أسباب دفع العقوبات

منذ 2021-06-06

في رواية عن ابن عباس في تفسير هذه الآية : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين....أما بعد: فالعقوبات التي تنزل بالعباد والبلاد, لها أسباب  وللوقاية منها أسباب, من أهمها:

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس! إنكم تقرأون هذه الآية:  { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}  [المائدة:105]وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعذاب منه» [أخرجه الترمذي, وقال: هذا حديث صحيح] قال ابن العربي رحمه الله: الذنوب منها ما يعجل الله عقوبته, ومنها ما يمهل بها إلى الآخرة, والسكوت على المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات.

وقال الله:  {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}  [الأنفال: 25] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: في رواية عن ابن عباس في تفسير هذه الآية : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب. وهذا تفسير حسن جداً. وقال العلامة السعدي رحمه الله: بل تصيب فاعل الظلم وغيره وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغير, فإن عقوبته, تعم الفاعل وغيره. وتتقى هذه الفتنة بالنهي عن المنكر وقمع أهل الشر والفساد, وأن لا يمكنوا من المعاصي والظلم مهما أمكن.  

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجب لكم» [أخرجه الترمذي وقال حديث حسن]

قال المباركفوري: والمعنى والله, أنَّ أحد الأمرين واقع, إمّا الأمر والنهي منكم, وإمّا إنزال العذاب من ربكم, ثم عدم استجابة الدعاء له في دفعه عنكم, بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان, فإن كان الأمر والنهي لم يكن عذاب, وإن لم يكونا كان عذاب عظيم.

وعن أبي بكر رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا المنكر, ولا يغيرونه, أوشك أن يعمهُمُ الله بعقابه»  [أخرجه أحمد, وصححه الألباني برقم (1974) في صحيح الجامع ] وعن عبيدالله بن جرير عن أبيه رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي, هُم أكثرُ وأعزُّ ممن يعملُ بها, ثم لا يغيرونه, إلا يوشك أن يعُمهم الله بعقاب»  [أخرجه أبو داود, وصححه الألباني برقم ( 3353) في السلسلة الصحيحة]  

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بحسب القدرة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [أخرجه مسلم]

ولا يشترط في من يأمر بالمعروف أن يكون كامل الحال, قال الإمام النووي: قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهي عنه بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به, والنهي وأن كان متلبساً بما ينهى عنه, فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه فإذا أخلَّ بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر.

الناس في هذه الحياة الدنيا, كجماعة في سفينه, كل منهم يريد الوصول إلى البر بأمن وسلام, لكن يوجد فيهم: العاقل والسفيه, والسفهاء يريدون أن يعملوا أعمالاً في السفينة تكون سبباً في هلاكهم وهلاك من معهم, فإن لم يقم العقلاء بمنعهم والأخذ على أيديهم هلكوا جميعاً, وأن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً, فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «مثل القائم على حدود الله, والواقع فيها, كمثل قوم استهموا على سفينةٍ, فأصاب بعضهم أعلاها, وبعضهم أسفلها, فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم, فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً, ولم نؤذ من فوقنا, فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً, وإن أخذوا على أيديهم نجوا, ونجوا جميعاً»  [متفق عليه]

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الناس إن تركوا هؤلاء السفهاء ومعاصيهم هلكوا جميعاً, وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إقامة الحدود يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه, وإلا هلك العاصي بالمعصية, والساكت بالرضا بها, وفيه: استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف.

ترك الذنوب والمعاصي: 

قال الله:{ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} [النور:14] قال العثيمين رحمه الله: من فوائد الآية أن شيوع المعصية بين الناس سبب للعقوبة العامة لقوله:(لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم)  

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم »  [أخرجه أبو داود, وأحمد, وصححه الألباني برقم ( 5231) في صحيح الجامع] قال في النهاية: لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فيستوجبون العقوبة.

وعن زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون ؟ فقال: (نعم إذا كثر الخبث)» [متفق عليه] قال الإمام النووي رحمه الله: ومعنى الحديث أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام. قال العلامة ابن باز رحمه الله: يعني إذا كثرت المعاصي عمَّ الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله

ومن المعاصي التي ينبغي عدم التساهل فيها: الربا, والزنا, فظهورهما في المجتمع إيذان بنزول العقوبة به, فعن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر الزنا والربا في قريةٍ, فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله»  [أخرجه الطبراني, والحاكم, وصححه العلامة الألباني, في صحيح الجامع برقم ( 679)]

ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس عندما خسفت الشمس, ثم انصرف, وخطبهم, وكان مما قال:  «يا أمة محمد والله ما من أحد أغيرُ من الله, أن يزني عبده أو تزني أمته»  [ متفق عليه ]

قال الشيخ عبدالرحمن بن صالح الدهيش: خصّ الزنا في هذه الخطبة, إشارة إلى أن وقوع الزنا, والتساهل فيه, من أسباب عذاب الله عز وجل, فإذا وجد الزنا في المجتمع فإن هذا سبب مؤذن لعقوبة الله عز وجل العقوبة العامة التي تشمل من وقع فيه, ومن لم يقع فيه لكنه سكت عليه, وأقرَّه وتغاضى عنه.  

وعن أبي بكر رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب» [صححه الألباني برقم ( 2663) في السلسلة الصحيحة, وقال: أخرجه الطبراني في الأوسط]

 

وينبغي عدم الأمن من عذاب الله لوجود أناس صالحين في المجتمع, فقد تأتي العقوبة مع وجودهم, فعن عائشة رضي الله عنها, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  « إذا ظهر السوء في الأرض, أنزل الله بأسه بأهل الأرض, وإن كان فيهم قوم صالحون, يصيبهم ما أصاب الناس, ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته »  [أخرجه الإمام أحمد في المسند, وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (1372)]    

وعن عائشة رضي الله عنهما قالت: «يا رسول الله ! إن الله إذا أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم ؟ فقال: (يا عائشةُ ! إنَّ الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون, فيصابون معهم, ثم يبعثون على نياتهم ) » [أخرجه ابن حبان, وصححه الألباني برقم ( 2693) في السلسلة الصحيحة]

               كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ  

 

  • 1
  • 0
  • 390

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً