في رمضان تربية الأبناء ليكونوا من المتقين!

منذ 7 ساعات

رمضان كما أنه فرصة ليقوم الإنسان نفسه ويزكيها ويخرجها من طغيانها، فهو كذلك فرصة عظيمة لتوجيه الأبناء وغرس معاني الإيمان والتقوى في نفوسهم، وتخلصيهم من كثير من الآفات والعادات السيئة

 

سحر شعير

إنّ من أعظم عطاءات الله تعالى لعباده ما أعانهم به من الشرائع ليكونوا صالحين، ومنه مواسم الطاعات التي تحفل بصنوف العبادات وغنائم الأجر من الكريم الوهّاب.

وشهر رمضان من أعظم تلك المواسم التي تتكرر كل عام، كالحبيب الغائب يتلقاه المؤمنون بالشوق والفرح بقدومه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه  «"قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم"» (رواه أحمد:7148 ).

ومواسم الطاعات غنائم للمربين، ففيها تتحول الأُسَر إلى محاضن تربوية يتدرب فيها الأبناء على العبادات ويعيشون الفضائل عمليًّا ويأخذون مباشرةً عن الوالدين والكبار الذين ينتظمون جميعًا في شعائر تلك المواسم.

وفي رمضان؛ لتتجه همتنا إلى تحقيق معاني "التقوى" في نفوس الأبناء؛ فإنها غاية الصيام التي شرعه الله من أجلها، قال تعالى:  {﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾} .

كيف يؤدي بنا الصيام إلى التقوى؟

جوهر الصيام وغايته هو تربية العباد على خشية الله تعالى بالغيب، الصوم عبادة خفية لا يعلم حقيقتها ومصداقية العبد في أدائها إلا الله تعالى، ولا يطَّلع فيها البشر على تلك الحقيقة،

والصائم يترك ما تهوى نفسه من المباح، مع قدرته عليه، تعظيمًا لأمر الله تعالى بالامتناع عنه في هذا الوقت المعلوم، ولعلمه يقينًا أنّ الله يراه ومطّلعٌ عليه، وبذلك يصل إلى درجة الإحسان «"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"» (أخرجه مسلم:8).

وممارسة الأبناء لعبادة الصيام تؤدي إلى غرسِ أخلاق المتقين تلقائياً ومبكرًا في نفوسهم، من الإخلاص والمراقبة والحياء من الله عزّ وجلّ، فتتوجه نفوسهم نحو الاستقامة على أمر الله وكراهية الانحراف من أنفسهم أو غيرهم.

ومن التقوى: أن يكونوا معظّمين للشهر الفضيل

 زمان الصيام من الشعائر الزمانية التي يعظّمها المتقون، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، ومعنى تعظيمها، إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله.

وهذه الدرجة من التعظيم يصل إليها الأبناء من خلال الاعتقاد الراسخ بمراقبة الله تعالى لهم، وإثابتهم على صيامهم الذي لا يطلع عليه إلا هو سبحانه، وهذا الذي يجعله سرٌ بين العبد وربّه، مع تلقينهم النصوص التي تؤكد هذا المعنى الجليل في نفوسهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"  «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي..» " الحديث   [أخرجه البخاري:1894] -

الأصل في معنى كلمة "التقوى" أنها من الوقاية، وهي ما يحمي به الإنسان نفسه.

وفي الاصطلاح: أن يجعل المسلم بينه وبين ما حرّم الله حاجزًا وحاجبًا
وعوامل الهدم الإعلامية من حولنا لا تريد لهذا المعنى أن يسلَم لنا ولأبنائنا، وهذا هو التحدي الكبير الذي يواجهه المربي في أطول موسم للعبادة كل عام، فهناك فرقٌ كبير بين ما أراده الله تعالى لنا من فريضة الصيام وبين ما تقدمه آلة الإعلام وتكرّس له أموالها وبرامجها المخططة بعناية لإفساد الشهر المعظّم في الإسلام، فتروّج لما يفسد ويشوّه مفهوم "التقوى"، مثل التركيز على الإكثار من العبادات في رمضان كالإكثار من ختمات القرآن، وإعداد وجبات الإفطار وتوزيعها على المساكين، والعمرة بعد العمرة...وغير ذلك، دون التعرض للمعنى الأصيل للتقوى وهو الكفّ والامتناع عن المحرمات هيبةً وإجلالًا لله تعالى، فهذه الصورة المبتورة لممارسة التعبد في رمضان ليست من التقوى في شيء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على المفهوم الصحيح للتقوى أثناء الصيام مبيّنًا كيف يهدم مرتكب الحرام صيامه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"
« مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ» " [(رواه البخاري:1903)] .

وهكذا فهم السلف معنى التقوى، عن عطية بن عروة السعديّ قال: " «لا يبلغُ العبدُ أن يَكونَ منَ المتَّقينَ حتَّى يدعَ ما لا بأسَ بِهِ حذرًا ممَّا بِهِ بأسٌ» " (أخرجه الطبراني:446).

ما يفعله المربي أعلى صوتًا مما يقوله!

يستطيع المربي بتقديم القدوة الصالحة من نفسه أن يدرّب أبنائه على ممارسة التقوى قوْلًا وعملًا في رمضان، مستعينًا بالله تعالى، ومعالجًا لهذا الخلل الحاصل في مفهوم التقوى (الإقبال على العبادات في رمضان مع مصاحبة المنكرات)، ومبيّنًا مثل من يفعل ذلك كمثل رجلٌ يبني بإحدى يديه، ويهدم ما بناه باليد الأخرى، فكثرةَ العباداتِ والطَّاعاتِ لا تُغني عن صاحبِها إذا ما تداخَلَ معها اجتراح السيئات.

وليقدم لأبنائه نموذجًا يربط عبادة الصوم في أذهانهم بالامتناع عن المعصية بنفس القوة والحزم التي يمتنعون بها عن الطعام والشراب، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء).

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التخليط الذي يأكل أجر الطاعات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّمَ يا رَسولَ اللهِ ! إنَّ فلانةَ تقومُ اللَّيلَ و تَصومُ النَّهارَ و تفعلُ، و تصدَّقُ، و تُؤذي جيرانَها بلِسانِها ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ و سلم:" لا خَيرَ فيها، هيَ من أهلِ النَّارِ . قالوا : و فُلانةُ تصلِّي المكتوبةَ، و تصدَّقُ بأثوارٍ، و لا تُؤذي أحدًا ؟ فقال رسولُ اللهِ: "هيَ من أهلِ الجنَّةِ» " ( رواه البخاري في الأدب المفرد:119 ).

وأثناء ذلك لابد أن يحيط المربي أبناءه بالبدائل الصحيحة للمنكرات الشائعة، وهذا مما يجعل وصف "المحضن التربوي" ينطبق على الأسرة، فتكون أوقاتهم جميعًا مشغولة بالعبادات والفضائل ذات الأثر الكبير، مثل اصطحابهم إلى المسجد في الصلوات المفروضة وحلقات القرآن وصلاة القيام، والمحافظة على حلقة التلاوة الخاصة بالأسرة، وكذلك جعلهم يشاركون في كل ما تقوم به الأسرة من أعمال البرّ والصدقات في الشهر الفضيل.

إنّ تربية الأبناء على فهم معنى "التقوى" وتطبيقه عمليًّا ومعايشته داخل الأسرة، هي عملية بناءٌ للضمير الذاتي لديهم، والذي يعبّر عنه القرآن الكريم بـ "الفرقان" قال تعالى: {﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾} وهو النور يميزون به بين الحق الذي يرضي الله تعالى؛ فيأتوه، وبين الباطل الذي يغضب الله تعالى؛ فيجتنبوه، ومن ثمَّ تسير اختياراتهم في الاتجاه الصحيح، مهما تكاثرت الفتن والمغريات على جانبيْ الطريق.

فلنجعل من شهر رمضان الكريم محضنًا تربويًا لأبنائنا، نحقق فيه قول الله تعالى: {﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾} .

 

  • 0
  • 0
  • 47

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً