عميد الأسرة: حين يكون للكبير معنى!
إن عميد الأسرة هو حلقة الوصل بين الأجيال، وذاكرة التاريخ، وميزان الحكمة عند الاختلاف. هو النموذج الذي يتعلم منه الأبناء والأحفاد كيف تُدار الخلافات، وكيف تُقدَّم المصلحة العامة على المصالح الفردية.."
عمادة الأسر في أصل وجودها، ومدى فعاليتها، إحدى سمات العراقة في البيوت والمجتمعات؛ لأنها أحد عوامل حفظ التماسك والاستمرار، وتمنح لصاحبها سلطة معنوية، ورمزية معتبرة، ليشارك في الضبط الاجتماعي. نشأ هذا المفهوم في سياق اجتماعي يتطلّبه، وفي بيئة توقر الصلة، والأسرة، والكبير؛ فليست الأسر بأقل شأنًا من الحِرف التي يتخذ أربابها لهم شيخًا وكبيرًا يفصل بينهم، ويأرزون إلى مشورته وثاقب نظره، وقد سرى في الحكم المروية أن المرء الناضج يبادر لتنصيب كبير له، وإن لم يعثر على أحد فمقتضى الرشاد أن يصطنع كبيرًا، فالصغار هم من يعيشون في صغار دون كبير.
ولأن الأسرة وعاء للمبادئ والثوابت، كان لا بد من شخصية تتقدم هذا الكيان، حكمة لا تسلطًا، احتواء لا قهرًا، حنانًا لا قسوة ولا شدة فيها، فعلاقته بأسرته تنطلق من عقد اجتماعي بمعايير واضحة للمسؤولية والمساءلة. إن عميد الأسرة هو الوتد الصلب الذي يرفع عماد الخيمة، ويقيها من اجتثاث جذورها أو اقتلاع جذوعها بسبب رياح التغيير. هو المبتدأ المرفوع والرافع، الذي يُعطي للخبر العائلي قيمته ومعناه. عميد الأسرة اسم كبير في شجرتها، يمد الأغصان بالحياة، ويستظل به من الهجير وعواصف الحياة. هو سقف به يحتمى، هو مجمع خبرات السنين والأجيال المتعاقبة.
إن اختيار عميد للأسرة -كما درجت عليه كثير من الأسر- هو استجابة واعية لضرورات وحاجات واقعية مثل: توحيد الموقف، جمع الكلمة، تمثيل الأسرة أمام المجتمع الرسمي والشعبي، صدور ما يخصها باسمه، احتواء النزاعات قبل أن تستفحل وتتحول إلى قطيعة أو خصومة دائمة. إن العميد، في جوهر الفكرة وحقيقة التطبيق، ليس حاكمًا وإنما مرجع، تنبع سلطته من قدرته على التأثير، والالتزام الطوعي له، وهو -بصلاحياته- من سبل التقاضي الاختياري الداخلي المؤدية للصلح ونزع فتيل الشحناء، الزاجرة عن التمادي، الحريصة على لملمة الوقائع في أطر قبل انتشارها واستفحالها وتداخل أطراف غريبة فيها، مما يصعب السيطرة عليها.
هذه الغايات الجميلة تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتستدعي مواصفات دقيقة فيمن يتولاها، من نضج عمري، وكفاية معرفية، وقدرة صحية وزمنية، ومهارات حضور رسمي ومجتمعي؛ لذلك فمن الحنكة ألّا تختزل العمادة في فرد، مهما علت مكانته؛ فالعمادة الرشيدة مؤسسة قبل أن تكون صفة مرتبطة باسم، فمن التوفيق أن يكون لها نظام داخلي يحدد الغايات، ويرسم الصلاحيات، ويضبط طرق صناعة القرار، ويحدد كيفية المتابعة والتصحيح. إن العمل المؤسسي المحكم لغة من لغات العصر، وسبب يقود إلى طول البقاء ويمنع من الشطط.
كما أن تنظيم مدة العمادة، سواء أكانت مدى الحياة، أم محددة بزمن قابل للتكرار، يعكس وعيًا بأهمية تداول المسؤولية، وضمان الاستمرارية، ومنع الفراغ القيادي. والحديث عن تحديد المدة يذهب بنا نحو مسائل مثل: نواب العميد، وعمداء الفروع، ومجلس العمداء، ونظام الاجتماعات والتصويت والحوار، وعلاقة العميد ومؤسسة عمادة الأسرة بمجالس الأسرة الأخرى ولجانها العاملة ومؤسساتها، وهي أفكار تستهدف التوزيع التكاملي، والتهيئة للتعاقب، ومنع المركزية المفرطة، وتنفيذ أسس الحوكمة المعقولة، وضبط التقاطعات، وإعطاء كل ذي حق حقه خاصة في الأسر الكبيرة أو المتفرعة أو المتباعدة مكانيًا.
إن عميد الأسرة هو حلقة الوصل بين الأجيال، وذاكرة التاريخ، وميزان الحكمة عند الاختلاف. هو النموذج الذي يتعلم منه الأبناء والأحفاد كيف تُدار الخلافات، وكيف تُقدَّم المصلحة العامة على المصالح الفردية، وكيف يُصان الود حتى مع وجود التباين، وتعدد وجهات النظر المشرقة والمغربة. ولهذا وُصف العميد -بحق- بأنه صمام أمان، ومستودع أسرار، ومرجع عند الشدائد. وجوده لا يسد أبواب الاختلاف والخصام، لكنه يمنع تحوّلها إلى قطيعة أو عداء، وحضوره لا يلغي الفردية، بل يضبطها بسياق جمعي يحفظ التوازن.
غير أن التحولات الاجتماعية المتسارعة، مثل تفكك الأسرة الممتدة إلى أسر نووية، وعوائل صغيرة، وبيوت مقصورة على من فيها، إضافة إلى تعاظم سلطة الذرية والنساء، آل بنا إلى هيمنة النموذج الأصغر، واستقلالية النشء، وصعود المرجعيات الخارجية “مؤسسات، مستشارين، شبكات تواصل”، فأسهمت في تهميش فكرة العميد، مما أوجب إعادة بعث الفكرة، وتكييفها مع المستجدات بما يوائم العصر وروحه، ويجعلها غير مقيدة ولا منقادة ولا تقييد فيها، ويعينها على الابتكار لصالح الأسرة والمجتمع، وسرعة امتصاص الإشكالات الصامتة قبل أن تنفجر في وجوه الكافة.
إن العمادة التي تصمد اليوم ليست تلك القائمة على الأمر والنهي، إنما القائمة على القبول، والحياد، والقدرة على التفاوض والإقناع. هي عمادة تدرك حدودها، وتراعي استقلال الأفراد، لكنها تظهر عند الأزمات، وتُستدعى عند الملمات. والعميد هو العمود الفقري الذي يحمي الجسد الأسري من الانحناء؛ فنحن بحاجة إلى “كبير” يجمع القلوب قبل الأبدان، ويصف الأصالة في زمن فشو التفاهة والمظاهر، ويمنحنا شعوراً بأننا -مهما تباعدت بنا الأحوال- لا نزال ننتمي إلى أصل واحد لا ينسى، هو ذلكم الأب الكبير الجامع لنا، وإليه الانتساب والاستناد.
فالأسرة التي تعيش بلا مرجع ذي تقدير ومكانة، غالبًا ما تتآكل من الداخل، وتتقاذفها الأهواء، وتُحل نزاعاتها في المحاكم بدلًا من المجالس، وتفقد تدريجيًا ذاكرتها المشتركة، وتأثيرها الحسن، وربما تذوب في متاهات الدنيا وصوارف الأحداث. أما الأسرة التي تفلح في اختيار عميدها، وتحدد مهامه، وتدعمه بالثقة لا بالخوف، فهي أقرب إلى الثبات والبقاء، وأقدر على مواجهة التحولات دون أن تفقد روحها، وأجدر بأن يكون لها كلمة مسموعة، ورأي مطاع.
إن عميد الأسرة مسؤول عن رعاية رأس مال اجتماعي مهم، وهو أحد صمامات التوازن في زمن تراخي العرى أو انفصامها. هو حاجة تربوية وضرورة اجتماعية، وشاهد على أن المجتمعات لا تُقاس بتقدم مؤسساتها وتقنياتها، وإنما بقدرتها على صيانة روابطها المجتمعية وعلى رأسها الأسرة؛ ذلكم المعنى الدافئ الآسر، وتلك الدرع الحصينة الواقفة بشموخ للحيلولة دون الشرور والآفات.
وستظل الأسر التي تحافظ على هذه المرجعية الواعية أكثر قدرة على الاجتماع، وأقرب إلى الاستقرار، وأبعد عن التلاشي في زحام من مفاهيم فردية وأنانية ومادية. إن إحياء منصب عميد الأسرة ليس نكوصًا نحو الماضي، وإنما مطلب ملح آني ومستقبلي لمواجهة سيولة المبادئ والأعراف، وتواتر التغيير وتوارد المؤثرات الخارجية؛ فالتكوين المجتمعي الذي يفقد كبراءه، يفقد بوصلته، وتضيع منه أصوله وركائزه، وتتلاشى مآثره ومحاسنه.
- التصنيف: