صناعة الداعية

منذ 2022-12-26

طريق الدعوة طريق شاق وطويل يحتاج  فيه الداعية إلى معية الله فى كل وقت فما يمر به من محن فى حياته يحتاج إلى تثبيت من من الله

 

طريق الدعوة طريق شاق وطويل يحتاج  فيه الداعية إلى معية الله فى كل وقت فما يمر به من محن فى حياته يحتاج إلى تثبيت من من الله إذ يقول تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}  [27 سورة الرعد] ويحتاج إلى نور ينير له الطريق  فيسير على بصيره فلا يتعثر فيترك الدعوة إذ يقول تعالى :" {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ  وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.} ... " وقد يتعرض للإيذاء فى سبيل الله وتلك سنة أصحاب الدعوات لا يعين عليها إلا الصبر ويحتاج إلى التضحية بجهد أو مال  أو وقت الذى لا يتأتى إلا بزاد إيمانى يجعله يستلذ التضحية فى سبيل الله إإذ يقول تعالى :" { ِإنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} ...." التوبة

وقد يتعرض لفترات كسل وفتور فيحتاج إلى صحبة تعينه وتشد من أذره وتذكره إذا نسى وتبصره بعيوبه وقد يحتاج إلى التأييد والنصرة من الله حين يتعرض لمكر أعداء الإسلام إذ يقول تعالى ﴿ {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} ﴾ وهذه النصرة لا تتأتى بغير زاد إيمانى وهذا الزاد يتحقق من الآتى

دوام  مراقبة الله عزوجل :

إن  الداعية أولى الناس بمراقبة الله عزوجل فى السر والعلانية وذلك بأن  يراقب نفسه قبل العمل وفى أثناءه هل كان العمل ابتغاء وجه الله ؟ فليمض فيه وأن كان لهوى النفس وحب الثناء والمدح  أحجم عنه حتى يجدد النية ويخلص لله عزوجل والمراقبة فى الطاعة تكون بالتجرد والإخلاص والمراقبة فى المعصية تكون بالندم والتوبة والمراقبة فى النعم بدوام الشكر وفى المصائب بالصبر عليها فكل هذا يجعله يستشعر فى قراره نفسه عند الهم بأى عمل أن الله معه يسمعه ويراه إذ يقول تعالى  قال تعالى:  " {أم يحسبونَ أنَّا لا نسمعُ سِرَّهُم ونجواهُم، بلى ورُسُلُنا لديهم يكتُبُون} " [الزخرف 80]

    وقال تعالى: " { وإن تجهرْ بالقولِ فإنّهُ يعلمُ السرَّ وأخفى } " [طه] فإذا آمنَ العبدُ بذلك علم أنه تحت قدرةِ الله، ويستشعر عظمة الله فى قلبه وأى قلب امتلأ بالحياء من الله  وإجلاله ومحبته كيف  للشيطان أن يجترىء عليه

وليعلم أن مراقبة الله عزوجل سبب فى نجاة  أصحاب الدعوات فقد نجا الله  يوسف عليه السلام من فتنة امرأة العزيز بمراقبته لله وفى تفريج كرب من أغلقت عليهم الصخرة بمراقبة أحدهم لله فلم يرتكب المعصية مع ابنة عمه عندها فرج الله عنهم ما هم فيه من الضيق وهكذا ببركة مراقبة نظر الله عزوجل والحرص على أن لا يراه على معصية

وليحذر الداعية أن  يراعى نظر الناس ويعمل لهم حساب  على حساب الحق فهو بذلك يكون فيه صفة من صفات المنافقين إذ يقول تعالى :" { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} " [النساء 108]

والمراقبة تزيد الداعية  معرفة بالله  من خلال آياته والتدبر فيها فتورثه الخشية من الله إذ يقول تعالى  : " {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} " [المجادلة/7]،

قال تعالى: {"إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} " [النساء/1]، واستشعاره بشهادة جوارحه عليه يوم القيامة إذ يقول تعالى : " {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} "  [يس/65]. {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) }  فحريا به أن يستعد للآخرة  ويحاسب نفسه فى الدنيا قبل أن يُحاسب فى الآخرة

كثرة ذكر الموت

إن الداعية يعلم جيدا أن الدنيا دار ممر وليس مستقر وأن الخلود فى الجنة فقط  وأنه مهما عاش فإنه فى النهاية مفارق لها فعن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " فعليه استحضار الموت وما بعده وأنه سيسأل وحده يوم الحساب وحين يتذكر موقف أهل النار وعذابهم وأهل الجنة ونعيمهم وموقف الميزان وتتطاير الصحف فيدفعه ذلك إلى أن يكون أكثر خشية لله وإخباتا له   ويكون له فى إمام الدعاة القدوة الحسنة عندما كان يربى  أصحابه على الاستعداد للموت وأن لا يلههم الأمل فى الدنيا

فعن أبى هريرة قال  :" «أكثروا من ذكر هادم اللذات» "وله فى  أحوال الصحابة والتابعين الأسوة الحسنة فكان عمر بن العزيز  إذا ذكر الموت انتفض انتفاضة الطير وكان يجمع الفقهاء كل يوم يتذاكرون الآخرة ثم يبكون كأن بين أيديهم جنازة فليجتهد الداعية أن يكون له خلوه بينه وبين ربه يتذكر فيها الآخرة ويحاسب نفسه ويقارن بين عمله وعمل الصحابة والسلف الصالح ويسأل نفسه  ماذا أعددت لما بعد الموت ؟عسى أن تأخذه الخشية وتدمع عينه من خشية الله وبذلك يستحق أن يكون ممن  شملهم الله بعفوه يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون ويكون من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله  فإن أشد الناس خشية لله هم أعرف الناس بالله   كما أخبرنا  النبى صلى الله عليه وسلم إذ يقول " قالَ: ما بَالُ أقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟! فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ باللَّهِ، وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً. " صحيح البخارى فإذا عرف الإنسان ربه عرف قدر نفسه ومن عرف قدر نفسه  سارع إلى إصلاحها

الاقتداء  بسيرة سيد الدعاة " النبى صلى الله عليه وسلم "

إن الداعية أولى الناس بالتأسى بإمام المرسلين والنموذج الأكمل للبشرية جمعاء فى كل زمان ومكان فى كل جوانب حياته سواء فى العبادة أو الاخلاق أو التعاملات مع من حوله كزوج وكأب وكمربى لنتعلم كيف أنه جمع بين أمور الدنيا وشئون الدعوة وقضايا الجهاد كان يبعث السرايا ويقود الغزوات ويستقبل الوفود ويقوى من عزيمة اصحابه ومع هذه الانشغلات العظيمة تجده يجد وقت   ليجلس فيه  مع الغلام الصغير يواسيه فى موت  عصفور له إذ جعل يقول :" أبا عُمَيْر، ما فَعَلَ النُّغَيْر؟ ليصرف عنه حزنه على فقد الطائر  ويتأسى به فى تواضعه فكان  يخصف نعله  ويرقع ثوبه  يأكل مع خادمه فلا يتكبر الداعية على أهله ويظن أنه فى مكانه أعلى منهم بعلمه وتدينه  ويتأسى به فى عبادته فكان عابدا ناسكا يقوم الليل حتى تتورم قدماه فيُسأل فى ذلك فيقول أفلا اكون عبدا شكورا صلوات الله عليه لم يقل إنى قد تعبت فى دعوة الناس بالنهار فأنام واستريح بالليل يعلم أن صاحب الدعوة لا يستريح إلا فى الجنة  ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام وليتأس  الداعية بحلم النبى صلى الله عليه وسلم  يوم فتح مكة حين قال لقومه "ما تظنون إنى فاعل بكم قالوا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء  " فيكون سبب فى أن يعفو الداعية عن من ظلمه ويحلم عليهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله حقا وليتأس به فى ثباته على المبدأ حين قال لعمه كلمته الشهيرة "والله يا عم إذا وضعوا الشمس عن يمينى والقمر عن يسارى ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه " فيثبت فى ما مواجهة الفتن والإاغراءات ولا يخاف فى الله لومة لائم

وهكذا فى كل مواقفه كلما مر بموقف تذكر ماذا فعل رسول الله فى مثل هذا الموقف فيلين قلبه وتصفو نفسه ويتذكر دائما أن النبى صلى الله عليه وسلم عاش صاحب رسالة فى كل أحواله لم ينتصر لنفسه قط  فيستبين له المنهج الذى يسير عليه والغاية التى يحيا من أجلها

وعلى الداعية ان يحرص على الإكثار من النوافل التى تجعله يستشعر المعية والقرب من الله و التى منها

صوم النوافل

على الداعية أن يكثر من صيام النوافل   لتعويد النفس على الصبر على مشاق الدعوة دون وهن أو ضعف والصبر على التعامل مع المدعوين إذ يقول تعالى :" { فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [(39 " سورة ق ] كما أنه يكسبه الإخلاص لله وحسن المراقبة فكل عمل معروف أجره إلا الصيام فإن أجره لا يعلمه إلا الله  فعن أبي هريرة- رضي الله عنه-قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "قال الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » " (متفق عليه)

كما أن فيه تقوية للإرادة ومجاهدة للنفس التى يحتاجها الداعية ليكبح جماح نفسه ويفطمها عن الشهوات ويعودها على شظف العيش وخشونة الحياة فلا تكون جواذب الارض واحتياجات الجسد عائق له عن مواصلة طريق الدعوة  ولا يكون صومه عن المأكل والمشرب والشهوة فقط ولكن ينبغى أن يكون صوم للقلب و إمساك للجوارح عن كل ما يغضب الله عزوجل وهذه  الجوارح تصب فى القلب فيضمن طهاره القلب  ونقائه فتسمو الروح وتتهيأ النفس للتزكية بالعبادت

كما أنه  يُعلم صاحب الدعوة الحلم على الجاهلين فإذا شاتمه أحد  أو جادله بغير حق يكظم غضبه ولا ينتصر لنفسه ويتذكر صيامه فيؤدى ذلك  إلى ضبط النفس فى التعامل مع الناس وتذكر قول الله عزوجل : {﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾} (آل عمران: 159)،

فعليه أن يتحرى الأيام الفاضلة فى السنة ومواسم الطاعات مثل صيام عرفه والأثنين والخميس أو ثلاثة أيام من كل شهر ويكون له السبق بصيامها ولا يكتفى بصيام رمضان

قيام الليل شرف الداعية  :

إن أول ما نزل على النبى صلى الله عليه وسلم  من القرآن  قوله تعالى  { "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا  "} وكأنه إعداد من الله لنبيه لتحمل أعباء الدعوة والصبر على لأواء الطريق يأتيه بالليل ويقف بين يديه  ليكسوه نورا من نوره ويفيض عليه من القوة الروحية والطاقة النفسية التى تكون له زاداً على الطريق ويستحضر أنه فى كنف العزيز الذى لا يضام وإذا كان قيام الليل نافلة فى حق عموم الناس فأولى بالداعية أن يكون له ورد ثابت من قيام الليل فما أحلى مجاهدة النفس  ومغالبة الشيطان للقيام وترك الفراش الوثير من أجل الوقوف بين يدى الله عزوجل تخيل أجرها العظيم عند الله فإن قاد نفسه ودربها  على القيام بالليل فإنه يسهل عليه قيادتها  فى غيرها من الأمور وتأمل معى قوله {"تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا "} إحساس  التجافى هذا لا يحسه إلا من ذاق حلاوة مناجاة الله  فى هذا الوقت فيظل يتقلب فى فراشه شوقا لهذا اللقاء

  ويصف لنا صاحب الظلال هذا الأثر الذى يتركه قيام الليل فى النفس إذ يقول  : "إن قيام الليل والناس نيام, والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها; والاتصال بالله, وتلقي فيضه ونوره, والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى، وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي.. إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير"

وإذا كان  الناس يطلبون الشرف فى المال و الجاه فصاحب الرسالة يطلب الشرف فى قيامه بين يدى ربه  فى جوف الليل

" «أتاني جبريلُ عليه السَّلامُ فقال : يا محمَّدُ ! عِشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ ، وأحبِبْ من شئتَ فإنَّك مفارقُه ، واعمَلْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به ، ثمَّ قال : يا محمَّدُ ! شرفُ المؤمنِ قيامُه باللَّيلِ ، وعِزُّه استغناؤُه عن النَّاسِ "» [صححه الألبانى]

وإنى لأظن كيف يحيا الداعية وصاحب الرسالة بلا قيام الليل إلا كجسد بلا روح كيف يعيش بلا هذه الركعات التى يطرق بها باب المولى عزوجل يأتيه بقلب منكسر يبكى بين يديه معترفاً بذنوبه مقر بتقصيره يطلب عفوه ورضاه  إذ يقول تعالى :" وبالاسحار هم يستغفرون "ويسأله  أن يوفقه  فى دعوته وأن يعينه على إبلاغ رسالته ويسأله التمكين لدينه ويدعو لإخوانه بالغيب  وهو يعلم أن سهام الليل لا تخطىء فيدعو للقلوب المغلقة من المدعوين وهو على يقين بإجابة الدعاء يدعو دعاء المخلص الخائف عليهم من أن يموتوا قبل التوبة إلى الله  فالقلوب بيد مقلبها يقلبها كيف يشاء ويطلب النصرة من الله على أعداء الدين الذين يعترضون طريق الدعوات تارة يبكى من خشية الله وتارة يبكى على أحوال أمته وما وصلت إليه

وهو بذلك يحقق القدوة العملية للناس بتنفيذ ما يدعوهم إليه من قيام الليل وتلاوة القرآن

فكن حريصا أن يكون لك جلسة بين يدى سيدك ومولاك تشكو له ما أهمك ليعينك على تحمل مشاق الدعوة وتنعم بلذة مناجاته ومما يعينك عليها إخلاص النية لله والتوبة من الذنب و التى تحرم من قيام الليل فقد جاء رجل إلى الحسن البصرى يشكو إليه أنه لا يستطيع أن يقيم الليل فقال له  لا تعصه بالنهار فيقيمك بالليل والتبكير إلى النوم والاستعانة بالله والدعاء أن يرزقك هذه العبادة قيام الليل فإنها رزق والمؤمن يستمطر الرزق بالدعاء فجاهد نفسك

الداعية فى صحبة القرآن

إذا كان الماء مهماً بالنسبة لكل الكائنات فإن الداعية لا يستطيع أن يحيا إلا بصحبة القرآن يستضىء بأنواره فى ظلمات الطريق ويستمد من قصص الأنبياء والأمم السابقة العبرة والعظة فتقوى عزيمته إذ يقول تعالى :{وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} ويعرف قدر الله من خلال التأمل فى آيات الخلق فيستنير قلبه بأنوار الحكمة لأن تدبر القرآن يجعل صاحب  الرسالة عنده رؤية واضحة  إذ يقول  تعالى {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

وحسبنا من قول الرسول فى فضل القران أنه يأتى شفيعا لأصحابة يوم القيامة وأن له بكل حرف أجر وحسنة كما جاء فى الحديث  عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"منْ قرأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ آلم حرفٌ ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ" .فعلى الداعية أن يكون له ورد يومى من القرآن ينهل من مأدبة القرآن قدر المستطاع فلا يمر يوم دون أن يطالع كتاب الله عزوجل  والمأدبة لا تعنى أن يكتفى بالقراءة فقط بل عليه أن يكون له ورد تدبر للآيات إما فى الجزء الذى يقرؤه أو غيره ويكون له كراسة يدون فيها ما وصل إليه من المعانى وما وقع فى  نفسه منها فإذا مر بآيه فيها ذكر الجنة سأل الله الجنة وإذا مر بآيه فيها ذكر النارتعوذ منها و يمرر الآيات على قلبه وليتذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم " شيبتنى هود وأخواتها " وليحفظ منه والأولى أن يتم حفظه حتى يستطيع أن يستشهد بالآيات مع مراعاة أحكام التلاوة ومخارج الحروف وعليه أن يقرأ فى كتب التفسير حتى لا يحمل الآيات أكثر مما تحتمل والقرآن يجعل الداعية يقف على أرض صلبة فى محاورته للمخالفين وذلك من خلال فهمه للقرآن أنه لم يترك حجة من حجج المعاندين إلا وتحدث فيها وضحضها

وفى النهاية عليه أن يحسن صحبة القرآن ويحاول أن يتادب بأدبه ويتخلق بأخلاق القرآن وليتذكر  أن إمام الدعاة وسيد المرسلين كان قرآنا يمشى على الأرض ليحقق القدوة العملية فى دعوته .

وفى الصحبة الصالحة زاد :

ما أوتى المرء بعد الإيمان  بالله خير من صحبة صالحة تعينه على أمر دينه ودنياه ولمعرفة أهمية الصحبة فى حياة الدعاة أنظر إلى سيرة النبى صلى الله عليه وسلم ففى رحلته إلى المدينة  كان حريص على الصحبة فقد استاذنه أبو بكر الصديق  أن يسافر للهجرة فأشار عليه أن انتظر الصحبة وأول ما وطأت قدماه  المدينة كان من أول الأعمال التى قام بها  أن  آخى بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار وعندما تلقى موسى من ربه الأمر بتبليغ الرسالة  كان أول طلب طلبه هو أن يكون له رفيق على طريق الدعوة إذ يقول تعالى " {(وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29 )هَارُونَ أَخِي 30)" اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (  31)" وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)} "  وكانت أعظم دعوة أن يدعو الأخ لأخيه أن يكون نبى وصاحب رسالة

إن الداعية أحوج الناس لأخوة فى الله صادقة تعينه على الطاعة والثبات على الطريق ويكون مرآته الصادقة فإذا أبصر به عيبا نصحه وستر عليه حتى يرجع عنه

إذا تأملنا فى الحديث   عن أبي هريرة  قالَ: قالَ رسُولُ اللَّه : « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: .....ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» "  نجد كلمة أجتمعا عليه وتفرقا عليه تدل على ضرورة رعاية هذا الحب والأخوة  فى الله حتى تستمر كما أن البداية لله فالنهاية لله أيضا إذ يقول تعالى " { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)} " الزخرف يجمعهم ربنا يوم القيامة يوم تتبرأ الأم من ابنها والابن من أبيه 

فليحرص الداعية على أن يكون له إخوة من أهل الجد والاجتهاد يعينونه على الطاعات من قيام الليل وتهجد وفعل الخيرات من تفريج كربات والسعى على قضاء حوائج الناس وليس مجرد مصاحبة المؤانسة وشغل الوقت   وهذا ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه " ما أعطي أحد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح فإذا أصاب أحدكم مودة امرئ مسلم فليتشبث بها فقلما يصيب ذلك "

ومن الأعمال المشتركة أيضا  التعاون الدعوي من توزيع كتب ونشر مطويات والمشاركة الداعمة فى القوافل الدعوية وليكن هناك جلسة أسبوعية لتجديد الإيمان  يكون شعارهم فيها "هيا بنا نؤمن ساعة "يتذكرون فيها الآخرة وكان عمر بن عبدالعزيز يجمع العلماء فيتذاكر معهم الموت ، وأحوال يوم القيامة والآخرة ، فيبكون حتى كان بين أيديهم جنازة  ولا يخلو الأمر من الاهتمام بأمر المسلمين فى شتى بقاع الأرض والدعوة لهم ومناقشة قضايا الأمة وعمل ما فى الوسع من أجلهم والتذكير بالعبادات والدعاء لبعضهم البعض بظهر الغيب فكل العلاقات كاسدة عند الله إلا الأخوة فى الله إذ يقول تعالى :" { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } فقدم الحق على الصبر لأن قد يسهل فى بعض الاحيان قول الحق لكن الحق يحتاج إلى  صبر والأخوة فى الله من اقوى المعينات على الصبر على الحق 

ولذكر الله أكبر :

إن الذكر هو حياة القلب الحقيقية والقلب الغافل عن ذكر الله قلب قاسياً لا يعرف معروفاً ولا يرحم ضعيفاً توعده الله بالويل والعذاب فى الآخرة  إذ يقول تعالى : {{فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}} .و الداعية أحوج الناس لعبادة الذكر حتى يطمئن قلبه وينشرح صدره ويشعر بمعية الله ويكون على يقين أنه فى معية الجبار الذى بيده الأرزاق فلا يخاف فى الحق  لومة لائم وذلك نراه واضحاً فى أمر الله عزوجل لموسى عليه السلام وأخيه هارون وهما فى مواجهة فرعون أن لايفتران عن ذكر الله إذ يقول تعالى :" { اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42 } " ففيه تثبيت القلب فى مواجهة الأعداء كما أن فى الذكر تحصين من الوساوس والشبهات التى يلقيها شياطين الإنس والجن  ففى بعض الأحيان يعترى الداعية ضعف وحديث نفس فعليه بكثرة الذكر حتى يطرد هذه الأفكار الشيطانية الخبيثة ليعينه على مواصلة الطريق إذ يقول تعالى {"وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) } "وليعلم أنه من أكثر الناس استهدافا من الشيطان لأنه لو أضله ضمن ضلال كثير من الناس كما أنه أداة من أدوات شكر النعمة عليه وما نعمة أعظم من نعمة الاصطفاء من الله للداعية أن يكون من جنده وحاملي رسالته يقول :" فاذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون "قال الحسن البصري في معناها: “قال: فاذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي”، وقال سعيد بن جبير: “فاذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ورحمتي”.يا له من فضل عظيم يتفضل به القوى على العبد الضعيف اذكرونى بالتذلل اذكركم بالتفضل اذكرونى بالندم والتوبة اذكركم بالقبول والعفو وذكر الله عندما حرم الله نوع من الذكر وهو أدعى لأن يستجلب خشية الله ومنه فإن فمفهوم الذكر يشمل كل مناحى الحياة إذا ذكر الله وقت العافية والنعمة فلا يطغى وتفتنه الدنيا وعندما يتذكره وقت الشدة يذهب عنه الضيق والهم وينعم بالسكينة والطمأنينة

كما أنه سبب فى نجاة يونس عليه السلام من الكرب العظيم من ظلمات بطن الحوت إذ يقول  تعالى " فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ" وما أكثر المحن التى يتعرض لها الداعية فى طريقه التى يحتاج إلى أن يلهج بذكر الله

المتعارف عليه أن الضعيف هو الذى يذكر القوى والفقير هو الذى يذكر الغنى فعندما يأمر الله عزوجل  المسلم أن يذكر ه على كل حال ويلهج فى الذكر ليس لأنه يحتاج إلى من يذكره  فهو الغنى عنا ونحن الفقراء إليه فعنده الملائكة تسبحه ليل نهار لا تسأم ولكن لما يعود بالنفع على المسلم  ما اتعسه هذا الانسان عندما ينسى ربه يحيا فى ضنك يظل يتخبط فى الظلمات وهو لا يدرى أنه بسبب نسيانه ربه إذ يقول تعالى {"وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)}

فاحرص أيها الداعية أن يكون لسانك رطباً بذكر الله تذكره على كل حال  عندالمآكل والملبس والنوم واليقظة  وذكر الله عند ورود النعمة وعلى كل حال تكون عليه وإرجاع الفضل لله فى كل وقت و لا تغفل عن أذكار الصباح والمساء وورد استغفار ولتعلم أن المنافقين كانوا يذكرون الله ولكن قليل فاحرص  أن تكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات و أن تستجمع لسانك وقلبك معا فلا يكون ذكراً باللسان فقط حتى يؤتى ثماره وتشعر بمعية الله .

ومن المعينات أيضا على الطريق "الدعاء " فالدعاء هو العبادة لأن العبادة أصلها الافتقار إلى الله وانكسار القلب لله والغفلة عن هذه العبادة تعد الإعراض عن الله  استكباراً عليه  وانكاراً لفضله إذ يقول تعالى "  { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [ غافر: 60] فعلى الداعية أن يكون له ورد دعاء يومى من الأدعية المأثورة أو مما فتح الله عليه ويتحرى أوقات الإجابة وقت السحر أو السفر أو عند نزول المطر ويوم عرفة وغيرها من الأوقات الفاضلة وأن يكون حاضر القلب ومتأدب مع الله وأ لا ينسى أن يدعو لإخوته فى الله بظهر الغيب وأن يدعو للمسلمين المستضعفين فى مشارق الأرض ومغاربها وأن يجعل من ورده دعاء للمدعويين بالهداية وأن يذوقوا حلاوة الإيمان والقرب من الله مثلما ذاقها هو وأن لا يتعجل هدايتهم ومهما حدث لا يدعو عليهم فقد يدعو عليهم فيستجاب لهم فيزدادون شرا وسوءا ويكونون سبب فى إيذاء من حولهم وليكن قدوتك فى ذلك النبى الكريم إذ يقول "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون فإن قلوبهم ليست بيدك إنما بيد خالقهم هو أعلم بهم

 

  • 3
  • 0
  • 1,671

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً