، (1/ 227)، (ح727).

[36] انظر: البحر الرائق (1/ 351)؛ الفتاوى الهندية (1/ 88)؛ حاشية ابن عابدين (1/ 566)؛ الوسيط (2/ 695)؛ حلية العلماء (2/ 156)؛ المغني (2/ 202).

[37] قال العجلي رحمه الله في «معرفة الثقات» (2/ 453): «ريطة الحنفيَّة: كوفيَّة تابعيَّة ثقة».

[38] رواه الدارقطني في «سننه» (1/ 404)؛ والبيهقي في «الكبرى» (3/ 131)، (رقم 5138). وقال العدوي في «جامع أحكام النساء» (1/ 345): «صحيح لغيره».

[39] رواه الشافعي في «مسنده» (ص53)؛ والدارقطني في «سننه» (1/ 405), (3/ 140)، (رقم 5082)؛ وصحَّح إسنادَه النووي في «المجموع» (4/ 172).

[40] المهذب (1/ 100).

[41] المغني (2/ 17).

[42] انظر: الهداية شرح البداية (1/ 354)؛ بدائع الصنائع (1/ 158)؛ المدونة (1/ 86)؛
مواهب الجليل (2/ 129)؛ مختصر المزني (1/ 23)؛ مغني المحتاج (1/ 246)؛ المغني (2/ 214)؛ الإنصاف (2/ 281).

[43] رواه البخاري، واللفظ له، (1/ 220)، (ح697)؛ ومسلم، (1/ 527)، (ح763).

[44] مضى تخريجه, هامش رقم (34).

[45] رواه مسلم، (1/ 458)، (ح660).

[46] انظر: المبسوط (1/ 42)؛ بدائع الصنائع (1/ 159)؛ المدونة (1/ 86)؛ بداية المجتهد (1/ 148)؛ الأم (1/ 166)؛ الغاية القصوى (1/ 318)؛ المغني (2/ 214).

[47] مضى تخريجه, هامش رقم (34).

[48] صحيح مسلم بشرح النووي (18/ 141).

[49] مضى تخريجه, هامش رقم (35).

[50] انظر: الهداية شرح البداية (1/ 359)؛ البحر الرائق (1/ 353)؛ مواهب الجليل (1/ 129)؛ الخرشي على خليل (2/ 45)؛ روضة الطالبين (1/ 359)؛ مغني المحتاج (1/ 246)؛ المغني (1/ 215)؛ الإنصاف (2/ 283).

[51] تقدَّم تخريجه, هامش رقم (45).

[52] تقدَّم تخريجه, هامش رقم (35).

[53] رواه مسلم، (1/ 326)، (ح440).

[54] صحيح مسلم بشرح النووي (4/ 159-160).

  • 7
  • -1
  • 744

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً