ليلة القدر

منذ 2021-05-08

شرف الله تعالى رمضان بليلة عظيمة مباركة، أنزل فيها القرآن، وحثَّ المسلمين على قيامها والاجتهاد في العبادة فيها، وبيَّن سبحانه أن العبادة فيها خيرٌ من العبادة في ألف شهر فيما سواها

ليلة القدر

شرف الله تعالى رمضان بليلة عظيمة مباركة، أنزل فيها القرآن، وحثَّ المسلمين على قيامها والاجتهاد في العبادة فيها، وبيَّن سبحانه أن العبادة فيها خيرٌ من العبادة في ألف شهر فيما سواها، ألا وهي ليلة القدر؛ قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]، فمن اجتهد فيها كأنه عبَد الله أكثر من ثلاثة وثمانين عامًا، يتقلب في طاعة الله تعالى، ويضيف عمرًا إلى عمره، فهذا العمر قليل، مَن يصل إليه أو يدركه وهو بقوته وصحته، وهذه الليلة هي إكرام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي إحدى ليالي رمضان المباركة، ورد في فضلها كثير من الأحاديث والآيات، ويكفيها شرفًا أن الله تعالى أنزل فيها القرآن:  {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر: 1]، وأن من قامها غُفر له ما تقدم من ذنبه.

 

وسُميت ليلة القدر لشرفها وعظيم قدرها عند الله تعالى، وقيل: لعِظم العمل الصالح فيها وشرفه، وقيل: لأنه أُنزِلَ فيها القرآنُ، وهو كتاب شريفٌ ذو قدرٍ ومكانة عند الله تعالى، ومنهم من قال: إن الله تعالى يقدِّر فيها أعمال العباد سنةً كاملةً؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 3، 4].

 

ومما ورد في فضلها قوله عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»، وقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها من الأيام والليالي، فإذا دخلت العشر، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان إذا دخل العشر، أحيا ليله وأيقَظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر)، وكذلك كان صحابته من بعده، والسلف يعظِّمون ليلة القدر ويجتهدون فيها بأنواع الطاعات، ويتقربون إلى الله بمختلف العبادات، فيبيتون لله بين دعاء، وصلاة ومناجاة، وقراءة القرآن، وصدقة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.... إلخ.

 

وليلة القدر هي إحدى ليالي العشر الأخير من رمضان، وهي في الأوتار منها آكدُ، وهي متنقلة في هذه الأوتار، وقد جاءت كثير من الأحاديث في ذلك؛ منها: قوله عليه الصلاة والسلام: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في كل وتر»، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاوز في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: «التمسوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان».

 

فالمسلم يَحرِص على القيام والجد والاجتهاد في هذه العشر كلها، فهو أحوط له وآكدُ في حقه إن قامها أن يُدركها، وهذه الأيام قليلة من عمر الإنسان، قصيرة في تقدير الزمان، فلا يُضيعها أو يحرم نفسه الأجر فيها، قال النووي رحمه الله: ويُستحب أن يُكثر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين، وعباد الله العارفين"، ويقول سفيان الثوري رحمه الله: "الدعاء في الليلة أحب إليَّ من الصلاة"، وليُكثر من الدعاء الذي علَّمه النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها، فقد قالت: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، فمن عفا الله عنه فقد نجا وأفلح، فما نعبده سبحانه إلا ونرجو أن يعفوَ عنا، ويعتق رقابنا ويَغفر ذنوبنا، وعلى المسلم ألا يضيع أوقاته في غير طاعة أو يفرِّط في هذه الأيام المباركة، فكم فرَّطنا من أيام! وكم ضيَّعنا من أعمار! فلعل الواحد منا يدرك هذه الليلة، فيُغفَر له، ويكون من السعداء الأصفياء، فما أدرَكها عبدٌ إلا كان من توفيق الله له وحبِّه إياه، ولا ننسى أن ندعوَ بجوامع الدعاء لأنفسنا ولإخواننا المستضعفين في كل مكان، وأسأله سبحانه أن يوفِّقنا لقيام ليلة القدر، ويتقبَّل منا الصيام والعمل فيها، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

______________________________________________
الكاتب: محمد علي الخلاقي

  • 1
  • 0
  • 406

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً