وصايا مع اقتراب شهر شعبان

منذ 3 ساعات

هذا شهرُ شعبان قد اقترب، اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان، وهذا الشهر يُسميه العرب بالشهر القصير الذي ما أسرعَ ما تنقضي أيامه ولياليه، وفي هذا عِبَرٌ وأيّ عِبَر، وتنبيهاتٌ مهمة.

أيها المؤمنون: ثبت في السُّنن من حديثِ أُبيٍّ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- قال: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لا تسبُّوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخيرِ ما فيها وخير ما أُمرت به، ونعوذُ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به"؛ هاجت عليكم هذه الريح الشمالية وأثارت عليكم الغبار، وإنا نسأل الله -جل وعلا- من خيرها وخير ما فيها وخيرِ ما أُمرت به، ونعوذ به -سبحانه وتعالى- من شرها وشر ما فيها وشر ما أُمرت به، وجعل الله عاقبتها السيل المُبارك والطهور الطيب الذي يُزَّكي قلوبنا وأرضنا، إنه -سبحانه- ولي ذلك.

عباد الله: هذا شهرُ شعبان قد اقترب، اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان، وهذا الشهر يُسميه العرب بالشهر القصير الذي ما أسرعَ ما تنقضي أيامه ولياليه، وفي هذا عِبَرٌ وأيّ عِبَر، وتنبيهاتٌ مهمة.

أولها -يا عباد الله- أن يتفقد الإنسان نفسه وأهله وحريمه فيمن كان عليهِ أيامٌ من رمضان الماضي لم يصمها فليُبادر إلى صيامها في هذا الشهر، ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أم المؤمنين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قالت: "كان يكون عليَّ القضاءُ من رمضان فلا أصومه إلا في شعبان لمكان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- مني".

فانتبهوا -يا رعاكم الله!- وانظروا ما عليكم من أيامٍ من رمضان أو على أهليكم ونسائِكم وأولادكم، تفقدوهم وابحثوا معهم ليصوموا الأيامَ قبل مجيء رمضان، فإن جاء رمضانُ ولم يصُم الإنسانُ ما عليه أو بقي عليهِ من تسويفه وتأخيره فإنه يلزمه أمورٌ ثلاثة:

أولها: الإثم؛ لأنه أخَّر القضاء عن وقته.

وثانيها: وجوبُ القضاء ثابتًا متعلِّقًا في ذمته.

وثالثًا: يُطعِم مسكينًا عن كل يومٍ أخَّره كفارةً وعُقوبةً لتأخيرهِ حتى جاء رمضان الجديد.

في هذا الشهر -يا عباد الله- اعتقادٌ عتد بعض الناس أن ليلة النصف منه هي ليلةُ تقسيم الأرزاق بما ينزل من السماء، فيتأولون قول الله -جل وعلا-: (حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا ‌يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)[الدخان: 1-5]، والصحيح أن هذه الليلة التي فيها يُفرق كل أمرٍ حكيم هي ليلة القدر كما جاءت بذلك الأدلةُ الصحيحة الثابتةُ في كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- ومن حديث نبيكم محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-.

وشهر شعبان شهرٌ يُغفلُ عنه، ولهذا ثبت في الصحيحين أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- "كان أكثر ما يصوم في شهر شعبان كان يصومه كله إلا قليلاً"، كما في الصحيحين من حديث عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، ولما سُئِل عن ذلك -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قال: "ذلك شهرٌ يُغفلُ عنه" -أي قبل رمضان-.

والصيام في هذا الشهرِ -يا عباد الله- كالراتبةِ القبليةِ للفريضة فريضةِ رمضان، كما أن الصلوات لها سُننٌ قبلية ولها سُننٌ بعدية، فاستغلوا أيامكم ولياليكم وبادروا بالعملِ الصالح؛ فإن "من صامَ يومًا في سبيلِ الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا"؛ كذا ثبت عن نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في حديث أبي سعيدٍ في الصحيحين.

 

أما بعد عباد الله: فاتقوا الله -جل وعلا- حق التقوى، وبادروا إلى العمل الصالح، وسابقوا إلى رضوانِ ربكم، فإن أيامكم في الدنيا معدودة، وأنفاسكم فيها محسوبة، بادروا بالعمل الصالح حتى تبيض بذلك وجوهكم عند ربكم وحتى تسعدوا يوم أن تلقوا ربكم، وقبل ذلك في قبوركم في برزخكم.

واعلموا -عباد الله- أنه ثبت في الصحيحين من حديث أنسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- قال: بينما النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يخطب الجمعة إذ دخل عليهِ أعرابيٌ فقال يا رسول الله! هلك المال، وجاع العيال، وانقطعت السُّبل، فادعُ الله أن يُغيثنا، فرفع النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يده وما زال يرفع يديهِ يستسقي، قال أنسٌ: فواللهِ ما في السماءِ من قزعة حتى ظهرت سحابةٌ من وراءِ سِلع فانتشرت فمُطرنا سبتًا لم نرى فيها الشمس ما بين مطرٍ ودي، فلما جاء الجمعةُ الأُخرى دخل الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله! هلك المال وانقطعت السُّبل فادعُ الله أن يُمسِك عنا، فتبسَّم -عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، وأصبح يُشير بإصبعه حتى تمزَّق السحاب، قال أنسٌ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه-: فخرجنا نمشي في الشمس. ومدارُ ذلك كله -يا رعاكم الله- على حُسنِ الظن بالله وكمال الثقةِ به، وأن العبدَ إنما يؤمِّل من ربهِ خيرًا.

ثم اعلموا -عباد الله- أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وشر الأمورِ محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم عباد الله بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، ولا يأكل الذئب إلا من الغنم القاصية.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللهم وارضَ عن الأربعةِ الخلفاء، وعن العشرةِ وأصحابِ الشجرة، وعن المُهاجرين والأنصار، وعن التابعِ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

                

علي بن عبد العزيز الشبل

أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

  • 0
  • 0
  • 25

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً