وسائل حفظ النفس من الهلاك

منذ 2022-09-18

هناك تشريعاتٌ حَكِيمَةٌ جاءت مُفَصَّلَةٌ ومُبيَّنَةٌ؛ للمحافظة على أَنْفُسِ الناس وأطرافِهم من الاعتداء عليها، فجَعَلتْ عِقابَ مَنْ يَقْتُلُ نفسَه مُتعمِّداً، بأنْ ينال عقاباً شديداً في الآخِرة...

قد جعل الإسلامُ "حِفظَ النفس" من أهمِّ مقاصده، فكان "حِفظُ النفسِ" هو المقصد الثاني - بعد "حِفظ الدِّين"؛ لِكَونِ "حِفْظِ النَّفس" من ضروريات الحياة الإنسانية وبقائها.

 

عباد الله.. "وسائِلِ حِفْظِ النَّفْسِ مِنَ الهَلاك" فمِنْ أهَمِّ وسائِلِ المحافظة على النَّفْسِ في الإسلام:

1- أَوْجَبَ على الإنسانِ أنْ يَمُدَّ نفسَه بِوَسائِلِ الإبقاءِ على حَيَاتِه؛ من تناولٍ للطعام، والشراب، وتوفير اللباس، والمسكن، فيحرم على المسلم أن يمتنع عن هذه الضَّروريات إلى الحدِّ الذي يهدد بقاء حياته.

 

كما اعتبر الحصول على هذه الضروريات هو الحد الأدنى الذي يلزم المجتمع؛ مُمثَّلاً في الأفراد من جهة، بما أوجبه عليهم من حقٍّ معلومٍ في أموالهم يُرَدُّ على فقرائهم. وفي الدولة من جهةٍ أُخرى؛ مُمثَّلةً في أجهزتها، وأنظمتها، بتوفير الحدِّ الأدنى الضروري للأفراد العاجزين عن توفيره لأنفسهم.

 

2- أَوْجَبَ على الدَّولَةِ إِقامَةَ الأجهزةِ الكَفِيلَةِ بِتَوفِيرِ الأَمْنِ للأفراد؛ مِنْ قَضَاءٍ، وشرطةٍ وغيرِها من أجهزة تُحَقِّقُ الأمنَ للمجتمع.

 

3- أَوْجَبَ المُحافَظَةَ على كَرامَةِ الآدَمِيِّ بِمَنْعِ القَذْفِ والسَّب: ومما جاء فيه؛ قولُه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»  (رواه البخاري)؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا»  (رواه البخاري).

 

والإسلام – هنا - أشار إلى جريمةِ قتلٍ من نوعٍ جديد؛ فلَعْنُ المؤمنِ، وقذْفُه، والتَّشنيعُ عليه، هو بمثابة القَتْل، إذْ قد يَضْطَرُّ هذا المقذوفُ إلى الابتعادِ عن المُجتمع، والانكفاف على نفسه؛ لِمَا مَسَّ شرفَه، وعِرضَه، وكرامتَه، فيُحْرَمُ المجتمعُ من رجلٍ لديه كفاءات يستفيد منها، ويُحرم الشخصُّ نفسُه من ممارسة حياتِه التي مَنَحَها اللهُ تعالى له، فيكون ذلك بمثابة القَتْل.

 

4- تَشْرِيعُ الرُّخَصِ بِسَبَبِ المَشَقَّةِ التي تَلْحَقُ النَّفْسَ: فَيَلْحَقُها الضَّرَرُ، ومن ذلك: رُخَصُ الفِطَرِ في رمضان؛ بسبب المرض والسَّفَر، وقَصْرُ الصلاةِ في السَّفر.

 

5- حَرَّمَ الإسلامُ قَتْلَ النَّفْسِ سواء قَتَلَ الإنسانُ نَفْسَه أو غَيْرَه: يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، والمُفَاِرُق لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ»  (رواه البخاري). والوعيد الأُخروي يشمل قَتْلَ الإنسانِ نفسَه؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهَا في نَارِ جَهَنَّمَ»  (رواه البخاري)؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم - فيمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا: «مَن ْقَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»  (رواه البخاري).

 

وهذه النَّفسُ مُلْكٌ لخالقها، وهو الذي وهَبَها الحياةَ، فله سبحانه – وحْدَه - الحقُّ في إبقائِها أو مَوتِها، مَهْما كانت هذه النَّفْس. فهي مُحْتَرَمَةٌ لِحُرْمَةِ خالِقِها لها، مُعظَّمَةٌ لِعَظَمَةِ باريها، فالعِبرة بمَنْ خَلَقَ، وليس بما خَلَقَ، ولو كانت العِبرةُ بالمخلوق، لَمَا استحقَّ أنْ يعيشَ مَنْ يعبدُ غيرَ الله على وجه الأرض، بعدما بلغته رسالةُ ربِّه.

 

أيها المسلمون.. ومن أهم "وسائل حِفْظ النَّفْسِ مِنَ الهَلاك":

6- أَوْجَبَ القِصَاصَ في القَتْلِ العَمْدِ، والدِّيَةَ والكَفَّارةَ في القَتْلِ الخَطَأِ: عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه؛ (أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بين حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لها: مَنْ فَعَلَ بِكِ هذا؟ أَفُلاَنٌ، أَفُلاَنٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالحِجَارَةِ) (رواه البخاري)؛ وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ»  (رواه البخاري ومسلم). ففيه مشروعية القِصَاص والعَفْوِ والدِّيَة.

 

وتشريعُ العَفْوِ والدِّيةِ فيه حفظٌ للنَّفس أيضاً، فإذا كانت هناك نفسٌ قد أُزهِقَت؛ فقد جعل الخالقُ سبحانه مَخْرَجاً لِنَفْسِ القاتل ألاَّ تُزْهَق؛ بشرط الرِّضا من قِبَلِ وليِّ المقتول، وهذا التشريعُ فيه سَعَةٌ ويُسْر، وجَبْرٌ لخاطر أهلِ المَقْتول، وحَقْنٌ للدِّماء، وحِفْظٌ للأَنْفُسِ، وصِيانَةٌ لها من الموتِ والهَلاك.

 

7- إِعْلانُ الجِهاد؛ حِفْظاً لِلنُّفُوسِ، وَحِمَايَةً لِلْمُسْتَضْعَفِين: عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى الخَنْدَقِ، فإذا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ في غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فلم يَكُنْ لهم عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذلك لَهُم، فَلَمَّا رَأَى ما بِهِمْ من النَّصَبِ وَالجُوعِ قال: «اللهم إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَة فَاغْفِرْ لِلْلأَنْصَارِ والمُهَاجِرَة».

 

فَقَالُوا مُجِيبِينَ له: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الجِهَادِ ما بَقِينَا أَبَدَا) (رواه البخاري).

 

8- أَوْجَبَ عَلَى المُسْلِمِ إِنْقَاذَ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلْقَتْلِ ظُلْمًا، أو يَتَعَرَّضُ لِخَطَرٍ إنْ اسْتَطَاعَ أنْ يُنْقِذَه، والتَّضحِيَةُ بالنَّفْسِ في سبيل نُصْرَةِ الإسلام، أو جَلْبِ مَنْفَعَةٍ عامَّةٍ للمسلمين جائِزَةٌ؛ لأنَّ مصلحةَ الدِّينِ مُقدَّمَةٌ على مصلحة النَّفس، بل يُعَدُّ الإقدامُ على الموتِ - دِفاعاً عن الدِّينِ، ومصلحةً للمسلمين - مَقَامَ شَرَفٍ ومَدْحٍ.

 

ومع ذلك؛ فإنَّ المُسْلِمَ إذا عَلِمَ أنَّ إقدامَه على المَوتِ لا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً للمسلمين، مع هلاكِه، فلا يُجوزُ إقدامُه على التَّهْلُكَة.

 

9- شُرِعَ للإنسانِ أَنْ يُدافِعَ عَنْ نَفْسِهِ إذا هاجَمَه مَنْ يُرِيدُ الاعْتِداءَ عليه: دون تَحَمُّلِ أيَّةِ مسؤوليةٍ - إذا مات المُهاجِمُ، أو أصابَه أَذَىً، وثَبَتَ أنه كان يُرِيدُ الاعتداءَ عليه؛ ويدل عليه:

أ- ما جاء عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ رضي الله عنه قال: قَاتَلَ يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ! لاَ دِيَةَ لَهُ»  (رواه مسلم).

 

ب- قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»  (رواه البخاري ومسلم). وفي روايةٍ: ( «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (صحيح – رواه الترمذي). وفي روايةٍ: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»  (صحيح – رواه النسائي).

 

عِباد الله.. وهناك تشريعاتٌ حَكِيمَةٌ جاءت مُفَصَّلَةٌ ومُبيَّنَةٌ؛ للمحافظة على أَنْفُسِ الناس وأطرافِهم من الاعتداء عليها، فجَعَلتْ عِقابَ مَنْ يَقْتُلُ نفسَه مُتعمِّداً، بأنْ ينال عقاباً شديداً في الآخِرة؛ وهو أنْ يُعِيدَ قتلَ نفسِه في النار بنفس الطريقة؛ إمعانًا في تعذيبه، وتشديدًا في عقابه، كما جَعَلتْ جزاءَ مَنْ قَتَلَ غيرَه بغيرِ وَجْهِ حَقٍّ مُتَعَمِّدًا في أعلى درجات الجَزاء؛ وهو القَتْل، وجَعَلتْ لِوَلِيِّ المقتولِ حَقَّ العَفْوِ بدون مُقابِل، أو على بَدَلٍ من المال، ورَتَّبَتْ على قَتْلِ الخَطَأِ بعضَ العُقوباتِ التي تَجْعلُ الإنسانَ يُراعِي في تَصَرُّفاتِه وأفعالِه الحِكْمَةَ واليَقَظَةَ، ويترفَّعَ عن التَّساهُلِ وعَدَمِ الحِيطَة؛ حتى لا يُؤدِّي إهمالُه إلى إتلافِ نُفوسِ الناس أو أعضائِهم. وهذه التَّشريعاتُ ضَمِنَتْ – بِشَكْلٍ مُباشِرٍ - حِفْظَ النَّفْس من الهلاك.

 

كما أنَّ الشريعةَ جَعَلَتْ أحكامًا ورتَّبَتْها، مِنْ شأنِها أنْ تَحْفَظَ النَّفسَ وتَصُونَها بِشَكْلٍ غَيرِ مُباشِرٍ، ومنها: الحَثُّ على التَّزَاوُجِ والتَّنَاسُلِ، وتَحْقِيقُ قَدْرٍ مِنَ التَّكافُلِ الذي يَضْمَنُ الحَدَّ الذي تقوم به الحياة؛ مِنْ مَأْكَلٍ، ومَشْرَبٍ، ومَلْبَسٍ، ومَسْكَنٍ، ومُدَاوَاة، ثم جَعَلَتْ حَقَّ الدِّفاع، وحِمايَةَ الضُّعَفاءِ والمَساكِينِ والنِّسَاءِ واجبًا شرعيًّا ضِدَّ الأعداء، وشَرَعَتْ الجِهادَ في وجه أعداءِ الدِّين والمُعْتَدِين؛ صِيانَةً للنُّفوس، وحِفْظًا للأرواح.

  • 2
  • -1
  • 387

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً