تعريف مختصر بالإمام البخاري
محمد بن إسماعيل البخاري، جبل الحفظ، وإمام الدنيا في الحديث، ولد سنة 194 للهجرة في بُخارى التي هي الآن من دولة أوزبكستان
بقلم/ محمد بن جميل المطري
محمد بن إسماعيل البخاري، جبل الحفظ، وإمام الدنيا في الحديث، ولد سنة 194 للهجرة في بُخارى التي هي الآن من دولة أوزبكستان، وحفظ القرآن الكريم وهو غلام، وحبَّب الله إليه حفظ الحديث وعمره عشرة أعوام، وبدأ الرحلة في طلب العلم وعمره خمسة عشر عامًا، واجتهد في طلب العلم فكان يلتهم العلم التهامًا حتى أنه لما بلغ ستة عشر عامًا كان قد حفظ جميع كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وفيها عشرات الآلاف من الأحاديث والآثار، وعرف كلام أصحاب أبي حنيفة في الفقه، وصنَّف وعمره ثمانية عشر عامًا كتابًا في قضايا الصحابة والتابعين وأقوالهم، وبدأ في شبابه بتصنيف كتاب التاريخ الكبير الذي ذكر فيه أسماء آلاف الرواة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، مع ذكر شيء من أنسابهم، وبعض من روى عنهم ورووا عنه، وربما ذكر تاريخ وفياتهم.
قال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث! يعني البخاري وهو صغير، قال: فخرجت في طلبه حتى لحقته فسألته عن صحة حفظه سبعين ألف حديث، فقال: نعم، وأكثر، ولا أجيئك بحديث من الصحابة والتابعين إلا عرَّفتك تاريخ مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم!
رحل البخاري لسماع الحديث إلى أكثر مُحَدِّثي الأمصار في خراسان ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، ولقي كبار علماء عصره، وبلغ عدد شيوخه في الحديث ألفًا وثمانين شيخًا، وكان البخاري إذا كتب عن شيخ سأله عن اسمه وكنيته ونِسبته وحملِه الحديث، وربما سأله أن يُخرج إليه أصله ونسخته ليتأكد من صحة ما يرويه عن مشايخه، واشتهر البخاري في حياة شيوخه بالحفظ والإتقان والتحري، حتى أن بعض شيوخه روى عنه، وطلب منه بعض شيوخه أن يفيده بما في كتابه من سقط أو غلط، وكان كثيرٌ من شيوخه يُفضِّلونه على أنفسهم، وكان بعضهم يسألونه عن عِلَل الحديث، ويهابونه لسعة علمه وإتقانه ومعرفته بغالب أحاديثهم من طرق أخرى، قال البخاري: ما قدِمتُ على أحدٍ إلا كان انتفاعُه بي أكثرَ مِنِ انتفاعي به.
قال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديثٍ صحيحٍ، ومائتي ألف حديثٍ غيرِ صحيحٍ.
ومن عجيب حفظ البخاري لأسماء الرواة ما نقله محمد بن أبي حاتم الوراق قال: سمعت البخاري يقول: تفكَّرت أصحاب أنس بن مالك فحضرني في ساعة ثلاث مائة. أي: أنه استحضر التابعين الذين رووا عن أنس بن مالك فعد منهم من حفظه ثلاثمائة راو في ساعة!
قال أبو بكر الكلذواني: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل البخاري، كان يأخذ الكتاب فيطَّلع عليه اطَّلاعة، فيحفظ عامة أطراف الحديث من مرة واحدة!
وقال شيخاه أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نُمير: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل.
وقال شيخه عبد الله بن محمد المسنَدي: محمد بن إسماعيل إمام.
وقال شيخه أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري.
وقال شيخه علي بن حُجر: أخرجت خراسان ثلاثة: محمد بن إسماعيل ببخارى، وأبا زُرعة الرازي بالرَّي، والدارمي بسمرقند، والبخاري عندي أعلمهم وأبصرهم وأفقههم.
وقال الدارمي: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق فما رأيت فيهم أجمع من البخاري.
وقال الترمذي: لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل البخاري.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل البخاري أعلم من دخل العراق.
وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري.
وقال حاتم بن منصور: محمد بن إسماعيل البخاري آية من آيات الله.
وقال الحسين بن حُريث: لا أعلم أني رأيت مثل البخاري، كأنه لم يُخلَق إلا للحديث.
وقال أبو عبد الله الحاكم: البخاري إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل.
ولم يكن البخاري محدثًا فقط، بل كان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بتفسيره، فقيهًا مجتهدًا، ومن يطَّلع على أبواب صحيحه يعلم قدر فقهه، ودقة استنباطه.
قال شيخاه يعقوب الدورقي ونُعَيم بن حماد الخُزاعي: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
وكان البخاري دقيق الورع، لا يشتغل بأمور الناس، كل شغله في العلم والعبادة، وكان يتجنب الدخول على السلاطين والأمراء، وكان قليل الأكل، نحيفًا، ليس بالطويل ولا بالقصير، وكانت له قطعة أرض يكريها كل سنة بسبع مائة درهم، وكان له ولدٌ تاجرٌ، وكان البخاري صابرًا زاهدًا، شاكرًا كريمًا، كثير الصدقات والهِبات.
قال سليم بن مجاهد: ما رأيت بعيني أفقه ولا أورع ولا أزهد في الدنيا من محمد بن إسماعيل البخاري.
وقال محمد بن أبي حاتم الورَّاق: كان البخاري يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة.
وكان البخاري يختم في شهر رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التروايح كل ثلاث ليال بختمة!
قال الذهبي: كان البخاري إمامًا حافظًا، حجة، رأسًا في الفقه والحديث، مجتهدًا، من أفراد العلم مع الدِّين والورع.
قال البخاري: المادح والذام عندي سواء.
وقال البخاري: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا
وكان البخاري حريصًا على نشر الحديث النبوي، أملى يومًا حديثًا كثيرًا على أحد طلابه، فخاف أن يمَل، فقال له: طِب نفسًا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ورحل طلاب العلم إلى البخاري لسماع الحديث منه، وبلغ عدد طلابه عشرات الآلاف، قال تلميذه الحافظ صالح بن محمد البغدادي: كان البخاري أعلمهم بالحديث، وكنت أستملي له ببغداد، فبلغ مَن حضر المجلس عشرين ألفًا، وقال تلميذه الفَرَبْري: سمع كتاب صحيح البخاري تسعون ألف رجل.
ومن أشهر طلاب البخاري من الأئمة الحفاظ: مسلم بن الحجاج النيسابوري، والترمذي، وصالح بن محمد البغدادي، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بِشر الدولابي، وأبو زُرعة الرازي، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة.
وكان البخاري مجاهدًا، ماهرًا بالرمي، وأقام في بعض الثغور مرابطًا في سبيل الله، وأقام في البصرة خمس سنوات معه دفاتره التي كتب فيها الحديث عن مشايخه يصنِّف منها كتبه، ويحج في كل سنة من البَصرة، ثم قدِم نيسابور، فاستقبله آلاف الناس، فأقام فيها ينشر العلم، ثم خرج إلى بلده بُخارى، وسمع الناس منه كتبه.
وللبخاري مؤلفات كثيرة أشهرها كتابه الصحيح، ومن مؤلفاته أيضًا: التاريخ الكبير (8) مجلدات، والتاريخ الأوسط (4) مجلدات، والتاريخ الصغير، والضعفاء الصغير، والأدب المفرد، وخلق أفعال العباد، ورفع اليدين في الصلاة.
واسم صحيح البخاري: (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه) اعتنى الإمام البخاري رحمه الله في تأليفه للجامع الصحيح عناية بالغة، قال البخاري: صنفت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله.
وعدد أحاديث صحيح البخاري (2600) حديث بلا تكرار، وعدد أحاديثه مع التكرار (7563).
وقد رتب البخاري صحيحه ترتيبًا مفيدًا في كتب متنوعة، وعدد الكتب التي عقدها البخاري في صحيحه (97) كتابًا، بدأها بكتاب بدأ الوحي، فكتاب الإيمان، فكتاب العلم، ثم كتب العبادات من الوضوء والغسل ... ثم كتاب تفسير القرآن، وكتاب فضائل القرآن، وكتاب الأدب، وكتاب الدعوات، وكتاب الرقاق، وكتاب أحاديث الأنبياء، وكتاب المناقب، وكتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وضمنه: باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه، وباب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما، وباب مناقب فاطمة عليها السلام، وعقد كتاب المغازي لذكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته، ثم كتاب الفتن، وكتاب الأحكام، وكتاب التمني، وكتاب أخبار الآحاد، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وختم كتابه بكتاب التوحيد.
وقد وضع الله القبول لكتاب صحيح البخاري بما لا نظير له في الكتب المصنَّفة، فتلقاه العلماء في مختلف البلدان وعلى مر الأعصار بالرواية والسماع، والنَّسخ والشرح، والحفظ والدرس، بما لا ترى مثله لأي كتاب آخر بعد كتاب الله.
قال الإمام النسائي: أجود هذه الكتب كتاب البخاري.
وقال الحافظ ابن كثير: أجمع العلماء على قبول صحيح البخاري وصحة ما فيه.
وقد أحسن من قال:
صحيحُ البخـــــــاري لو أنصفــــوه ... لما خُــــطَّ إلا بماءِ الذهـــــب
هو الفرقُ بين الهدى والعمى ... هو السَّدُّ بين الفَتى والعَطَب
توفي البخاري رحمه الله ليلة عيد الفطر في قرية خَرْتَنْك قرب سَمَرقند سنة 256 هجريةَ وعمره 62 عامًا.
- التصنيف: