من دروس غزوة بدر ( وما يعلم جنود ربك إلا هو )

منذ 2021-04-28

قلت : ولو كانت الأوامر يوم بدر أن تستأصل شأفة الجميع لقتل خالد بن الوليد كافرا ولقتل عمرو بن العاص كافرا ولقتل صفوان بن أمية كافرا ولكانوا وغيرهم حصب جهنم .. تخيلوا !!

أيها الإخوة الكرام :قبل أيام كنا نتحدث عن أن رمضان شهر نصر وتأييد وتوفيق ومدد من الله تعالي لعباده المؤمنين ..

صولات وجولات بين أهل الحق وبين أهل الباطل فيها ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ..

لكن يبقي الحدث الأبرز والنصر المؤزر في تاريخ المسلمين ما كان في يوم بدر , أحد أيام العزة للإسلام والمسلمين ، ذلك أن بدرا كانت المواجهة الأولي وكانت الصدام الأول بين الحق وبين الباطل وفيه فرق الله بين الحق وبين الباطل ولذلك سمي الله يوم بدر بيوم الفرقان .. { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

أعظم أيام المسلمين يوم بدر :

وأعظم الصحابة شأنا عند الله وعند رسوله وبين المسلمين من شهد يوم بدر مع النبي عليه الصلاة والسلام..

في موقف من المواقف اتهم أحد أهل بدر بالنفاق هو حاطب بن أبي بلتعة وهم عمر بن الخطاب أن ينكل به فقال له النبي عليه الصلاة والسلام « يا عمر إنه شهد بدرا وما يدريك لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ » 

حتى الملائكة التي شهدت بدرا وشاركت بأعدادها وقوتها فطمأنت المؤمنين وشاركت في قتال المشركين وأسرهم هؤلاء الملائكة هم أرفع الملائكة قدرا عند الله عز وجل جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " « مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ، قَالَ النبي: مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ قَالَ جبريل: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلاَئِكَةِ» "

في غزوة بدر دروس وعبر وفيها فوائد وفرائد قد لا يتسع الوقت لأن نقف معها مجتمعة وقد لا يسمح الوقت أيضا بأن نستفيض ولو في درس واحد منها لكن حسبنا أن ما لا يدرك كله لا يترك كله ..

من أجل الدروس المستفادة من غزوة بدر

بيان أن لله تعالي جنودا لا يعلم عددها ولا قدراتها ولا يعلم حدود قدرتها إلا الله سبحانه وتعالي , الماء من جند الله الهواء من جند الله الرياح من جند الله النار من جند الله الجبال الطير .... جنود لا نحصيها عدا ولا نحيط بأكثرها علما ، لكن تبقي الملائكة هي الأعظم والأكثر والأقوي في معسكر الحق قال الله تعالي  {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ

في يوم بدر كان المسلمون قلة :

كانوا ضعفاء كانوا أذلة كما وصفهم الله عز وجل .. واقتضت حكمة الله تعالي أن يكحل أعين هذه الفئة المؤمنة بالنصر المؤزر فكان يوم بدر وكان النصر المبين  {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

ولأنهم كانوا قلة وكانوا تقريبا بلا عدة :

أنزل الله إليهم ملائكة من السماء تناصرهم .. استغاث النبي والذين آمنوا بالله عز وجل واستنصروه وكفي بالله نصيرا فاستجاب لهم ربهم وأنزل بشارة تقول  {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}  والمعني أنهم ألف يتبعهم ألف ليصير العدد ألفين ..

ثم تأتي بشارة جديدة علي يدي النبي محمد صلي الله عليه وسلم بشارة تقول إن الله تعالي سيمد المؤمنين بعدد آخر من الملائكة فوق هاذين الألفين لكنه في هذه المرة ليس ألفا ولا ألفين بل هو ثلاثة آلاف ملك {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} ليصير عدد الملائكة المشاركة في بدر خمسة آلاف ملك  {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ

ورد أن الزبير بن العوام رضي الله عنه كان عليه يوم بدر عمامة صفراء فيقال إن الملائكة نزلت علي سيماء الزبير عليهم عمائم صفراء ..

وبسبب نزول الملائكة بهذه الكثرة الكاثرة مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ. وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ». قِيلَ يا رسول الله وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» »

رفع النبي يديه يوم بدر وسأل الله تعالي فقال "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ أَيْنَ مَا وَعَدْتَنِي؟! اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا"، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ, مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رداءه فألقاه على منكبيه، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ؛ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ..

نزلت الملائكة من السماء فانضمت إلي معسكر الحق غير مرة ..

نزلوا وحضروا مع رسول الله في الغار ليلة الهجرة ( {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} )

ونزلت الملائكة وحضرت غزوة الأحزاب ( {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} )

ونزلت الملائكة أيضا وحضرت يوم أحد ودافعت وناصرت ورفعت المعنويات لدي رسول الله ولدي المؤمنين

إلا أن الملائكة لم يثبت أنها شاركت بقتال إلا يوم بدر فقط وكانوا سببا مباشرا في نصرة المسلمين يوم بدر (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)

هذا ماذا نفهم منه ؟

هذا نفهم منه أن لله تعالي جنودا لا يعلمها إلا هو أعظمهم الملائكة ، ونفهم أيضا أن الله تعالي لا يضيع عباده المؤمنين ولا يخذلهم بل يجبرهم وينصرهم ويرسل عليهم حفظة ليحفظوهم من شرار الخلق .. فلا تيأسوا أبدا من روح الله ولا تقنطوا أبدا من رحمة الله وأحسنوا الظن الله فإن الله تعالي عند حسن ظنكم به ..

الخطبة الثانية

بقي لنا في ختام الحديث أن نقول إن عدد الملائكة التي نزلت تناصر المسلمين في يوم بدر بلغ خمسة آلاف ملك .. الواحد منهم لديه من القوة ما يقلب بها الأرض ومن عليها .. الملك الواحد منهم بوسعه أن يبيد الكفار بصيحة واحدة، لكن هذا لم يحصل قتل منهم فقط سبعين ..وأسر من المشركين فقط سبعين ..

والسؤال يقول:

لماذا لم تأخذ الملائكة كل قريش ؟

لماذا لم تقطع الملائكة دابر المشركين أجمعين ؟

سؤال وجيه .. سؤال محير ربما يخطر علي بال أحدنا ولا يجد له جوابا شافيا ..

إلا أن له جوابا شافيا فالمقصود من يوم بدر هو تقليم أظافر المشركين فقط ولم يكن المقصود إفنائهم , كان المقصود من يوم بدر ردع المشركين فقط ولم يكن المقصود إبادتهم ..

كان المقصود من يوم بدر ومن نزول الملائكة ومن قتالهم استأصال شأفة هؤلاء السبعين فقط .. الصناديد فقط الأكابر المجرمين فقط أبو جهل , أمية بن خلف , عتبة بن ربيعة , شيبة بن ربيعة، الوليد بن عتبة .. وأمثالهم من صناديد الكفر فقط ..

أما غيرهم فقد كان في الإبقاء عليهم أحياء حكمة .. لذلك لم يأمر الرسول بقتل أحد من الأسري إلا عقبة بن أبي معيط فقط لشدة عداوته لله ورسوله ..

وبقية الأسري رجعوا إلي مكة سالمين لتمضي بهم الأيام ويأتي أغلبهم فيبايع رسول الله ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وينضم إلي معسكر الإيمان ..

قلت : ولو كانت الأوامر يوم بدر أن تستأصل شأفة الجميع لقتل خالد بن الوليد كافرا ولقتل عمرو بن العاص كافرا ولقتل صفوان بن أمية كافرا ولكانوا وغيرهم حصب جهنم .. تخيلوا !!

لكن الله تعالي بحكمته استبقاهم أحياء وأفلتهم من الموت كفرا يوم بدر ليرحمهم برحمته وليجعل منهم أسبابا لنصرة الإسلام والمسلمين وصدق الله {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}  .

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 7
  • 3
  • 1,444

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً