منهج خالد لا أشخاص عابرون

منذ 2024-04-29

أورد أبو داوود في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها »

 

محمد سلامة الغنيمي

     إن قضية التكليف بعمارة وإصلاحها التي أبت عن حملها الشم الراسيات وحملها الإنسان، هي قضية القضايا ومبدأها ومنتهاها؛ لأنها متشعبة الجوانب، ومتعددة الاتجاهات، ومتنوعة الميادين، ويعبر هذا الشمول والتنوع عن تعدد جوانب الحياة وتنوع الأحياء على الأرض، واختلاف الجمادات والظواهر على الأرض، بل وتعدد ما بداخل الإنسان نفسه: جسد وروح ونفس -في بعض الآراء- وتعقد هذا التركيب وتفرده وتداخله في نفس الوقت، بحيث قال سبحانه:( { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} )، ولكل جزء مطالبه، بحيث لا يستطيع إنسان مهما بلغ من عبقرية ذهنية واستقامة فطرية أن يحقق هذه المهمة بدون منهج شامل متكامل متوازن يقوده في أداء مهمته؛ لأن الإنسان مهما بلغ من حكمة وارتقى من علم فهو في نهاية الأمر محاط بالشهوات التي تأجج عاطفته والتي بدورها تؤثر على العقل، وفوق كل ذلك يتربص به شيطان لعين.

    وقد اقتضت منحة الإشفاق الربانية التي أشفق الله بها على الإنسان المكلف بأن زوده بالمنهج الذي يعينه على أداء مهمته في الأرض، قال تعالى: "قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى". والهدى هنا هو المنهج السماوى، الذي يشمل تحقيق العمران والإصلاح لجميع المخلوقات على الأرض، ويحقق التكامل بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، كما يوازن بين مطالب النفس والجسد.

    وقد أكدت الآية السابقة على أن المنهج هو السبيل لنجاح الإنسان في مهمته، وأن تنكب الإنسان عن المنهج يسبب له الضنك في الدنيا والخسران في الآخرة، وكلما اتسعت دائرة انحراف الإنسان عن المنهج، كلما ابتعد عن الغاية، وانحرفت به السبل.

     وقد اهتدى آدم بهذا المنهج منذ وطأ بقدميه الأرض، واتبعه بنوه من بعده، ولكن بفعل الشيطان المتربص والنفس الأمارة ما زال بنوه يبتعدون عن المنهج رويدا رويدا، ومازال مع هذا البعد يحصل منهم الفساد في الأرض شيئا فشيئا، ومازال الله سبحانه وتعالى يتعهدهم بالأنبياء والرسل الذين يأخذون بأيديهم إلى المنهج، وهكذا استمرت دورة الحياة على الأرض، وهكذا يقتصر دور الأنبياء والرسل إلى تعهد أقوامهم بالمنهج.

    ومن الجدير بالذكر أن أصول المنهج الذي جاءت به الأنبياء والرسل واحدة، وأن التنوع في الفروع التي تتأثر بعاملي الزمان والمكان، ويكمل بعضها بعضاً، كما ورد في حديث البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون : لولا موضع اللبنة ". والأنبياء رغم عصمتهم إلا أنهم ناقلي رسالة، ودعاة إلى الله بمقتضي المنهج الذي حملهم إياه، قال تعالى :" وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى".

    وقد حذر الله سبحانه وتعالى من ربط المنهج بالأشخاص، ولو كانوا أنبيائه ورسله، ولو كان هذا الشخص هو خاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)} القضية قضية منهج وليست قضية أشخاص، وقد حرص الإسلام منذ اللحظة الأولى على ترسيخ مبدأ عدم ربطه بالأشخاص أو الأماكن. ففي القرآن الكريم، نجد الله تعالى يأمر آدم وحواء بالنزول من الجنة بعد أن عصيا أمره، دون أن يربط ذلك بشخص معين أو مكان محدد، يقول تعالى: {"قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"} (البقرة: 38).

     فالقضية هنا قضية منهج إلهي ينقذ الإنسان من الضلال ويقوده إلى طريق النجاة، أما دور الرسل فقد جاء لتقرير المنهج وتربية أقوامهم عليه، قال تعالى: " {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"} .

     ومع طول الأمد وتعاقب الأجيال تبتعد الأمم شيئا فشيئا عن المنهج، فتقسوا قلوبهم، وتعيش فترات ضعف في مختلف مجالات الحياة، وهذا الضعف وصفه القرآن بالضنك، يدفعهم ضيق الحياة وتقلباتها إلى البحث مخرج، يأخذ بأيديهم إلى الطريق فلا تجدون ضالتهم؛ لأن الفسق قد استحكم منهم، فيولي الله عليهم منهم بمقتضى قوله تعالى: {"وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"} وفي سياق البحث عن مخرج لأزماتهم يدفعهم طغاتهم -نتيجة فسقهم - إلى مناهج تلبي طغيانهم بشتى مظاهر الطغيان، وإن نجح بعضها فلفترة محدودة ثم ما يلبث أن يزول تاركاً أثراً سلبياً على جميع جوانب العمران الكوني.

    وما مرت به جميع الأمم، مرت به أمة الإسلام نفسها التي جعلها الله شاهدة على الأمم، بيد أن أمة الإسلام قضى الله أنها لن تتنكب عن المنهج بالكلية، لكنها تنحرف عنه في بعض الجوانب والميادين، وبقدر هذا الانحراف يقع للأمة من الضعف والهوان بقدره.

     وقد أثبتت خبرات الأمم وتجارب الشعوب عبر التاريخ أن الأمم التي تعتمد في نهضتها على المنهج هي التي تتقدم، بينما تموت صحوات الأمم التي تعتمد على الأشخاص بموت هؤلاء الأشخاص، كما حدث الدويلات الإسلامية التي قامت على أثر ضعف الخلافة العباسية، فكلما ظهر قائد شجاع قامت مع دويلة وما تلبث أن يتخللها الضعف أو الفناء بموته.

     من خلال هذه الأمثلة، نرى بوضوح أن المنهج هو الأساس في بناء الحضارات ونهضة الأمم، فالإسلام منهج خالد لا أشخاص عابرون، وهذا المنهج قادر على إصلاح جميع جوانب الحياة، من الفردية إلى الاجتماعية إلى السياسية والاقتصادية..

    وما أحوج الإنسانية المعذبة بالمادة والمقهورة بنزواتها إلى المنهج الإسلامي الذي ينتشلها من هذا العذاب، ويحقق لها غايتها، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى العلماء - ورثة الأنبياء - الذين يأخذون بخطام هذه الأمة إلى المنهج، ويخلصونها من المناهج الفاسدة، وذلك في إطار من التعاون على البر والتقوى، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون هؤلاء العلماء المجددون امتداد لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أورد أبو داوود في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها » ".

معًا، نستطيع بناء حضارة إسلامية قوية تخدم الإنسانية جمعاء.

محمد سلامة الغنيمي

باحث بالأزهر الشريف

  • 1
  • 0
  • 208

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً