صلح الحديبية

منذ 2023-11-20

في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة معتمرًا ومعه ألف وأربعمائة، وقيل أكثر، من أصحابه من المهاجرين والأنصار يريدون أداء العمرة ولا يقصدون حربًا.

في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة معتمرًا ومعه ألف وأربعمائة، وقيل أكثر، من أصحابه من المهاجرين والأنصار يريدون أداء العمرة ولا يقصدون حربًا.

وساق النبي صلى الله عليه وسلم معه الهدي، وكان سبعين بدنة؛ وذلك ليعلم الناس أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم عندما بلغ عسفان بسر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله، هذه قريش علمت بمسيرك فاجتمعوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدًا، وقد قدموا خالد بن الوليد بفرسان يقودهم إلى كراع الغميم، فلما بلَّغه بسرٌ ما فعلت قريش، قال: «يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب! ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإسلام وافرين، والله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة».

كلام فيه شفقة وحنين إلى قومه وأهله وعشيرته، يرجو لهم الهداية ووفرة السلامة، ولكن عندما يتعارض فكرهم وجهدهم مع رسالة الله فلا خيار له في المجابهة وقمع من يصد عن سبيل الله، واستمر في مسيرته ولكن مع تغيير الطريق إلى مكة لكي يتجاوز جيش خالد فلا يصطدم معه، وسلك ثنية مرار، ثم هبط الحديبية، وهناك بركت ناقته، فقال الناس:

خلأت - امتنعت عن السير - القصواء، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل، لا تَدْعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها»، ثم قال للناس: «انزلوا»، فقالوا: ما بالوادي من ماء، فأخذ سهمًا من كنانته فأعطاه أحد أصحابه "ناجية بن عمير" فنزل في قليب من تلك القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالري، حتى ضرب الناس عنه بعطن - فاض - ثم أتاهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي على مياه الحديبية - يقصد الآبار ذات المياه - وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نأتِ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن شاءت قريش ماددناهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي» - صفحة العنق، وتستعمل مرادفة لكلمة أقتل؟

فعاد بديل بن ورقاء إلى قريش فأعلمهم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: هذا الرجل عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فأتاه، فقال: يا محمد، جمعت أوشاب الناس - أخلاطهم - ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش خرجت معها العوذ المطافيل - النوق بأطفالها - قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أنك لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد تكشفوا عنك غدًا، ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه - على عادة الكبار في ذلك الوقت - والمغيرة بن شعبة في الحديد يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرع يد عروة وهو يقول له: اكفف يدك قبل ألا تصل إليك، فقال عروة: من هذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا ابنُ أخيك المغيرةُ»، فقال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟

وكان المغيرة قد قتل ثلاثة عشر رجلًا من بني مالك وهرب، فتهايج الحيان، فقام عروة ودفع دية المقتولين، وطال الكلام مع عروة، ولكنه لاحظ أن أصحاب النبي يحبونه حبًّا جمًّا لم يشهد مثله من قبل، فكان إذا توضأ تهافت الصحابة على ماء وضوئه، كل يأخذ بكفه فيمسح بها جسمه، حتى النخامة لا تقع إلا في يد أحدهم ليتبرك بها، يأمرهم فيطيعون، وما يُحِدُّ أحدهم النظر إليه تعظيمًا.

فرجع عروة إلى قريش وقال: أي قوم، قد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، فوالله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا، وقص عليهم ما رأى، ثم قام رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة، وهو سيد الأحابيش، فقال: دعوني آتيه، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا مِن قوم يعظمون البُدن، فابعثوا الهدي في وجهه».

فلما رأى الهدي رجع إلى قريش ولم يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لقريش: يا قوم، قد رأيت ما لا يحل صده، الهدي في قلائده، فقالوا: اجلس؛ إنما أنت أعرابي لا علم لك، فقال: والله ما على هذا حالفناكم؛ أن تصدوا عن البيت من جاء معظمًا له، والذي نفسي بيده، لتخلن بين محمد وبين البيت أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا: مه! كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا، ثم أتى بعده مكرز بن عمرو ليكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا رجل فاجر»، ثم أتى بعده سهيلُ بن عمرو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سهل أمركم».

وكان مجيئه بعد أن أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ليخبرهم سبب قدومه، وأنه يريد أداء العمرة والعودة، وكان اختيار عثمان لمنعة قومه، فلا يجرؤون على إيذائه، وقد أجاره أبان بن سعيد بن العاص وبلغهم الرسالة، فقالوا: إن شئت فطف بالبيت، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به النبي صلى الله عليه وسلم، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنه قتل، فقال: «لا نبرح المكان حتى نناجز القوم»، فدعا إلى البيعة، فبايعوه تحت شجرة سمرة ولم يتخلف عنه أحد سوى الجد بن قيس، وقد ذكر اسمه مع المنافقين، وقد سميت هذه البيعة ببيعة الرضوان؛ لأن الله تعالى رضي عنهم جميعًا.

وجاء سهيل بن عمرو وحدثت مباحثات بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وطالت، وكان مفوضًا من قريش بتوقيع عهد أو صلح بشروط حددتها له قريش، وبعد الاتفاق على شروط الصلح دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا ليكتب الصلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: لا نعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو»، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ولكن اكتب: اسمك واسم أبيك، وكان علي قد كتبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «امحُ رسول الله»، فقال علي: لا أمحوك أبدًا، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ضع يدي عليها»، فوضعها، فمسحها بريقه، وقال: «اكتب محمد بن عبدالله»، وذكر أنه قال لعلي: «لتبلين بمثلها»، وكان ذلك في التحكيم.

ثم اصطلحا على إيقاف الحرب عشر سنين، وأن يعودوا أدراجهم ويعتمروا في العام القادم ليس معهم سوى سلاح الراكب والسيف في القرب، ولا يزيدوا على ثلاثة أيام، أن من جاء من قريش مسلمًا يرد إلى قريش، ومن جاء من المسلمين إلى قريش - مرتدًّا - لا يرد إليهم، ومن أحب أن يدخل في حلف مع قريش فله ذلك، ومن أراد أن يدخل في حلف مع المسلمين فله ذلك، فدخلت قبيلة بكر في حلف قريش، ودخلت قبيلة خزاعة في حلف مع المسلمين، وشهد على الصلح جماعة من المسلمين، منهم: أبو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف وغيرهم، كما شهد جماعة من المشركين، وورد خبر الحديبية عند البخاري وأحمد والترمذي.

______________________________________________________
الكاتب: د. محمد منير الجنباز

  • 0
  • 0
  • 633

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً