تأملات فى سورة الأعلى

منذ 2022-07-01

سورة الأعلى ترسم طريق النجاح والفلاح الحقيقي فى الدنيا باتباع أوامر الله والبعد عنه سبب فى شقاء الإنسان

 

إن هذه السورة تسير على ثلاثة محاور رئيسية وهى التسبيح والتنزيه للخالق وبيان عظمته فى خلقه وتيسير أسباب الهداية لهم ثم الإقرا ر بحقيقة النبى والرسالة وأنه بعث لهداية الناس وتزكية قلوبهم ثم تختم بمقومات الفلاح وكيفية الوصول إليه فى الدنيا والآخرة  

ومناسبة السورة لما قبلها  : أن السورتين  تجمعهما آيات التفكر فى الخلق التى تدعو إلى تعظيم الله  جل وعلا ففي سورة الطارق ذكر خلق الإنسان فقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ}  [الطارق: 5]، وذكر خلق النبات فقال: {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ}  [الطارق: 12]، وذكر هنا فى سورة الأعلى  خلق الإنسان فقال:  {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} ، وذكر خلق النبات أيضًا فقال: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى(4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى }  وكأنها إجمال ما فصلته سورة الطارق .

إذا تأملنا قوله "  {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}  "  تبدأ السورة بالتسبيح والتنزيه لله عزوجل واستشعار صفة الرب  وأنك  فى حضرة المربى أنت على اتصال قريب به تدعوه فيستجيب لك ولذلك خص هذا الذكر فى السجود فعن عُقبةَ بنِ عامرٍ رضيَ اللهُ عنه، قال:  «لَمَّا نزلَتْ: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اجعَلوها في رُكوعِكم، فلمَّا نزلَتْ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، قال: اجعَلوها في سجودِكم»   لأن السجود هو قمة القرب والافتقار إلى الله عزوجل واستشعار أنه تفضل عليك وأعطاك مفاتيح الدخول عليه بتعظيم الرب الأعلى عن جميع النقائص والعيوب المنافية للألوهية والربوبية تعالى الله عن الشريك والولد و النظير . فعلى المسلم أن تكون أعماله خالصة لوجه الله محققا قوله تعالى :"  {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}  

وفى  قوله ‏{الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}‏‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 2- 3‏]‏‏.

الذى بلغ غاية الكمال فى صنعه وحسنه وجمًله فكلِ معد لوظيفة معينة والمتأمل  فى خلق الله  يجد أنه آيه من آيات الله يرى فيها  مدى التناسق و التكامل بين الكائنات بعضها البعض فى الوظيفة والتعايش انظر إلى ملكوت ربك الأعلى إلى خلقه كيف سواه وتأمل فى خلقك أنت فى تركيبك وانطلق منه إلى النظر فى عالم النبات وأصناف الحيوانات وفصائلها وهداية كل منها لتحقيق الغاية من وجودها ولتؤدى  وظيفتها فى الحياة فدوران الأرض حول الشمس ومنازل القمر  تشبه حركة الألكترونات داخل الذرة الواحدة كل يسير فى طريقه لتأدية وظيفته التى خُلق من أجلها  وفى عالم الأحياء البحرية نجد ثعابين الماء   تُهاجر من مياه البرك والأنهار التي وُلِدت فيها بعد اكتمال نموّها، وتقطع آلاف الأميال في المحيط؛ لتصل إلى الأعماق فى جنوبي جزيرة برمودا، وهناك تبقى وتموت. وعندما تفقس تلك البيوض، وتخرج الثعابين الصغار وتكتمل، تبدأ هجرة معاكسة، وتقطع نفس المسافة لتصل إلى الأماكن التي وُلِدت فيها أُمّهاتها، وهكذا لا تخطئ طريقها تقف أمام هذا المشهد متحيرا فلا تجد إجابة إلا قوله تعالى :"  {رَبُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}  (طه/ 50). وكيف هدى النحل لبناء هذه البيوت الدقيقة الصنع ؟وكيف هدى الرضيع إلى ثدى أمه عقب الولادة مباشرة ؟ لتخرج بعبرة أن  كل ميسر لما خُلق له فتجد نفسك بفطرة وتلقائية تردد سبحان الله

وفى قوله  {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى} ‏‏ ‏ [الأعلى‏:‏ 4] 

ضرب مثلاً بأقرب شىء لحياة العرب وهو كيف يخرج النبات الأخضر اليافع من الأرض اليابسة ثم إذا به يذبل ويتحول إلى حطام شديد السواد  من لم يقدر هذه النعم القريبة كيف يستشعر منه أن له أب وأنه الأعلى ويتوجه إليه بقلبه ولا يشرك به أحدا سبحانه دلهم عليه بخلقه وتقديره لكل شىء إذ يقول تعالى { {وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} } [الحجر: 21]  فهذا الكون المحكم المتقن لابد له خالق حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم المعصية

وبعد أن امتن الله تعالى على المخلوقات جميعا بالخلق والهداية تأتى المنة علي النبى صلى الله عليه وسلم بحفظ الوحى فى صدره ورفع العناء عنه إذ يقول تعالى : ( { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ } ) فهو عليه أن  يتلقى الوحى ويتكفل الله بحفظه فى صدره وهى تبين مدى حرص النبى على تلقى الآيات والحفظ عن جيريل عليه السلام   وعلى كل مسلم  أن يستشعر عظمة هذا القرآن فكل الكتب السماوية السابقة وكل الله عزوجل حفظها لبشر فضيعوها ولكن القرآن تكفل هو بحفظه حفظه فى صدور المؤمين وفى الكتب فاطمئن أنك تستقى من المعين الأصلى وليس المحرف بأيدى البشر وهذا من كرامة هذا الدين عند الله عزوجل أما قوله {إلا ما شاء الله}.. ليظل القلب متعلقاً بالله والأمر بمشيئته العليا وليس للبشر يد فيها كما زعم المشركون إذ يقول تعالى :"  {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (103) "سورة النحل  وفيه إشارة إلى النسخ الذى ذكر فى الآيات   إذ يقول تعالى :" {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}   ....." [سورة البقرة]   فكل شىء يرجع إلى حكمة الله تعالى الذى أحاط علمه كل شىء يعلم ظواهر الأمور وبواطنها لا يشاركه أحد فى طلاقة قدرته"  {إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ } "

ومن كمال المنة أن يوفقه للطريق الأيسر والأسهل فى حفظ التشريع

إذ يقول تعالى :" { وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ 8 فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَىٰ 9 } "  قال ابن عباس أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعا سهلا سمحاً مستقيماً عدلاً لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.

كما أن فيها  بشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما وعلى المؤمن أن يعلم  أن كل من سلك طريق الطاعة تمضى حياته كلها ميسرة وبتوفيق الله  فى كل خطوة يخطوها وأن الشريعة جاءت بالتيسير على الناس ومراعاة للطاقات البشرية {  {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} } {  {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} } { { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } }  وفى السنة  عن أَبِي هريرة قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم  :" « إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ أحدا إلاَّ غَلَبه» ..." [رواه البخاري]  فالعبادات من صلاة أو زكاة أو صوم أو... أو... كلها لمصلحتك والله الغنى عنك تحتاج إلى إخراج صدقة  ليوسع رزقك ويبارك فيه وتحتاج إلى الصلاة لتعينك على تحمل متاعب الحياة وتغذى روحك المتعطشة لخالقها وبارئها وتحتاج إلى الصوم ليهذب نفسك وشهواتك  فلا يكن  همك ما تشرب وما تنكح  كالأنعام و شرع القصاص رحمة بالمجتمع حتى لا يقتل بعضه بعضا ظلما واعتداءً وحتى لا تتوقف حياة أسر بأكملها خوفاً من الثأر وفى العلاقات الأسرية شرع الطلاق إذا وصل الطرفان لطريق مسدود تيسيرا  عليهم فلا يعيش الطرفان الكراهيةو العداء فيخرج  للمجتمع أطفال مشوهة نفسية وهكذا ما نزل تشريع إلا بالتيسير على الأمة  ولا يدرك ذلك إلا كل صاحب فطرة سليمة تألف الطاعة وتكره المعصية

وفى قوله "  {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}  " تعلمنا الدرس أن شكر نعمة الله عليك أن تبلغ الدعوة فليس عليك هداية الناس ولكن فقط التبليغ سواء تغيروا أو لم يتغيروا فإن قلوبهم ليست بيدك  إنما بيد الله فما على الدعاة إلا هداية الإرشاد والدلالة أما الهداية االتوفيقية  فبيد الله هو أعلم بعباده وليكن لهم الأسوة الحسنة فى نبيهم صلى الله عليه وسلم فكان يأخذ  بيدى النفوس الشاردة برفق ولين ليعيدها إلى حظيرة الإيمان ويهذب أخلاقها حقا جاء ميسرا على الناس بعقيدة سمحة  كما بينت لنا الآيات قال تعالى: ﴿ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ﴾ [الأعراف: 157]

وفى قوله‏:‏ ‏{ {‏‏سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} }‏‏  فالذكرى ينتفع به القلب الحى الذى  استشعر الخوف من الله يدرك أن للوجود خالقاً يأخذ بأيدى الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهداية ينتفع بها من يؤمن أن هناك يوماً للحساب إما لجنة أو لنار   " {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11)} " من هو الأشقى ؟  هوالذى مات قلبه فأصبحت روحه خاوية لا تتأثر بموعظة ولا تخشع لآية وكأن خُتم على قلبه  فالشقى  هو الذى اختار طريق الظلام فأصبح  يعيش قلقا فى خوف مستمر من كل شىء وعلى كل شىء 

وهل انتهى شقاؤه وعذابه ؟ بل يستمر معه  إلى الدار الآخرة ليواصل العذاب الذى لا يعلم مداه إلا الله فلا هو يموت فيرتاح ولا يعيش فى آمان وسعادة إنها سلسلة متصلة من العذابات وماذا عليه لو خشع قلبه لله وسار فى طريق الحق؟!

ثم ترسم الآيات طريق الفلاح والنجاح فى الحياة إذ يقول  " {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ (١٤) وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ  (15)}   "لمن يا رب ؟  لمن طهر قلبه من الشرك والرياء وكل مرض قلبى يقطع الطريق إلى الله فكيف لقلب معلق بالدنيا والشهوات أن يدخل على الله ؟فلابد لهذا القلب أن  يطهر ليعرف ربه فيذكره فى كل شىء ويستحضر عظمته فى قلبه فيصلى لله وذكر الصلاة ولم يذكر الصدقة أو تلاوة القرآن  لأن الفلاح فى الدنيا أن يعيش  الإنسان موصولا بربه خاشع القلب وهذا يتحقق بالصلاة هناك من يقول كفاية أن قلبى نظيف وليس من الضرورى حجاب أو صلاة إذا كان القلب طاهرا حقا سيسرع فى  الاستجابة لأمر الله عزوجل ويخشى عقابه  وليعلم أن الإكثار من الذكر والصلاة هما مفاتيح الطهارة القلبية فليجتهد  فى قطف ثمار فلاحه فى الحياة الدنيا والنجاة من النار فى الاخرة فى ظل هذا المشهد من الدعوة الى تزكية النفس  والفلاح تأتى العقبة الكبرى على طريق التزكية وسبب شقاء الانسان  ألا وهى إيثار الدنيا على الآخرة  { { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْر وَأَبْقَى (17)} }.. فهى منشأ الغفلة التى تلهى عن ذكر الله  وليس المقصود بالذكر الذكر باللسان فقط إنما كل  قول حسن ذكر وكل عمل بر ذكر و علاج إيثار الدنيا هو الايمان باليوم الآخر وأن كل ما نحن فيه إلى زوال "والآخرة خير وأبقى " تلك الدعوى التى دعا بها الانبياء منذ القدم رغم اختلاف الزمان والمكان  إذ يقول تعالى :" {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى(19)} "وفى النهاية أن سورة الأعلى ترسم طريق النجاح والفلاح الحقيقي فى الدنيا باتباع أوامر الله والبعد عنه سبب فى شقاء الإنسان  إنها رسالة واحدة منذ القدم  ولكن هل  من منتفع بالذكرى ؟!  

 

  • 1
  • 0
  • 622

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً